دول جنوب آسيا حائرة بين إرضاء دلهي وإسلام آباد

التوتر بين الدولتين النوويتين قد يضع حدًا لرابطتها التعاونية

دول جنوب آسيا حائرة بين إرضاء دلهي وإسلام آباد
TT

دول جنوب آسيا حائرة بين إرضاء دلهي وإسلام آباد

دول جنوب آسيا حائرة بين إرضاء دلهي وإسلام آباد

في حملة دبلوماسية عدوانية ومتزامنة ضد باكستان، انسحب نصف أعضاء دول جنوب آسيا للتعاون الإقليمي من القمة الـ19 للرابطة، المقرر انعقادها في إسلام أباد، كاتبين بذلك نعيا شبه رسمي للتكتل الذي يبلغ من العمر الآن 31 عاما، الذي تكوّن أول الأمر في عام 1985 بهدف تعزيز التعاون بين دول جنوب آسيا. وكانت رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي قد استلهمت فكرتها من التعاون القائم بين مختلف الدول الأوروبية.
وأعلنت كل من أفغانستان، وبوتان، وبنغلاديش، مقاطعتها حضور القمة تضامنا مع الهند. والدول الأخرى، بخلاف الدولة المضيفة باكستان، التي أبقت قرارها سرا بشأن حضور القمة هي: المالديف، ونيبال، وسريلانكا. وحيث إن نيبال هي رئيسة الدورة الحالية من القمة فلا يمكنها الإعلان عن موقف غير محايد.
وأبلغت البلدان الأربعة الأمانة العامة لرابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، أن قادة البلدان لن يكونوا قادرين على حضور القمة لأسباب بدت متشابهة، الإرهاب العابر للحدود والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء في الرابطة من قبل «إحدى الدول»، في إشارة واضحة إلى باكستان.
وكانت نيودلهي في الآونة الأخيرة تتخذ سلسلة من الخطوات الرامية لعزل باكستان دبلوماسيا في أعقاب الهجوم الذي ضرب قاعدة للجيش الهندي في مدينة يوري بشمال إقليم كشمير المتنازع عليه.
وفي الأسابيع الأخيرة، أعلن رئيس الوزراء الهندي مودي دعمه العلني للمتمردين الانفصاليين في إقليم بلوشستان الباكستاني، الذي يشهد اضطرابات منذ فترة طويلة، وهي الخطوة التي أثارت غضب إسلام أباد كثيرا. والبطاقات الأخرى المطروحة على الطاولة الآن تتضمن مراجعة، وربما إلغاء معاهدة النهر العابر للحدود التي وقعت منذ عقود، وإلغاء وضعية «الدولة الأولى بالرعاية» الممنوحة إلى باكستان من قبل الهند، واستبعاد باكستان من قمة البريكس المقرر انعقادها في الهند خلال الشهر المقبل.
وفي الأثناء ذاتها، أفادت التقارير الواردة من باكستان بأن إسلام أباد لا تعبأ بالانسحاب من قمة رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، وستستمر باكستان في عقد القمة في ميعادها المحدد في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويعد الإعلان الباكستاني صفعة في وجه ميثاق الرابطة الذي ينص على أنه لو انسحب رئيس حكومة واحدة من حضور القمة فإن ميعادها يؤجل أو يلغى تماما. وقال الناطق الرسمي باسم الخارجية الباكستانية، نفيس زكريا، إن بلاده ستستضيف القمة الـ19 للرابطة في نوفمبر المقبل، كما أفادت بذلك إذاعة باكستان الرسمية.
رغم ذلك، لم تحدد أي من الدول الأربع التي أعلنت مقاطعتها للقمة اسم باكستان في بياناتها الرسمية، في إشارة واضحة لتوجيه أصابع الاتهام نحو الدولة الداعمة للإرهاب في المنطقة.
