«حرب باردة» جديدة بين واشنطن وموسكو

«سي آي إيه» تدرس خيارات للرد على الاختراقات «السيبرانية» الروسية

«حرب باردة» جديدة بين واشنطن وموسكو
TT

«حرب باردة» جديدة بين واشنطن وموسكو

«حرب باردة» جديدة بين واشنطن وموسكو

تعرضت الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي لموجة هائلة من الهجمات الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت، وخلال يوم الجمعة الماضي شهدت مواقع أميركية شهيرة، مثل «أمازون» و«تويتر» و«نتفليكس» و«رديت» و«اتسلي»، إضافة إلى مواقع لصحف مثل «نيويورك تايمز» و«بوسطن غلوب» إلى أضرار نتيجة اختراق مواقعها، وتم إغلاق المواقع والخدمات في كافة أنحاء الساحل الشرقي للولايات المتحدة. من ناحية أخرى، كانت روسيا قد استأنفت خطط التطور التقني مع مجيء الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة في عام 2000، بعد سنوات من التراجع التقني أمام الغرب. ويومها، اتخذ القرار بإعادة تفعيل هذا الجانب، رغم أن التطور التكنولوجي كان قائمًا في سنوات الحرب الباردة، حيث شهدت تنافسًا تقنيًا مع الولايات المتحدة الأميركية، وتحديدًا في مجال الصواريخ الجو فضائية.
الجانب السياسي للهجمات الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت، وتحديدًا طموحات موسكو السياسية والأمنية، تعزز بعدما تسربت خلال الأسابيع والشهور الماضية «الإيميلات» الخاصة بكبار الشخصيات الأميركية، وشملت المراسلات الإلكترونية جون بوديستا، مدير حملة المرشحة الرئاسية الديمقراطية هيلاري كلينتون، ووزير الخارجية الأسبق كولن باول، وكذلك تسريب للبريد الإلكتروني لرئيسة لجنة الحزب الديمقراطي ديبي واسرمان شولتز؛ ما دفعها إلى الاستقالة، وهذا إضافة إلى تحذيرات من هجمات إلكترونية روسية لمواقع سجلات الناخبين الأميركيين في ولايات عدة. وأخيرًا، مع تصريحات المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب حول «تلاعب محتمل» في نتائج الانتخابات، يخشى المسؤولون من تعرض الناخبين لعمليات خداع وتضليل.

