مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»: ضمانات أميركية لأنقرة بشأن المنطقة الآمنة

الأكراد سيقترحون على أهل الرقة ضمّها إلى «الإدارة الذاتية» بعد تحريرها

مقاتلتان من قوات الحماية الشعبية الكردية على سطح أحد الأبنية مع أسلحتهما في قرية «مزرعة خالد» (أ.ف.ب) - مقاتلات من قوات الحماية الشعبية الكردية بين زملائهن أمس قرب قرية «مزرعة خالد» 
التي تبعد 40 كلم عن الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش (أ.ف.ب)
مقاتلتان من قوات الحماية الشعبية الكردية على سطح أحد الأبنية مع أسلحتهما في قرية «مزرعة خالد» (أ.ف.ب) - مقاتلات من قوات الحماية الشعبية الكردية بين زملائهن أمس قرب قرية «مزرعة خالد» التي تبعد 40 كلم عن الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش (أ.ف.ب)
TT

مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»: ضمانات أميركية لأنقرة بشأن المنطقة الآمنة

مقاتلتان من قوات الحماية الشعبية الكردية على سطح أحد الأبنية مع أسلحتهما في قرية «مزرعة خالد» (أ.ف.ب) - مقاتلات من قوات الحماية الشعبية الكردية بين زملائهن أمس قرب قرية «مزرعة خالد» 
التي تبعد 40 كلم عن الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش (أ.ف.ب)
مقاتلتان من قوات الحماية الشعبية الكردية على سطح أحد الأبنية مع أسلحتهما في قرية «مزرعة خالد» (أ.ف.ب) - مقاتلات من قوات الحماية الشعبية الكردية بين زملائهن أمس قرب قرية «مزرعة خالد» التي تبعد 40 كلم عن الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش (أ.ف.ب)

