طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات

قاتل سوريا و«القوات اللبنانية» وخاصم «حزب الله» والحريري.. ثم تفاهم معهم جميعًا

طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات
TT

طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات

طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات

لم تكن طريق رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون إلى قصر الرئاسة اللبنانية، المتوقع أن يدخلها بعد ظهر يوم الاثنين المقبل معبدة بالورد، بل بكثير من الصعوبات التي جعلت منها «حلما مستحيلا» لمدة 27 سنة. وهذا، قبل أن يتحقق هذا «المستحيل» بقبول رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري بترشيحه، فاتحًا له أبواب القصر المقفلة منذ 26 مايو (أيار) 2014 بعدما غادره الرئيس السابق ميشال سليمان من دون أن يتمكن البرلمان من انتخاب بديل له في سدة الرئاسة.
خاض ميشال عون في مسعاه لرئاسة لبنان حروبًا دموية قاسية، كما أجرى مصالحات تتحدى المنطق السياسي في أبسط صوره، لكن النتيجة أتت إيجابية بالنسبة إليه مع تذليل آخر العقبات أمام الحلم المستحيل، الذي من المقرر أن يتحول حقيقة في صناديق الاقتراع يوم الاثنين.
بدأ الحلم «العوني» بالرئاسة في سبتمبر (أيلول) 1989، عندما عيّنه الرئيس السابق أمين الجميل رئيسًا لـ«حكومة عسكرية» - استقال وزراؤها المسلمون الثلاثة فور إعلانها - مهمتها تولي الحكم مؤقتًا بعد فشل البرلمان في الانعقاد لانتخاب رئيس جديد للبلاد. وتولد هذا الوضع عن احتدام الخلافات الداخلية، وانهيار مبادرة أميركية - سورية بالتوافق على النائب مخايل الضاهر للرئاسة. يومذاك حذر الأميركيون القيادات المسيحية الرافضة انتخاب الضاهر بوضعها أمام معادلة تقول: «مخايل الضاهر أو الفوضى».
ودخلت البلاد في الفوضى الفعلية بعد فشل انتخاب رئيس جديد، واستقالة نصف وزراء الحكومة العسكرية (الأعضاء المسلمين) وبقاء حكومة الرئيس سليم الحص مسيطرة على أجزاء كبيرة من لبنان.