المشهد.. أميركيًا
يقول خبراء أمنيون في شركة إنترنت ترافيك كومباني Internet traffic company، إن الهجمات الأخيرة كانت جيدة التخطيط والتنفيذ، وجاءت من عشرات الملايين من عناوين الإنترنت في وقت واحد، ويوجه هؤلاء أصابع الاتهام صراحة إلى دول مثل روسيا والصين اللتين، كما يقولون، تعملان على تطوير قدرات لشن حرب إلكترونية متقدمة ضد الولايات المتحدة والغرب.
في هذا السياق، انتقد كل من نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، ومدير الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر ووزير الأمن الداخلي جيه جونسون، روسيا علانية، واتهموها بالوقوف وراء هذه «الاختراقات لشبكة الإنترنت». ومن ثم هددت الإدارة الأميركية بالرد على الاختراقات الإنترنتية أو «السيبرانية» الروسية، وقال مسؤولون في الاستخبارات الأميركية لشبكة «إن بي سي نيوز» الإخبارية التلفزيونية، إن إدارة الرئيس باراك أوباما «تفكر في شن هجوم سري سيبراني لم يسبق له مثيل ضد روسيا ردًا على الشكوك في اختراق روسي لمواقع سجلات الانتخابات الأميركية».
وحسب التقارير طلبت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) من مسؤولين حاليين وسابقين وضع مقترحات وخيارات للبيت الأبيض من أجل شن عملية «سيبرانية» سرية واسعة النطاق تهدف إلى إحراج قيادات الكرملين. كذلك تشير المصادر الاستخباراتية إلى أن خطة وضعت بالفعل وتحددت فيها الأهداف وجرى وضع التحضيرات. ويشير محللون في هذا الإطار إلى أن «سي آي إيه» ترغب في التصعيد، وتتحضر حقًا لعمل «سيبراني» كبير، و«بعض الخيارات تشمل تسريبا لوثائق خاصة للرئيس الروسي فلاديمير يوتين».
من جهة ثانية، يقول نيكولاس ويفر، أحد كبار الباحثين في معهد علوم الحاسب الدولية بجامعة كاليفورنيا، بيركلي «إن الإعلان عن الاختراقات من قبل وكالة الاستخبارات المركزية إما يعني أن الوكالة تريد الضغط على إدارة الرئيس أوباما للحصول على موافقته في تصعيد الحرب الإلكترونية ضد روسيا، أو أن الأمر كله خدعة.. وكل ما تسعى الوكالة إليه هو محاولة تخويف روسيا، وإلا فأين كل عباقرة ووكالات الأمن القومي؟»، ويتابع ويفر «لو أقررنا بهذه الاختراقات، فهل الرد بتسريب وثائق خاصة ببوتين ستجعله يخاف ويتوقف عن شن مزيد من الهجمات الإلكترونية؟ بالطبع لا، بل إن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن التوترات بين القوتين ستتزايد عبر الإنترنت».
من جانبه، يشير جيمس ستافريديس، المسؤول العسكري السابق في حلف شمال الأطلسي «ناتو»، إلى أنه يتوجب على الولايات المتحدة «تجميع أدلة ضد روسيا والكشف عن أسماء المسؤولين الروس الذي سمحوا بهذه الهجمات الإلكترونية ضد الولايات المتحدة بما يضع موسكو في وضع محرج». وبينما اقترح بعض الخبراء استخدام تقنيات إلكترونية لفضح الرئيس الروسي والكشف عن ممتلكاته المالية في الخارج، رأى آخرون أن هذه الخطوات يمكن أن تفاقم الأزمة المتصاعدة أكثر بين واشنطن وموسكو.