وكان بيان أفغانستان، التي طالما اتهمت باكستان بدعم تمرد حركة طالبان داخليا، هو الأقوى بين بيانات البلدان الأخرى. وأفاد بيان وزارة الخارجية يقول: «نظرا لارتفاع مستوى العنف، والمعارك الناجمة عن حالة الإرهاب المفروضة على الواقع الأفغاني، فإن الرئيس الأفغاني، وفي ضوء مسؤولياته كقائد أعلى للقوات المسلحة في البلاد، لن يكون قادرا على حضور قمة رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي المقبلة».
وقالت الهند إن هناك «دولة واحدة» قد خلقت بيئة غير مواتية لإنجاح انعقاد القمة المقبلة.
واستخداما للغة مشابهة، أبلغت دكا نيبال، وهي الدولة التي تترأس الدورة الحالية للقمة، أن «التدخلات الباكستانية في شؤون بنغلاديش الداخلية ليست مواتية حتى تسمح بحضور قمة الرابطة المقبلة». وكانت بنغلاديش في الشهور الأخيرة قد انخرطت في حرب كلامية مع باكستان تتعلق بمحاكمة جرائم الحرب، التي أسفرت عن إعدام عدد من الشخصيات السياسية البارزة والمتهمة بارتكاب تلك الجرائم خلال حرب عام 1971 بين البلدين.
ظلت بوتان، حتى الآن، من أوثق حلفاء الهند في جنوب آسيا، وكان من المتوقع لها دائما الوقوف إلى جانب نيودلهي في أي مواجهة تتخذها الأخيرة بشأن باكستان. وأصدرت تيمفو، عاصمة مملكة بوتان، بيانا قالت فيه إنها تشعر بقلق عميق إثر التصعيد الأخير لأعمال الإرهاب في المنطقة، الذي أضر كثيرا بالبيئة المواتية واللازمة لانعقاد ونجاح القمة في إسلام أباد في نوفمبر المقبل.
تعد المقاطعة من وسائل الإحراج العلني لباكستان، وتضيف إلى شعور العزلة الدبلوماسية، والذي تأمل الهند في زيادته والتعويل عليه. والإعلان عن الدعم من قبل أفغانستان، وبوتان، وبنغلاديش يضيف إلى مشروعية الإعلان الهندي بالانسحاب من القمة، ويضعف من موقف باكستان في المجتمع الدولي.
يقول أوداي بهاسكار، المحلل الأمني ومدير جمعية الدراسات السياسية في مقابلة مع وكالة «IANS» الإخبارية الهندية الخاصة: إن الهند حققت نجاحا في عزل باكستان على السياق الإقليمي. ولكنه أضاف يقول: إنه سيكون أمرا مضللا أن حالة الدعم الجزئي ضد باكستان داخل رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي قد تعني عزل إسلام آباد على المستوى العالمي: «فلا تزال القوى العظمى كالولايات المتحدة وروسيا والصين ملتزمة، أو هي على استعداد للبقاء على اتصالاتها المباشرة مع روالبندي».
على مر السنين، ظهرت الرابطة ضعيفة من دون إحراز أي تقدم كبير يُذكر في تعزيز التجارة والتنمية الاقتصادية في المنطقة. وأحد الأسباب وراء ذلك هو أن أكبر أعضاء الرابطة، الهند وباكستان، تفصلهما الصراعات الدائمة. وأعلن قادة الدول عن حالة من الإحباط، في أعقاب مؤتمر القمة الأخير في عام 2014 والمستضاف في كاتماندو، بسبب الوتيرة شديدة البطء في التقدم نحو التكامل الإقليمي.
من الناحية الاقتصادية، فإن تلك المنطقة هي من المناطق الأقل تكاملا واندماجا حول العالم، مع مستويات متدنية للغاية من التجارة والاستثمار البيني. حيث تمثل التجارة البينية أقل من 5 في المائة من التجارة الرسمية الإجمالية، وهي أقل مما كان عليه الأمر قبل 50 عاما، في حين أن الاستثمارات الأجنبية البينية، من واقع نسبتها إلى إجمالي أرقام الاستثمارات المسجلة، فإنها نسبة ضعيفة للغاية، كما أفاد معهد «بروكينغز الهند» في إيجاز منشور عام 2015.