«حرب التحرير».. وسوريا
تسلم عون قيادة الشطر الشرقي من بيروت، وبزغ نجمه بوصفه أحد القادة المسيحيين البارزين، فانتقل للإقامة في القصر الجمهوري. ثم ما لبث أن فتح أبوابه أمام مناصريه مطلقا عليه اسم «بيت الشعب» حيث كانت تقام النشاطات المتضامنة معه، والداعمة لوصوله إلى رئاسة الجمهورية.
ويورد كثير من القياديين السابقين في تيار عون وجود اتصالات بين عون والقيادة السورية، قبل وبعد، تعيينه رئيسا للحكومة العسكرية، تهدف إلى إقناعهم بالقبول به رئيسا للبلاد باعتباره حلا وسطا بين الأطراف المتنازعة.
ويورد إيلي محفوض، القيادي السابق في تيار عون، رواية مفادها أن عون أوفد أحد مساعديه إلى الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد حاملاً إلى الأسد رسالة يقول فيها: «إنني عسكري، وبهذه الصفة أتمنى أن يعتبرني القائد الكبير حافظ الأسد ضابطًا صغيرًا في جيشه. وأقدر كل التقدير ما قدمته دمشق للبنان عمومًا وللمسيحيين خصوصًا، وواجبي إذا ما حظيت بتأييدها أن أرد لها الجميل. إنني أتفهم مصالح سوريا في لبنان، وأسلم بأن أمن لبنان من أمن سوريا. ومن حق سوريا علينا أن نوفر لها أسباب الطمأنينة، وأن نشرّع وجودها العسكري في لبنان لمواجهة أي اعتداء محتمل عليها، كذلك أنا مستعد لعقد أي اتفاقات أمنية، إضافة إلى تمتين العلاقات المميزة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية كلها». ويتحدث محفوض عن «شبكة الموفدين المتعددة الأسماء، التي تبدأ سلسلتها بالوزيرين السابقين ألبير منصور ومحسن دلول ولا تنتهي بصديق عون الشخصي المحامي فايز القزّي الذي تولى شخصيًا معظم ترتيبات عودة ميشال عون الأخيرة من منفاه في باريس إلى بيروت، كما تولى شخصيًا، وفي مرات عدة نقل رغبات وطلبات وتمنيات ميشال عون الرئاسية».
وفي حين أكد محفوض لـ«الشرق الأوسط» ثقته بهذه المعلومة من منطلق أن «أحدا لم ينفها»، من جهتها، نفت مصادر قيادية في «التيار الوطني الحر» وجود رسالة مماثلة نفيًا قاطعًا، قائلة إن الموضوع مختلق جملة وتفصيلا، ولافتة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن من أشاع هذه الأخبار قبل سنوات «معروف التوجهات والأهداف» حسب تعبيرها. وتضيف المصادر العونية أن «تاريخ العماد عون ناصع كالثلج.. أما الذين يختلقون الأخبار لتشويه صورته فهؤلاء تاريخهم وحاضرهم يشهد لفشلهم».
وبعد فشل كل محاولات التسوية السياسية، انتقل عون إلى الهجوم، معلنًا «حرب التحرير» ضد الوجود السوري في لبنان، مطلقًا حملة عسكرية عنيفة لم تؤد إلى تغييرات جغرافية، لكنها حملت كثيرا من الدمار والموت إلى طرفي خطوط التماس بين المنطقتين الشرقية والغربية. وفي وقت لاحق تبادل عون و«القوات» اللبنانية الاتهامات حول التسبب بالقصف الذي أوقع عشرات القتلى يوم اندلاع المواجهة العسكرية الأولى في مارس (آذار) 1989. إلا أن الثابت أنها كانت واحدة من الحلقات الدموية في الحرب الأهلية اللبنانية.
ولكن عجز هذه الحرب عن إحداث تغييرات بنيوية، أدّى في وقت لاحق إلى خروج النار من تحت الرماد في علاقة عون مع «القوات اللبنانية»، إذ قرّر عون توحيد البندقية في الشارع المسيحي وبسط سلطة المؤسسة العسكرية اللبنانية (أو الجزء الذي يقوده) على كامل هذه المناطق، فاصطدم مع «القوات اللبنانية» في عام 1990 بحرب دموية شرسة قلّ مثيلها في لبنان طوال الحرب الأهلية اللبنانية وأدت إلى مقتل المئات من الجانبين وسميت بـ«حرب الإلغاء».

«حرب الإلغاء»
فتحت هذه الحرب الباب واسعًا أمام الإطاحة بعون. ذلك أن قائد «القوات»، سمير جعجع، انضم إلى الجهات الداعمة لـ«اتفاق الطائف» الذي توافق عليه النواب اللبنانيون في مدينة الطائف السعودية بدعم عربي ودولي غير مسبوق. وبقي عون وحيدًا في قصر بعبدا، وفي المنطقة الجنوبية من جبل لبنان التي انحصر فيها نفوذه العسكري.
ولما رفض عون الانصياع للتفاهمات الدولية، كان «الضوء الأخضر» للنظام السوري لاجتياح مناطق نفوذه صبيحة يوم 13 أكتوبر 1990 عندما وصلت طائرات السوخوي السورية لأول مرة إلى أجواء بيروت لتقصف القصر الجمهوري ومواقع الجيش الموالي لعون، ثم تتقدم القوات السورية والقوات العسكرية اللبنانية الموالية للرئيس إلياس الهراوي لتخترق مناطق نفوذه من ثلاثة اتجاهات.
لجأ عون إلى السفارة الفرنسية في بيروت، وأعطى من هناك أوامره لوحداته بأن تأخذ أوامرها من قائد الجيش الذي عينته حكومة الحص العماد إميل لحود. ومن السفارة انتقل بعد مفاوضات فرنسية - لبنانية - سورية إلى باريس للإقامة في المنفى، شرط عدم العودة إلى لبنان لفترة زمنية اختلفت الروايات حولها.