التحدي الروسي الجدي
وحول الأزمة المتفاقمة يعلق البروفسور ديفيد ستابلس، مدير مركز العلوم الأمنية بجامعة سيتي – لندن، بأن الاستخبارات الروسية «قررت منذ سنوات جعل الحرب الإلكترونية أولوية دفاعية وطنية وباتت بارعة على نحو متزايد في شن الهجمات (السيبرانية)..».. ويتابع ستابلس إن «روسيا قررت منذ عام 2007 أن حرب المعلومات هي المحور الرئيسي لكسب أي نزاع في العالم، وبالتالي، قررت ضخ استثمارات عسكرية لرفع القدرة والتكنولوجيا، واليوم غدت روسيا موطنًا لأفضل المتسللين والقراصنة الإلكترونيين في العالم، خلال فترة عشر سنوات فقط ها هي روسيا مستعدة لخوض حرب إلكترونية مع الولايات المتحدة».
في هذه الأثناء، هناك البعد الاقتصادي؛ إذ يحذر الخبراء من حرب إلكترونية ضد الاقتصاد الأميركي، إذ يبلغ حجم «الاقتصاد الجديد عبر الإنترنت» أكثر من تريليون دولار، ومن دون شبكة الإنترنت فإن أعدادًا كبيرة من الشركات قد لا تظل قادرة على العمل بشكل طبيعي، وهنا تتزايد المخاوف فعليًا من اختراقات للبنوك والأنظمة المالية وشبكات أسواق المال.
كذلك امتدت المخاوف إلى الجانب العسكري، وحذر النائب الجمهوري دنكان هنتر، عن ولاية كاليفورنيا، وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» من تنفيذ خطتها لتقديم خدمة الإنترنت منخفض التكلفة للجنود الأميركيين في أماكن مثل العراق وأفغانستان، وحذر هنتر الذي عمل ضابط مشاة بالبحرية الأميركية في العراق وأفغانستان من المخاطر الأمنية في هذا الصدد؛ إذ قال: «يمكن أن تتعرض القوات الأميركية المقاتلة المنتشرة هناك لسرقة المعلومات الشخصية عبر شبكة إنترنت غير محمية يسيطر عليها دول معادية». وطالب سياسي آخر هو النائب ادم سيف، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، بالإحجام عن أي خطوة تستفز روسيا وتؤدي إلى مزيد من التصعيد، وشدد «لا أريد اتخاذ أي خطوة تؤدي إلى مزيد من التصعيد تدفع روسيا على الأرجح إلى نشر رسائل بريد إلكتروني ووثائق مزورة لا يمكن دحضها بسهولة خلال الأسبوعين المقبلين قبل الانتخابات الرئاسية».
وبينما أشار السيناتور الجمهوري كوري غاردنر، رئيس اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية والأمن السيبراني الدولي في مجلس الشيوخ، أنه يعتزم تقديم تشريع لفرض عقوبات على روسيا، يقول فرانكلن رايدر، مدير مركز أمن الإنترنت بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية: «جيد أن تفكر إدارة أوباما بجدية في كيفية الرد على العدوان الروسي للفضاء الإلكتروني، لكن لا بد من وضع استراتيجية جيدة للرد، وأن يكون الرد هادئا باستخدام الكثير من الأدوات مثل هجوم سيبراني مضاد وفرض عقوبات وزيادة الدعم لدول حليفة وصديقة تتعرض لهجمات من روسيا وهكذا». وأضاف غاردنر «يجب ألا يكون الرد هجمة مضادة لمرة واحدة، وإنما يجب على الولايات المتحدة وضع خطة أكثر انتظامًا بالتوازي مع العمل لحماية الأسرار وأنظمة الاستخبارات، ولا ينبغي أن تكون الولايات المتحدة وحدها في هذا الجهد، بل يجب التنسيق مع الحلفاء والشركاء الآخرين المتضررين من العمليات الإلكترونية».

.. والمشهد روسيًا
في هذه الأثناء، في موسكو ينفي الجانب الروسي على المستوى الرسمي ضلوع أجهزة استخباراته بها، ويذكر أن وسائل إعلام عالمية نقلت في الأسبوع الأخير من أكتوبر (تشرين الأول) معلومات عن اختراق «قرصان إنترنت» أميركي لقبه «شوت» الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية الروسية، إلا أن ماريا زاخاروفا المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية أكدت أن الموقع الرسمي للوزارة يعمل ولم يتعرض لأي هجمات إلكترونية، مرجحة أن الحديث ربما يدور عن الموقع القديم للوزارة. ولم يكن الحديث عن اختراق الصفحة الرسمية للخارجية الروسية سوى صفحة من صفحات مواجهة بدأت سريعا بالتزامن مع انطلاق الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة صيف العام الحالي. كما اشتكت الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات في الرياضة ممن قالت إنهم «قراصنة إنترنت» من روسيا يقفون خلف عملية نشر قوائم بأسماء الرياضيين الذين يتناولون منشطات بموافقة من الوكالة.
وعلى الرغم من نفي روسيا في كل حالات الاختراق مسؤوليتها عن تلك الهجمات، وتأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حديث لوكالة «بلومبيرغ» بأن «روسيا على المستوى الحكومي لم تقم يوما بمثل هذا العمل».
ويرى فلاديمير بروتير، الخبير الروسي من المعهد الدولي للدراسات الإنسانية – السياسية، أن الرد الذي توعدت به الولايات المتحدة روسيا سيكون موجها بصورة رئيسية على تقييد وصول روسيا إلى الفضاء الإلكتروني، مرجحا أن «الولايات المتحدة ستستغل إمكاناتها لحجب تلك الإمكانات والمخدمات التي تستخدمها روسيا في العالم الإلكتروني»، وموضحا أن «روسيا كثيرا ما تستخدم قدرات ونطاقات اتصالات معينة في الفضاء الإلكتروني العالمي لحل بعض المسائل، بما في ذلك لتسهيل حركة مرور بعض العمليات المالية الاقتصادية وغيرها. وسيتم حجب جزء (قسم) من تلك الإمكانات والقدرات»، حسب قول الخبير بروتير.