والهند تبحث في الوقت الراهن عن بديل إقليمي في جنوب آسيا باستبعاد باكستان. وفي واقع الأمر، كان الدبلوماسيون الهنود يدعمون وبشكل ملحوظ إقامة كيانات إقليمية أخرى مثالا بـ«مبادرة خليج البنغال للتعاون التقني والاقتصادي متعدد القطاعات»، التي تربط كلا من بنغلاديش، والهند، وميانمار، وسريلانكا، وتايلاند، ونيبال، وبوتان. وظهرت مبادرة خليج البنغال للتعاون التقني والاقتصادي متعدد القطاعات بأنها التجمع الإقليمي الأكثر رعاية، وقررت الهند بالعمل على دعمها عن طريق المحادثات الثنائية أو الثلاثية مع أفغانستان.
وعلى نحو مماثل، فإن بنغلاديش، وبوتان، والهند، ونيبال، تكون فيما بينها مجموعة أخرى شبه إقليمية لدول جنوب آسيا. وتركز هذه المجموعة جهودها في إطار التعاون الرباعي في مجالات إدارة الموارد المائية، وربط مصادر الطاقة، والنقل، والبنية التحتية. وكانت مبادرة من المبادرات الناجحة للغاية.
ونوقش خلال هذا العام مقترح وجود تأشيرة دخول موحدة لبلدان مبادرة خليج البنغال. وتستمر المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين هذه البلدان والتي تغطي 1.6 مليار نسمة مع الناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ 3 تريليونات دولار.
وانسحبت باكستان من مشروع إطلاق القمر الصناعي لبلدان رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي والمقترح من جانب الهند؛ لتوفير مجموعة من الخدمات لدول الجوار كافة في مجالات الاتصالات وتطبيقات البث وإدارة الكوارث. ولكن نظرا للحماس من جانب دول الرابطة الآخرين، مثل سريلانكا، وبوتان، والمالديف، ونيبال، فمن المقرر أن يتم إطلاق القمر الصناعي بحلول نهاية العام الحالي.
وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة، سيتم تشييد 30 مشروعا من مشروعات الطرق بتكلفة تبلغ 8 مليارات دولار، مع توفير المساعدة الفنية من بنك التنمية الآسيوي. وهناك مقترح بتمديد المشروع إلى ثلاثة بلدان أخرى من بلدان مبادرة خليج البنغال للتعاون التقني والاقتصادي متعدد القطاعات، ولا سيما سريلانكا، وميانمار، وتايلاند. ودعت الهند قادة دول مبادرة خليج البنغال للمشاركة في الانسحاب الذي سوف يعقب قمة البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا) الشهر المقبل.
وقالت مصادر حكومية رفيعة المستوى لمراسلة «الشرق الأوسط» في الهند، إن باكستان ستستبعد من التواصل الإقليمي لقمة البريكس. وهناك تقليد متبع في قمة البريكس من حيث التواصل مع المنطقة، حيث تتواجد الدولة المضيفة. وفي البرازيل، دعيت دول أميركا اللاتينية للتواصل في عام 2014، وفي عام 2015 دعت روسيا دول وسط آسيا كافة للتواصل في «أوفا».
وهذه المرة، دعت الهند المضيفة للقمة، إلى فعالية التواصل لدول مبادرة خليج البنغال. والدولتين المتجاورتين غير الأعضاء في المبادرة هي أفغانستان والمالديف. وتقول المصادر إن هناك مقترحا بدعوة الدولتين تحت وضعية «الدعوات الخاصة»، أو «المراقبين». ولن تكون هناك دعوة موجهة إلى باكستان.
وهناك تغيير كبير وواضح في النهج منذ الأيام الأولى لولاية رئيس الوزراء مودي، حيث قام بدعوة قادة رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، بما في ذلك رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، في احتفالية أداء اليمين.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.