المنفى الفرنسي
أنهت العملية العسكرية وما سبقها من حروب، كل التواصل بين عون ودمشق، فانتقل من مقر إقامته في فرنسا لتنظيم الحملات على فرنسا وعلى ما يسمى «حزب الله» وانتقل إلى الولايات المتحدة لدعم قانون عرف بقانون «محاسبة سوريا» في الكونغرس الأميركي هدفه محاربة الوجود السوري في لبنان. وأكد النائب السابق غطاس خوري، أمام غرفة البداية في المحكمة الخاصة بلبنان، أن «القرار 1559 جاء على خلفية قرار الكونغرس الأميركي بمحاسبة سوريا. والعماد ميشال عون سعى للحصول على هذا القرار في محاولة لرفع الهيمنة السورية عن لبنان والعودة من المنفى». ونشر ناشطون معارضون لعون مؤخرًا تسجيلا صوتيا قديما له يصف فيه سوريا بالدولة الإرهابية وينتقد ما يسمى «حزب الله» الذي قال عنه إنه امتداد للسياسة الإيرانية.

العودة.. وبدء «التفاهمات»
انتهت مرحلة مواجهة عون للنظام السوري وما يسمى «حزب الله» مع نهاية الوجود السوري في لبنان. فبعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري في فبراير (شباط) 2005، وما تلاه من تداعيات أدت إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان، عاد عون إلى لبنان بعد 15 سنة من الغياب. والتحق جمهور عون بصفوف تحالف «14 آذار» وشارك مع أنصاره في الاعتصامات المناوئة للنظام السوري، لكنه عاد ليفاجئ الجميع بتصريحات، قال فيها «إن مشكلتي مع سوريا انتهت وسنبني أفضل العلاقات (..) لا أحب الصليب المشطوب (شعار القوات)، هذا ضد المفاهيم المسيحية (..) رفيق الحريري أدخل لبنان في نفق اقتصادي لا نعرف أين ينتهي ومستقبلنا برسم القدر (..) رئاسة الجمهورية رمز وممنوع المسّ بالموقع رغم اختلافنا مع الرئيس الحالي».
وانتقل عون إلى الضفة الثانية، مفاجئًا الجميع بعد أقل من سنة من عودته إلى لبنان بتفاهم مع ما يسمى «حزب الله» الذي يعد الحليف الأول للنظام السوري و«رأس حربة» المواجهة في الفريق الموالي للنظام. وأقيم احتفال كبير عند خط التماس السابق بين ضاحيتي بيروت الشرقية والغربية، في كنيسة مار مخايل تخللها قطع قالب كبير من الحلوى. ويومذاك نصت هذه الورقة على أن «إقامة علاقات لبنانية - سورية وصحيحة تقتضي مراجعة التجربة السابقة باستخلاص ما يلزم من العبر والدروس ولتلافي ما علق بها من أخطاء وشوائب وثغر، وبما يمهد الطريق للنهوض بهذه العلاقات على أسس واضحة من التكافؤ والاحترام الكامل والمتبادل لسيادة الدولتين واستقلالهما على قاعدة رفض العودة إلى أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية».
بعدها، في «حرب تموز» 2006 التي خاضها، ما يسمى «حزب الله»، عسكريًا مع إسرائيل، بعد كمين استهدف خطف عسكريين إسرائيليين عبر الحدود، كان يخوضها إلى جانبه عون سياسيا وشعبيًا ولوجستيا. والمناطق التي ينتشر فيها أنصار عون تحوّلت إلى ملاجئ آمنة لأنصار الحزب الهاربين من القصف الإسرائيلي ما خفف عن الحزب من ثقل المواجهة، كما أن الغطاء المسيحي الذي وفّره عون للحزب لا يكاد يقل أهمية عن الحرب العسكرية. وهكذا، انتقل ما يسمى «حزب الله» وعون من مرحلة التفاهم إلى مرحلة التحالف سريعًا، وتوطّدت العلاقات بين الطرفين بسرعة قياسية.
وسرعان ما أصبح عون مرشح ما يسمى «حزب الله» المفضل، ثم الوحيد لرئاسة لبنان. لكن هذا الدعم لم يكفه للوصول إلى سدة الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، على الرغم من الانتصار العسكري لما يسمى «حزب الله» في بيروت، التي اجتاحها الحزب في مايو (أيار) 2007. إذ أدت التوازنات الإقليمية والدولية ورفض قوى «14 آذار» الشديد لعون في الرئاسة، إلى الوقوف بوجه حلم عون، خصوصًا أن في «14 آذار» أكثر من طامح للرئاسة.