المواجهة ليست جديدة
أما الخبير الروسي رومان روماتشيوف، المدير العام لوكالة تقنيات التجسس (بي - تيكنو)، فيلفت إلى أن «الدول العصرية تستخدم في الواقع قراصنة الإنترنت أكثر فأكثر كأداة للتأثير في السياسة»، ويؤكد انطلاقا من تلك الرؤية أن المواجهة الإلكترونية بين روسيا والولايات المتحدة بدأت منذ وقت بعيد. ويعتقد روماتشيوف، أن مؤسسات السلطة الروسية ليست مهددة؛ لأنها حسب قوله «لا تحتفظ بأي معلومات سرية على مواقعها»، موضحا أن هذا الأمر يعكس السياسة التي تتبعها روسيا بشكل عام في هذا المجال؛ ولذلك «لا تنشر المؤسسات الحكومية سوى الأخبار».
إلا أن خطورة الدخول في مواجهة إلكترونية لا تقتصر على مسألة كشف الرسائل ومحاولة الوصول لأسرار الحكومات، ولعل خير توضيح لمدى جدية تلك المواجهة يعكسه بدقة قرار حلف شمال الأطلسي «ناتو» عام 2016 اعتبار الفضاء الإلكتروني رسميا بأنه «ساحة مواجهة» محتملة، علما بأن الحلف كان في السابق يطلق هذا الوصف فقط على البر والبحر والأجواء والفضاء. وكانت الولايات المتحدة أول من نظر إلى الفضاء الإلكتروني بأنه ساحة مواجهة، وذلك ضمن نص استراتيجية اعتمدتها عام 2011 حول النشاط في ذلك الفضاء، وتمنح فيه لنفسها الحق بالرد على «الأعمال التخريبية في الفضاء الإلكتروني» بكل الوسائل المتاحة. وفي نهاية العام ذاته، اعتمدت وزارة الدفاع الروسية عقيدة مشابهة للاستراتيجية الأميركية. وما زال العالم يذكر حتى الآن العبارة التي استخدمها جون هامر، نائب وزير الدفاع الأميركي عام 1997، في عهد بيل كلينتون، حين تعطلت محطة كهرباء في سان فرانسيسكو وبقي 125 ألف مواطن دون كهرباء يوما بأكمله؛ إذ أطلق هامر حينها لأول مرة تعبير «بيل هاربر إلكترونية» في إشارة منه إلى خطورة الهجمات عبر الفضاء الإلكتروني، ومحذرا من الأعمال التي يمكن القيام بها بواسطة التقنيات الإلكترونية التي كانت تعتبر حينها حديثة العهد نوعا ما.