بعد أيام من انطلاق «قوات سوريا الديمقراطية» في عملية تحرير مدينة الرقة الواقعة في الشمال السوري بدعم جوي أميركي، من تنظيم داعش، برزت تصريحات لقياديين أكراد رجحوا فرضية ضم المدينة ذات الغالبية السنية إلى ما يُعرف بـ«منطقة الإدارة الذاتية الكردية»، وهو ما أثار مخاوف المعارضة السورية وناشطين في المنطقة وجعلهم يتساءلون عن مغزى الدعم الأميركي للمقاتلين الأكراد في هذه المعركة وما إذا كانت واشنطن باتت تؤيد حقيقة قيام دولة كردية أو أقله اعتماد نظام فدرالي في سوريا. بينما أكدت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»، أن أنقرة حصلت على ضمانات كاملة من واشنطن باستكمال عملية درع الفرات ومنع الربط بين جرابلس وجيب عفرين الكردي القريب من مدينة هطاي الحدودية التركية مع سوريا. كذلك دخول الجيش السوري الحر إلى مدينة منبج، التي لا يزال يوجد فيها 200 من عناصر الوحدات الكردية تريد أنقرة إخراجهم إلى شرق الفرات. فضلا عن تسريع عملية إخراج «داعش» من مدينة الباب.
وقالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»، إن خطة تركيا لإقامة منطقة آمنة على مساحة 5 آلاف كيلومتر مربع بطول 98 كيلومترا بين جرابلس وأعزاز وبعمق 45 كيلومترا في عمق الأراضي السورية، باتت محل توافق مع واشنطن وموسكو من أجل عودة اللاجئين السوريين المنتمين إلى القرى والبلدات التي تقع ضمن هذه المنطقة إلى أراضيهم.
في الوقت نفسه واصل الجيش التركي تعزيز قواته على الحدود مع سوريا والعراق وقام رئيس الأركان التركي بزيارة لمواقع القوات التركية على الحدود السورية أعقبها أمس بزيارة للقوات التركية على حدود العراق.
من جانبه أكد وزير الدفاع التركي فكري إيشيك أن الجيش التركي سيتقدم إلى كل مكان ضروري لحماية الأمن التركي.
وتخشى تركيا من تحول المواجهات مع «داعش» إلى حرب عرقية أو طائفية تهدد المنطقة وتهدد تركيا نفسها، وهذا ما يدفع تركيا إلى التمسك بعدم دخول القوات الكردية ضمن قوات سوريا الديمقراطية إلى داخل الرقة، والإصرار على أن يتم ذلك من خلال قوات عربية تقوم بتدريبها على غرار ما حدث في درع الفرات حتى الآن.
في سياق آخر، نقلت صحيفة «إيزفيستيا» الروسية عن ممثل حزب «الاتحاد الديمقراطي» الكردي السوري في موسكو عبد سلام علي، أمس، قوله إن الكرد، بعد الانتهاء من «تطهير المدينة من الإرهابيين، قد يضمونها إلى منطقتهم الذاتية الحكم»، لافتا إلى أنه بإمكان «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري، تشكيل مجلس عسكري لإدارة المدينة بعد «تطهيرها»، وضمها إلى النظام الفيدرالي الذي أعلنوه في شهر مارس (آذار) الفائت. وأضاف أن «هذه المسألة يقررها سكان المدينة، فإذا وافقوا على بقاء القوات الكردية في المدينة، فسوف تبقى القوات. وطبعا، فإن الجزء الرئيسي من هذه القوات سوف ينسحب من المدينة في جميع الأحوال، أي سيبقى فيها ما يلزم لحفظ النظام. أما من الناحية الإدارية، فإن من الممكن تكليف مجلس عسكري للقيام بهذه المهمة، على غرار ما جرى في مدينة منبج بعد تحريرها».
وبينما اعتبرت نوروز كوباني، من المكتب الإعلامي لوحدات حماية المرأة YPJ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنّه «من الطبيعي أن يتم إنشاء مجالس وبلدية ومحاكم تكون على صلة بمدن محررة أخرى من أجل بت مسألة إدارة الرقة بعد تحريرها»، لافتة إلى أنه «لا شيء محسوم أو واضح حتى الساعة»، شدّد قيادي كردي على أنه «لا وجود لمصطلح (ضم) لدى قوات سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، باعتبار أنه لا يمكن فرض أي شيء من هذا القبيل على أي منطقة أو مدينة»، مشيرا إلى أن «أهلها هم من يقررون مصيرها». وقال القيادي المذكور الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لـ«الشرق الأوسط»: «من المستغرب سعي الإعلام الروسي المستمر لطرح الموضوع من هذه الزاوية، خاصة أن الأمور لا تزال أصلا بعيدة طالما لم يتم حتى الساعة تحرير مدينة الرقة».
ولا توحي تصريحات المسؤولين الأميركيين بتأمينهم غطاء للأكراد لضم الرقة إلى «منطقة الحكم الذاتي»، وهو ما عبّر عنه أخيرا المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر، لافتا إلى أن «الولايات المتحدة تعتقد أن التشكيلات الكردية المسلحة المشاركة في عملية تحرير مدينة الرقة سوف تنسحب من المدينة بعد تحريرها وتطهيرها»، ولكنه لم يحدد ما إذا كانت القوات الكردية ستنسحب بكاملها أم سيبقى جزء منها في المدينة لإدارتها وللمحافظة على الأمن فيها.
ولا تقتصر الإشكالية المطروحة على الرقة باعتبار أن ملف مدينة منبج التي حررتها «قوات سوريا الديمقراطية» بوقت سابق من تنظيم داعش عاد ليُفتح مع إعلان مقاتلي المعارضة المنضوين في عملية «درع الفرات» نيتهم التوجه إلى المدينة بعد سيطرتهم على الباب، وهو ما يؤكد المسؤول الكردي أنه «غير ممكن على الإطلاق، من منطق أن هذه المجموعات من المقاتلين تابعة مباشرة لتركيا»، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «لن يُسمح لهذه المجموعات بالتقدم في أي منطقة حررتها قوات سوريا الديمقراطية كي تكون الكلمة فيها لأنقرة».
بالمقابل، يحسم أحد القياديين في «درع الفرات» بأن خطة عملهم تقضي بالتوجه إلى منبج بعد السيطرة على الباب، لافتا إلى أنهم تلقوا وعودا من الأميركيين بانسحاب المقاتلين الأكراد إلى شرقي الفرات، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لكن إذا لم يتجاوب هؤلاء مع المطالب الأميركية فإننا لن نتردد بخوض مواجهة مباشرة معهم.. والصدام سيكون قادما لا محالة».
وفي التطورات الميدانية التي شهدتها الرقة ومحيطها يوم أمس، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان باستمرار الاشتباكات العنيفة بين «قوات سوريا الديمقراطية» من جهة، وتنظيم داعش من جهة أخرى في الريف الشمالي للمدينة، وسط تمكن قوات سوريا من التقدم والسيطرة على قرية جديدة ليرتفع إلى 17 قرية ومزرعة على الأقل عدد المناطق التي تقدمت إليها هذه القوات منذ بدء معركة «غضب الفرات» قبل أيام والتي تهدف لعزل مدينة الرقة عن ريفيها الشمالي والشرقي، لافتا إلى أن الاشتباكات تترافق مع قصف للتحالف الدولي على قرية خنيز ومناطق أخرى في الريف الشمالي.
وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية» فإن عاصفة من الغبار أعاقت تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» في المنطقة الصحراوية نحو مدينة الرقة، كما شلت قدرة طائرات التحالف الدولي على رصد تحركات عناصر تنظيم داعش.
من جهتها، أشارت المتحدثة باسم حملة «غضب الفرات» جيهان شيخ أحمد إلى أن «قواتنا تقترب من الالتقاء، وتعتمد استراتيجيتنا على التقدم وفق مراحل ومحاصرة العدو ضمن مناطق واسعة تمهيدا لبدء عمليات التمشيط». وأضافت أنه «بعد السيطرة على 15 قرية والكثير من المزارع منذ بدء الهجوم، استطعنا قطع ثلث المسافة نحو مدينة الرقة، إذ أحرزنا تقدما باتجاهها بمسافة 15 كيلومترا ولا يزال يفصلنا عنها ثلاثون كيلومترا».
ودفعت المعارك والغارات الآلاف من سكان القرى الواقعة في ريف الرقة الشمالي إلى النزوح خشية من استخدامهم كدروع بشرية. وأحصت قوات سوريا الديمقراطية الخميس نزوح أكثر من خمسة آلاف شخص منذ بدء الهجوم السبت، من مناطق الاشتباك باتجاه مدينة عين عيسى. وقالت إنهم يعيشون في ظروف صعبة جراء النقص في المساعدات.
ولا تقتصر التحديات التي يعيشها المدنيون في الرقة ومحيطها على نقص المساعدات والحصار الذي يفرضه «داعش» بل وبشكل أساسي على القصف الذي يتعرضون له من طيران التحالف الذي لا يميز في الكثير من الأحيان بين الأهداف العسكرية وتلك المدنية، وهو ما أدّى يوم الثلاثاء إلى مقتل 20 منهم في قرية الهيشة الواقعة تحت سيطرة التنظيم المتطرف في ريف الرقة الشمالي.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.