التطبيع مع الأسد
أما العلاقة مع سوريا، فقد أنهى عون كل الكلام الكبير الذي أطلقه بحق النظام وقادته بعبارة قال فيها إن خصومته مع سوريا هي في لبنان، وبما أن سوريا غادرت لبنان، فإني أرمي خصومتي معها. وتوج هذه المصالحة بزيارة إلى العاصمة السورية التقى خلالها رئيس النظام بشار الأسد في العام 2008 متوجا انعطافته السياسية الكبرى. واعتبر عون زيارته لدمشق «تأريخا لنهاية مرحلة قديمة وبداية مرحلة جديدة قائمة على تنقية الوجدانين السوري واللبناني بعد محطات سيئة تاريخيًا، ولا سيما بعد أن أجرى كل من الجانبين النقد الذاتي اللازم فقد سقطت كثير من مخاوفنا وتحفظاتنا إثر ورقة التفاهم مع (حزب الله)، وكذلك بالنسبة للقيادة السورية التي أجرت مراجعة ذاتية».
ومع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في مايو 2014. كانت طموحات عون الرئاسية تصطدم بأرقام التوازنات في البرلمان القائم. وقد زادت الأمور صعوبة مع تمديد ولاية هذا البرلمان مرتين، وفشل عون وحلفائه في الحصول على الأكثرية من خلال الانتخابات. وهذا ما يفسر معارضة عون الشديدة لتمديد ولاية البرلمان، لكن مضي حليفه ما يسمى «حزب الله» في التمديد أسقط إمكانية تعطيله، فكان أن أعلن رفضه التمديد وطعن به دستوريا، معلنا أن البرلمان أصبح غير شرعي.

التعطيل.. برلمانيًا
كان التعطيل، سلاح عون والحزب في مواجهة الأكثرية البسيطة التي تمتلكها قوى «14 آذار» في البرلمان. فغياب نوابهما عن الجلسات أفقدها النصاب القانوني (ثلثا أعضاء البرلمان) ما أدى إلى فراغ دستوري جديد في البلاد استمر حتى اليوم تحت عنوان واحد: انتخاب الرئيس القوي في بيئته (المسيحية).
ولم يكتف عون بالتعطيل، بل فتح باب الحوار مع رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري الذي عقد معه اجتماعات كثيرة، احتفل معه في إحداها بعيد مولده (عون) مع قالب حلوى كبير، وسرى كلام عن تقارب بين الطرفين. ويبدو أن هذا التقارب هو ما أزعج قائد «القوات» سمير جعجع الذي سارع إلى إعلان ترشيح نفسه للرئاسة قاطعا الطريق أمام حليفه (الحريري) واحتمالات التقارب مع عون.
لم ييأس عون، فاستمر مع حليفه بتعطيل جلسات الرئاسة، وأدت محاولة الحريري التفاهم مع النائب سليمان فرنجية المتحالف مع ما يسمى «حزب الله» والنظام السوري، إلى إثارة حفيظة جعجع. ورشح الحريري فرنجية، بعدما فشل في التفاهم مع عون «المتشدد»، فكانت الأمور في صالح الأخير الذي فتح حوارا مع جعجع قاده النائب إبراهيم كنعان من جهة عون، ومستشار جعجع ملحم رياشي، وانتهى إلى إعلان ورقة نوايا مع «القوات»، ومن ثم إعلان تبني «القوات» ترشيح عون للرئاسة في احتفال كبير تخلله أيضا قطع قالب من الحلوى.