توقع التصعيد
ويبدو أن المواجهة في الفضاء الإلكتروني وخطورة استخدام الرقميات بشكل عام لأغراض غير قانونية واختراقها للتجسس أو تحويلها إلى أجهزة تنصت، تتجه نحو التصعيد الأمر الذي سيفرض على القوى المعنية ودول العالم ككل العمل على صياغة معاهدات واتفاقيات لضبط تلك المواجهة على غرار المعاهدات في المجال النووي وغيرها من معاهدات حظر الأسلحة. وكانت روسيا قد عرضت عام 1999 على الأمم المتحدة مشروع قرار «الإنجازات في مجال المعلومات والاتصالات في سياق الأمن الدولي»، وتم حينها اعتماد القرار بالإجماع. وفي عام 2011 عرضت الدبلوماسية الروسية نص معاهدة بعنوان «حول ضمان الأمن المعلوماتي العالمي»، تحدد فيها معايير تنظيم استخدام الإنترنت مع أخذ التحديات السياسية، والإجرامية والإرهابية بالحسبان، وتدعو المعاهدة إلى «عدم السماح باستخدام تقنيات الاتصالات في أعمال عدائية». إلا أن الولايات المتحدة اعتبرت تلك المعاهدة المقترحة «غير واقعية»، وأنها لن تكون فاعلة في مسألة الفضاء الإلكتروني، بينما رأت فيما الدعوة بتعميم مبادئ عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول ومنح الحكومات المحلية صلاحيات واسعة في الفضاء الإلكتروني بأنها «محاولة لترسيخ الرقابة وتحكم الدول بالشبكة العنكبوتية المحلية». وكانت هناك مبادرات أخرى في هذا المجال عبر الأمم المتحدة وآلياتها، إلا أنه لا يوجد حتى الآن معاهدة واضحة أو معايير متوافق عليها لتنظيم النشاط في الفضاء الإلكتروني والحفاظ عليه بعيدا عن المواجهات.
في هذه الأثناء، يبدو أن بقاء الوضع ضمن معايير ضبط أمر يناسب القوى الكبرى التي تراهن على الاستفادة من الهجمات الإلكترونية لإضعاف قوى «العدو». وحسب الاستراتيجية الإلكترونية الأميركية المعتمدة عام 2015، يأمل العسكريون الأميركيون أن تسمح لهم القدرات الهجومية عبر الفضاء الإلكتروني بشل مراكز قيادة «العدو» وحرمانه من القدرة على استخدام أسلحته. وتراهن دول أخرى بما في ذلك روسيا على الاستفادة من سلاح الهجمات عبر الفضاء الإلكتروني. كما لا يمكن تجاهل الأهمية التي تمنحها أجهزة الاستخبارات حول العالم لقدرات الفضاء الإلكتروني، ولا سيما لأغراض التجسس؛ إذ لم تعد تلك المؤسسات مطالبة في كل الحالات لتجنيد عملاء أو إرسال جواسيس للحصول على معلومات محددة، ويكفي توظيف عبقري في هذا المجال لتنفيذ عمليات اختراق تحقق نتائج أفضل من تلك التي يمكن لجاسوس تحقيقها، وبقدر أقل من التكلفة والخسائر.

