راهنية التراث في عالمنا المعاصر

يعدّ مرجعية تاريخية وثقافية حاسمة في دعم مقومات الشخصية وتقوية الشعور بالانتماء

راهنية التراث في عالمنا المعاصر
TT

راهنية التراث في عالمنا المعاصر

راهنية التراث في عالمنا المعاصر

يؤكد كثير من الباحثين، أهمية دراسة التراث، باعتباره عنصرًا أساسيًا لفهم طبيعة التطور وكيفية تشكل بنية المجتمع. من هنا، فالتراث مدخل مناسب لدراسة الماضي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
بدأ الاهتمام بالتراث في السياق الثقافي (العربي)، منذ بواكير النهضة، مع ثلة من الباحثين، من أمثال رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، والكواكبي، إذ حرك هؤلاء التفكير في التراث، في محاولة للإجابة عن الأسئلة الملحة لعصر النهضة، من قبيل: كيف يمكن تحقيق التقدم واللحاق بالآخر (الغرب)؟ لقد وعى هؤلاء المفكرون، أهمية التراث في تطوير المجتمع العربي، فتزايد الاهتمام بالتراث، وتعددت زوايا دراسته ومقاربته.
لقد تجدد الوعي بأهمية التراث في عالمنا المعاصر، وارتبط بسياق عالمي موسوم بتحولات كبرى وأزمات ذات مستويات فكرية وسياسية واجتماعية ومالية وثقافية ومجالية وبيئية. هذه المستويات تتفاعل فيما بينها، لتعيد للبعد الثقافي أهميته، من خلال راهنية البحث عن المعنى، وعن سبل جديدة للعيش المشترك وبناء الحضارة. وقد سعى كثير من دول العالم، إلى إعادة الاعتبار للشأن الثقافي، باعتباره مدخلا رئيسا لتحقيق التنمية المستدامة، وإشاعة قيم العدالة والمساواة، وترسيخ الأمن والاستقرار في مواجهة أشكال الصراع المدمرة.
في هذا السياق إذن تجذر الوعي في كثير من البلدان النامية بقيمة الثقافة، كحاملة للمعنى والهوية، ما يستلزم تبني استراتيجية ثقافية، من ملامحها: احترام الهوية الثقافية والتنوع الثقافي، حماية وتثمين التراث المادي واللامادي، دعم الفنون الشعبية واللغات الوطنية، تشجيع المواطنين على المشاركة في الشأن الثقافي، اعتبار الثقافة عاملاً محركًا للإبداع والتنمية الاقتصادية وخلق الثروة.
هذه بعض ملامح يقتضي هذا السياق الجديد، الاعتراف بدور الثقافة في التنمية الوطنية والجهوية، ما يستلزم تشجيع الصناعة الثقافية، والاستثمار في مكونات الثقافة. وفي إطار هذا الاهتمام بالثقافة، يندرج اهتمام بلدان العالم، خصوصا النامية، بالتراث. ذلك أن هذه البلدان تعيش ظروفا وأوضاعا (الحروب، الفقر..)، تنعكس سلبا على الكنوز والآثار الإنسانية القيمة، التي تتعرض للتدمير والضياع والسرقة. لكن ما هو التراث؟

مفهوم التراث
يحيل مفهوم التراث في العربية، على الموروث من كتب الحضارة العربية الإسلامية. وشكَّل التراث، لعقود عدة، المعرفة التي خلفها عباقرة الإسلام، سواء كانوا مغاربة أم مشارقة، أي مجموع المعارف الإنسانية الانتقائية المتراكمة خلال قرون. ويقترح الموقع الرسمي لـ«اليونيسكو»، صورة تقريبية للتراث، فيعتبره «موروثًا (تركة) الماضي التي نستغلها اليوم ونحولها إلى الأجيال الثقافية. وتراثنا الثقافي والصناعي مصادر للحياة والإلهام لا بديل عنها».
من خلال هذه الصورة، يتضح أن التراث متصل بالماضي. فهو تركة وجب الحفاظ عليها وتناقلها بين الأجيال الحالية والمستقبلية. يهم هذا النقل كل ما له قيمة بالنسبة لجماعة بشرية، سواء كان ماديًا (كالمعالم الأثرية) أو لا ماديًا (العادات، التقاليد).
والتراث عنصر ملازم للثقافة، ينتجها وينتج عنها. وهو ذلك العنصر الذي يعطي للثقافة تجسيدًا وفاعلية من جهة، وثباتًا واستمرارية عبر الزمن من جهة أخرى.
والتراث أيضا، مجمل الرموز الحاملة للهوية، وهي رموز تستمد معانيها ودلالاتها وشحناتها العاطفية، من الثقافة. وبهذا التحديد يتموقع التراث بين الثقافة والهوية، إذ يستمد من الثقافة أشكاله ومعانيه، فتستمد منه الهوية حدودها.
وما يلاحظ في استعمال التراث أنه مفهوم عصي على التحديد، لدرجة يمكن معها القول، بطريقة مختزلة ومخلخلة، إن «التراث غير موجود»، وتصوُّره فعل مبنيّ. أما التراث باعتباره مفهومًا، فهو نتيجة لتأويل اجتماعي يحفز عبر مصالح متنافسة.
إن المواقف المسبقة للفاعلين وأدوارهم واختلاف منطق كل طرف، كلها عناصر تجعل من مفهوم التراث مفهوما انتقائيا، وذاتيا، وخاضعا للتطور الزمني. وهو مرتبط بقيم وتأويلات ذاتية وفاعلين مهتمين.