«الحلف المسيحي»
ونصت «ورقة النوايا» بين الحليفين الجديدين على ضرورة التزام سياسة خارجية مستقلة بما يضمن مصلحة لبنان ويحترم القانون الدولي، وذلك بنسج علاقات تعاون وصداقة مع جميع الدول، ولا سيما العربية منها مما يحصن الوضع الداخلي اللبناني سياسيا وأمنيًا ويساعد على استقرار الأوضاع، وكذلك اعتبار إسرائيل دولة عدوة والتمسك بحق الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم ورفض التوطين واعتماد حل الدولتين ومبادرة بيروت 2002، والحرص على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية السورية بالاتجاهين وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرا أو منطلقا لتهريب السلاح والمسلحين وأن يبقى الحق في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفولا تحت سقف الدستور والقانون والمصلحة الوطنية العليا».
ورأى الطرفان المسيحيان أن «إعلان النوايا هذا، يهدف إلى وضع المبادئ الديمقراطية ومعاييرها أساسا لتنظيم علاقتهما، ويؤكد إبقاء المبادئ الدستورية والميثاقية فوق سقف التنافس السياسي، كما يؤكد إرادتهما ورغبتهما في العمل المشترك والتواصل في جميع المجالات والمواقع الممكنة لتنفيذ التزاماتهما المنوه عنها أعلاه ويعتزمان العمل على تفعيل إنتاجية اتفاقاتهما حيث يتفقان، والتنافس من دون خصام حيث يختلفان، كما يتعهدان بالتواصل الدائم والتباحث المستمر للتفاهم على كل المواضيع ذات الشأن العام والوطني».
مع إعلان «القوات» تأييد ترشيح عون، بقيت أمام الأخير عقبة وحيدة هي رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي يترأس أكبر كتلة برلمانية تضم (33 نائبا). ورغم سنوات من الشتائم المتبادلة والانتقادات المتواصلة بين الطرفين، فإنهما تلاقيا عند ما يفتح الطريق أمام عون للرئاسة. فعون يحتاج إلى أصوات الحريري، والحريري يحتاج إلى حضور نواب عون الجلسة. وأدى استمرار التعطيل والفراغ الرئاسي إلى شبه انهيار في مؤسسات الدولة، فالحكومة تعمل بأقل من ربع طاقتها والبرلمان مشلول، والوضع الاقتصادي يتجه نحو الانهيار.
ورغم أن اتفاق عون - الحريري، لم يكن مكتوبًا، فإن تسريبات صحافية قالت إنه يتضمن مجموعة من النقاط، أبرزها تعيين قائد الجيش على أن يكون شخصية غير مستفزّة لما يسمى «حزب الله» ثم الاتفاق على عدم مقاربة موضوع سلاح ما يسمى «حزب الله» على اعتبار أنه بند سابق على طاولة الحوار ويحلّ ضمن بند الاستراتيجية الدفاعية. على أن يكون البيان الوزاري للحكومة الجديدة، خصوصًا في الشق المتعلق بالمقاومة، مشابها لما اعتمد في البيان الوزاري لحكومة الرئيس تمام سلام.
وفي المحصلة، احتاج عون الذي يصفه خصومه بأنه «نزق وعصبي وعنيد» إلى كثير من الدبلوماسية لاسترضاء أقوى خصومه وصولا إلى الحلم الكبير.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.