كابلات الإنترنت
في العاصمة اللبنانية بيروت التقت «الشرق الأوسط» بالمتخصص بشؤون الأمن القومي الروسي محمد سيف الدين، وسألته عن أبعاد الحرب «السيبرانية» الحالية، فقال: إن موسكو «تدرك أن احتمالات المواجهة المباشرة العسكرية المباشرة مع الغرب، ضعيفة جدًا رغم التوتر؛ لأن الطرفين اختبرا أهوال الحرب، وأن لغة الحرب العصرية، تتخطى منطق الحرب العسكرية المباشرة، وهي الدوافع التي جعلتهم يهتمون إلى حد كبير بالحرب السيبرية».
ويضيف سيف الدين: «بحسب الإعلان، ثمة قراصنة روس يستطيعون الدخول إلى أكبر المواقع الإلكترونية الأميركية تحصينًا، ولا يعرف إن كانوا قراصنة أفرادا، أم مدعومين من الحكومة الروسية، لكن ما هو معلن أن مصدره الأراضي الروسية؛ ما يؤكد أن هناك حربًا تدور في هذا المجال». وإذ يؤكد الخبير اللبناني أن الروس لم يستطيعوا فرض توازن في هذا الجانب التقني مع الغرب «حتى اللحظة»، وأن التفوق لصالح الغرب، يشير إلى أن القراصنة الروس «يستطيعون إحداث ضرر على المستوى التقني».
والواضح أن القرصنة الإلكترونية، تعد جانبا من جوانب الحرب السيبرانية بين روسيا والغرب، في ظل وجود منظومة الردع الإلكتروني الروسية المعلنة، التي تُسمى «كاسبرسكي»؛ ما يشير إلى أن الحرب السيبرية، تعمل على مستويين: الهجوم والدفاع. ووفق الاستراتيجية الأمنية الروسية في عام 2009 التي دخلت حيز الأمن في عام 2012: «ورد حرفيا أن هناك ضرورة لإقامة منظومات حماية إلكترونية»، بحسب سيف الدين، وبالتالي، باتت الحرب السيبرانية تشبه منظومات الصواريخ: هجومية ودفاعية. وحققت منظومات الحماية الروسية الإلكترونية، نجاحًا في وقت الاختراقات الإلكترونية الغربية للمنظومة النووية الإيرانية بعد سنوات من اختراقها، قبل أربع سنوات. ويختتم سيف الدين كلامه بالقول: «جزء من المساعدات الروسية لإيران تكون من الجانب التقني، بهدف حماية الداتا الإيرانية من الخروقات الغربية... كوريا الشمالية وإيران تعتمدان على منظومات تقنية روسية للحماية، ولا يعرف ما إذا كانت الدولتان تحصلان على منظومات الحماية الإلكترونية من السوق السوداء أم من الحكومة الروسية مباشرة».
من ناحية ثانية، تحدث الدكتور هشام جابر، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية في بيروت، عن تدشين روسيا في عام 2014 تقنية جديدة للتجسس على كوابل الإنترنت، بإطلاق السفينة «يانتار»، التي دخلت الخدمة في صفوف الجيش الروسي في عام 2015، وتوصف هذه السفينة بأنها مركبة معدة للمحيطات وسفينة ذات أغراض خاصة؛ ما يشير إلى أنها سفينة تجسس، بحسب ما ذكر موقع «هايسوتون» في الإنترنت المتخصص بمتابعة حركة السفن البحرية والغواصات، مشيرًا إلى أنها قد تكون معدة أيضًا لقطع خطوط الاتصالات.
ثم أضاف، أن بداية عمل السفينة كانت قبالة السواحل الكوبية، حيث تمر الكوابل البحرية الناقلة لمعلومات الإنترنت؛ ما يشير إلى أنها أداة تقنية، معدة لجمع المعلومات من موابل الإنترنت التي تصل إلى أميركا، أو تخرج منها إلى العالم. فقد تواجدت السفينة العام الماضي قرب خطوط الإنترنت البحرية قرابة السواحل الكوبية، تلك التي تنقل معظم خطوط الاتصالات العالمية لشبكة الإنترنت؛ الأمر الذي أثار مخاوف مسؤولين أميركيين من احتمال أن تكون روسيا قد خططت لقطع هذه الخطوط أو التجسس عليها.
وتابع جابر، أنه من خلال هذه السفينة، يبدو أن روسيا لا تنوي جمع المعلومات عن الولايات المتحدة فحسب، بل في المناطق التي تطمح روسيا ليكون لها نفوذ فيها. ذلك أن انتهاء مهمتها قبالة السواحل الكوبية، لم يمنع موسكو من نقلها إلى مواقع أخرى، وأهمها منطقة البحر المتوسط. ففي مطلع هذا الشهر، أثارت السفينة الروسية المعدة للتجسس التي تواجدت قبالة السواحل اللبنانية، شبهات حول تنصت على كوابل الإنترنت البحرية التي تمر عبر البحر المتوسط من قبرص إلى لبنان والساحل السوري، وذلك في أحدث تواجد عسكري روسي في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، استبقت وصول حاملة الطائرات الروسية إلى المنطقة.
وأضاف جابر: «الواضح أن روسيا حين دخلت البحر المتوسط والمياه الدافئة بحيث الحشد العسكري بالفرقاطات والسفن، لا يمكن أن تدخلها من غير جمع معلومات متكاملة عن أمن المنطقة بشكل كامل، وهو ما يفسر وجود السفينة هنا... إنها تشبه سفينة ليبرتي الأميركية التي قصفها الإسرائيليون في البحر المتوسط في الستينات، لكن هذه السفينة أكثر تطورًا من سفينة كانت موجودة قبل 50 عامًا، وتحمل أجهزة متطورة لجمع المعلومات وتحليلها، ونقل خلاصات عنها إلى موسكو لتخزينها واستثمارها أيضا».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».