تصنيفات التراث
يلاحظ الدارس للكتابات المتصلة بالتراث، تنوع المصطلحات الموظفة للإحالة على الظاهرة التراثية. ومن هذه المصطلحات: المعلم الثقافي، المصدر الثقافي، التراث الثقافي.. كما يلاحظ تعدد التصنيفات المقترحة للتراث. ويعكس هذا التعدد، تنوع مواقع الباحثين ومواقفهم من التراث. ومن التصنيفات المطردة في هذا الإطار: التراث الطبيعي، ويدل على المعالم الطبيعية، كالتشكلات الفيزيائية، والبيولوجية الطبيعية، والتشكيلات الجيولوجية، ثم المواقع الطبيعية.

التراث الثقافي
يميز الباحثون في هذا التراث بين نوعين:
تراث مادي، وهو العقار (الأبنية، مواقع أركيولوجية، مآثر تاريخية..)، والأدوات (الأسلحة، الجواهر، الخزف، الفخار، الملابس، الأواني، الأبواب..). وتراث لا مادي، ويقصد به كل الخبرات والمهارات والمظاهر الثقافية الموروثة ذات القيمة التي تنتقل من جيل إلى جيل، وكل ما يعكس الشعور بالانتماء والهوية. ومن العناصر المكونة للتراث الثقافي اللامادي هذا: الموروث الشفهي (اللغات، الحكايات، الأشعار، الأمثال، الأغاني..)، الموسيقى وفنون العزف، العادات الاجتماعية والأعياد وطقوس التعبد، المعرفة وأساليب التعامل مع الطبيعة والعالم، الحرف والمنتجات التقليدية.
حين ندرك الروابط الحميمة بين التراث المادي واللامادي، سيتأكد لنا أن الفصل بينهما صعب، فالآلات الموسيقية التراثية مثلا توجد في نقطة تقاطع بين النوعية من التراث. فهي تراث مادي بالنظر إلى كونها ملموسة ومصنوعة من مواد محددة. وهي أيضًا، تراث لا مادي اعتبارًا لخبرات ومهارات صانعها.
مما سبق، يحق اعتبار التراث الثقافي، تشكيلة من القيم المادية واللامادية التي تستوعب الموضوعات والتقنيات، والخبرات، والمعارف، والمعتقدات، والعادات، التي خلفها لنا أسلافنا، وحافظنا عليها لنقلها إلى الأجيال المستقبلية. وكل هذه العناصر والمكونات، تتقاسم خاصية محددة، وهي كونها موارد غير قابلة للتجدد، فكل عنصر أو مظهر يهمل سيضيع إلى الأبد. من هنا وجب الحفاظ على التراث الثقافي وتثمينه.

دوافع الاهتمام بالتراث
تتعدد دوافع الاهتمام بالتراث في البلدان النامية، ومن هذه الدوافع، تطور الفكر الثقافي في الغرب. ومن مظاهر هذا التطور:
- إحياء الطرز المعمارية القديمة، الإيمان بخطية التاريخ، أي أن كل حدث أو أثر تاريخي، فقد لا يعوض، ومن هنا تنبع قيمة التراث.
- الثورات والحروب والتدمير باسم التحديث.
- عوامل التدمير الطبيعية والبشرية.
ويفسر الاهتمام بالرموز التراثية، باعتبارها دعامة، ومصدر اعتزاز لدى كل شعب، لأنها دليل أصالة وعراقة. لذا فالحرص على الحفاظ على التراث، ترجمة لوعي الأفراد والجماعات، يسهم بدوره، في ترسيخ الهوية الفردية والجماعية. كما أن تنامي الخطابات الداعية إلى الحفاظ على التراث، يستجيب لسياق يعرف تفاقم تيارات العولمة، وتعاظم أخطارها على الخصوصيات الثقافية والحضارية للأمم والشعوب. فالعولمة تهدد كثيرًا من الهويات الوطنية والمحلية، بالتلاشي، أو الذوبان في الهوية الغازية الغالبة، بينما التراث الإنساني باعتباره مكونا للهويات، معرض للمسخ والتشويه والتبخيس.
مما سبق، يتبين أن التراث جزء من ذاكرة الأفراد والأمم. وهو محدّد للهوية الوطنية، ومحافظ عليها في مواجهة تيارات العولمة التنميطية الإقصائية. إنه أداة لتحصين تلك الهوية، ومرجع للذاكرة وللروح لإيجاد توازن مع طبيعة الحياة.

التراث والتنمية
تشكل التنمية موضوعًا لاشتغال كثير من العلوم الاجتماعية والإنسانية، خصوصًا علمي الاجتماع والأنثروبولوجي، اللذين يعالجان قضايا التخلف، والفقر، والرواسب الثقافية، والصراعات الآيديولوجية والعرقية والإثنية، وتأثير ذلك على مسارات التنمية. وبالمجمل، تعرف التنمية كسيرورة ثقافية واجتماعية، لا يمكن فهم إشكالاتها من دون سبر أغوار البناء الاجتماعي والثقافي الذي يتأسس عبره المجتمع. والتنمية عمومًا هي التغيير الكمي والكيفي للمجتمع على المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. فهي كل متداخل منسجم، يهدف إلى تحسين شروط الحياة باتجاه تكريس الرفاه الاجتماعي.
ويرى بعض الدارسين، أن علاقة التراث بالتنمية ضعيفة. فالتراث - بالنسبة لهم - عامل ثانوي في تحقيق التنمية، لأن أثره (وأثر الثقافة عموما)، لا يظهر إلا بشكل بطيء على المدى المتوسط والبعيد. غير أن التحولات العميقة المتصلة بالعولمة، غيرت هذه النظرة، وأيقظت الوعي بخطورة العولمة على الهوية الفردية والجماعية. ومن هنا، بدأت تتبلور رؤى ومقاربات جديدة، تطمح إلى تجاوز جهود الحفاظ على التراث، إلى مستوى تثمينه واستثماره في مجال التنمية والحفاظ على الهوية الوطنية. ضمن هذا التوجه، ترسخ الشعور لدى فئات عريضة من المجتمع، بأهمية التراث، باعتباره يشكل مرجعية تاريخية وثقافية حاسمة في تركيز دعائم ومقومات الشخصية، وفي تقوية الشعور بالانتماء. فالتراث أداة مؤثرة في الصراع والتدافع. وهو عنصر ضامن للوحدة والاستقلال. كما أنه مجال متنوع (طبيعي، بشري، مادي ومعنوي)، يسهم في تحريك الطاقات المنتجة لأجل تنمية محلية جهوية ومحلية مندمجة ومستدامة.
في هذا السياق أيضًا، تعاظم الحديث عن استثمار التراث في المشروعات التنموية، أي «الصيانة المندمجة للتراث، باتخاذ تدابير وإجراءات تضمن استمراريته في محيطه الطبيعي والبشري الملائم، وتوظيفه عقلانيا للاستفادة من منافعه حاضرا ومستقبلا». ويبدو مفهوما التراث والتنمية اليوم، مفهومين متوافقين، إذ سيحظيان بالإجماع من طرف صناع القرار والمسؤولين جهويًا ومحليًا. وهكذا، سيغدو الحفاظ على التراث الثقافي (كملكية جماعية)، شأنا للناخبين، إذ إن هناك قناعات لدى فعاليات مدنية ورسمية، بأن المدينة - الجهة التي تثمن موروثاثها الثقافية، توفر إمكانيات لإعداد أفضل لمستقبلها. وقد ولّدت القناعات السالفة الذكر، مفهوم «المدينة الدائمة» كمقابل لـ«المدينة الوظيفية».
يتضح مما سبق، تلازم مفهومي التراث والتنمية، إذ يمثلان بعض القياسات التي تعكس إرادة لإدماج البعد التاريخي في برامج التنمية، أي مفصّلة الماضي والحاضر والمستقبل الخاص بالمجتمعات، في منطق تحويل وتضامن لأجيال متداخلة. ولأن التراث مورد غير قابل للتجدد، فالإحالة عليه بالحفاظ أو التثمين، تعد واحدة من الصيغ الشرعية المميزة للاستدامة على السلم الكوكبي. فالتراث مورد رمزي قيم، متصل بقوة بسؤال الذاكرة والهوية، وإرادات استعماله من طرف المنتخبين المحليين. لكنه أيضا، مورد اقتصادي تحت الزاوية السياحية بالخصوص، ذلك أن التراثية صيغة لتثمين الفضاءات والمجالات.
إن تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، رهن باستحضار الفضاءات والعناصر كافة التي تتفاعل بهدف تحقيق رخاء الإنسان، الذي يعد عنصرا بؤريا في كل مشروع تنموي. ومن المداخل الكفيلة بتثمين التراث الثقافي، إدماجه في استراتيجية تروم النهوض بالسياحة الثقافية.

* أستاذ باحث - المغرب



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي