يوناس هانس وإعادة تعريف مفهوم المسؤولية

ضرورة زرع فكرة الخوف من المستقبل

يوناس هانس وإعادة تعريف مفهوم المسؤولية
TT

يوناس هانس وإعادة تعريف مفهوم المسؤولية

يوناس هانس وإعادة تعريف مفهوم المسؤولية

انتهى الوعي الإنساني المعاصر، جراء التطور التكنولوجي وهيمنة التصور الآلي للعالم وبروز الاختلالات البيولوجية والإيكولوجية، إلى أزمة خطيرة ومتعددة الأبعاد، دفعت إلى جر العلم نحو المساءلة المعيارية التي لطالما طردها من قبل. فالوجود أصبح كله في خطر، الأمر الذي دفع إلى ضرورة إقامة تصورات جديدة للأخلاق تتناسب والمتغيرات التقنو-علمية الراهنة المؤثرة على أجيال الحاضر والمستقبل. وهو ما حاول الفيلسوف يوناس هانس (1903 - 1933)، أن يقوم به انطلاقا من مفهوم المسؤولية، الذي أعطاه أبعادا جديدة، وضخه بدلالات وشحنات تجيب عن الإشكالات التي فرضتها التطبيقات التقنية على الإنسان، والتي لم يعهدها من قبل. فكيف ذلك؟
* المسؤولية: من الضرر إلى الخطر
يمكن أن نحدد جوانب المسؤولية عبر التاريخ في ثلاثة مستويات:
- المسؤولية القانونية: حيث يتحمل المرء المسؤولية المدنية والجنائية عن كل أخطائه، وكل الخسائر والأضرار التي أحدثها للآخر، سواء أحدث ذلك بالصدفة أو جراء سلوك أحمق وطائش، أو عن جهل بما ينبغي فعله، أو العدول عنه. وبالطبع، فإن الأمر يتوجب عليه عقاب يتحمله الفرد، كما هو مسطر داخل المجتمع الذي ينتمي إليه «سجن – قصاص – نفي - إعدام.. وغير ذلك».
- المسؤولية الدينية: هي نوع من إضفاء الطابع الروحي على المسؤولية، بحيث يصبح الخطأ حراما يعاقب الله عليه. بمعنى أن المسؤولية تأخذ طابعا أخرويا، تتجاوز القضاء الدنيوي، ويتحمل كل فرد وزر ما قدمت يداه أمام العدالة الربانية المؤجلة.
- المسؤولية الأخلاقية: وهي مسؤولية ذاتية، حيث يعاقب الفرد نفسه بنفسه، انطلاقا من شعور عميق بوخز الضمير. فالمرء حينما يؤتي واجبات أخلاقية ويضحي برغباته لصالح الغير، فهو ينال إحساس الكمال والنبل. أما حينما يؤتي سلوكا خسيسا وخبيثا، فالمسؤولية تكون بصرخة ضمير في جوفه كعقاب له، فتقض مضجعه.
إذن يعيش المرء بإمكانية أن يكون مؤطرا بثلاث مسؤوليات وهي: القانونية أو الدينية أو الأخلاقية. بمعنى أن المسؤولية ارتبطت بضرر يصيب الآخر، وجب تحمل وزره بأثر رجعي كعقاب قد يأخذ وجها قانونيا قضائيا، أو دينيا، أخرويا، أو أخلاقيا، على شاكلة وخز ضمير. لكن ماذا عن متغيرات العصر التقنو-علمية؟ فهل تكفي هذه الأنواع الثلاثة من المسؤوليات؟ فمن سيتحمل مثلا، مسؤولية ثقب الأوزون، أو الاحتباس الحراري، أو بعض الأمراض المستعصية الناجمة من النظام الغذائي الصناعي الطاغي، أو انتشار الإشعاعات وجميع صنوف الانبعاث الملوثة؟ فهل يقيد الأمر ضد مجهول؟ من نعاقب؟ هذا هو المأزق المعاصر الذي استوجب نظرة جديدة لمفهوم المسؤولية وإعادة تعريفها، بحيث سننتقل من مجال الضرر إلى مجال الخطر المهدد للكل، حيث توجد مجموعة من الأضرار لا مذنب فيها، وهي مترتبة عن التصنيع والتقنية المفرطة، إلى درجة أن أصبح الحديث سهلا عن مسؤولية من دون خطأ، وهنا نذكر بمأساة الدم الملوث، حينما ظهر وباء «السيدا» في الثمانينات من القرن العشرين، ولم يكن بعد من المعروف جيدا طرق انتقاله والعدوى به. فكان ينقل الدم الملوث من دون علم، فأصيب كثير. وبالطريقة نفسها: من يتحمل مسؤولية مرض جنون البقر؟
إن هذه الأضرار التي هي من دون مذنب، ويغيب عنها الخطأ الذي يجب أن يتحمل مسؤوليته فرد محدد، التي سرعت بظهور شركات التأمين، حيث سيتم تعويض المسؤول بالمؤمن (بكسر الميم) الذي يعوض عن الخسائر ويعطي التعويض عن الضياع.
إذن، لقد ظهرت مجموعة من الأضرار، أو لنقل مجموعة من الأخطار التي لم تكن من قبل، وهي نتاج التطور العلمي والتقني، وتستدعي تدخلا أخلاقيا سريعا، وبآفاق غير مسبوقة، وبمقاربات غير مطروقة. وهذا ما شغل بال الفيلسوف يوناس هانس.
* استباق الكارثة
إن المنهج العلمي الناشئ في القرن السابع عشر، والمؤسس على خلفية نظرية قوامها النظرة الآلية للعالم، مكن العلماء من تحقيق نتائج مبهرة لا تخطئها العين. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن القرن الثامن عشر، وهو قرن الأنوار، كان متفائلا جدا بمآلات العلم، وأنه السبيل الأوحد لتحقيق سعادة الإنسان، ما عدا حالات خاصة شككت في الأمر، ومنها الفيلسوف روسو. لكن بدءا من القرن التاسع عشر، بدأت المخاوف تظهر على السطح. وما رواية «فرانكنشتاين» سنة 1816 لماري شيلي، إلا شاهدا على ذلك. وللتذكير، فقد جرى إخراجها سينمائيا. فهي رواية تحكي قصة طبيب يدعى فرانكنشتاين، تجرأ على صناعة إنسان، فتمكن من جمع الأعضاء من هنا ومن هناك، ثم ضخها بشحنات كهربائية، فتشكل لديه مسخ لا هو بالإنسان ولا هو بالوحش، عاد بالويلات على الطبيب نفسه. لقد كانت هذه الرواية، تجسد لكل من قرأها، انقلاب السحر على الساحر، انقلاب العلم على صاحبه. فالرواية تعني مباشرة، أن العلم بعد نجاحه وطموحه اللامحدود، أصبح مخيفا ومرعبا، بل مهددا للبشرية ومستقبلها.
إن المخاوف من العلم ستتكرر باستمرار، خصوصا بعد الثورة الجينية، واجتياح الطبيعة حد الاستباحة والاستنزاف. الأمر الذي جعل الفلاسفة يتحركون نحو إنشاء نظريات أخلاقية ملائمة لهذا الغرور والصلف العلمي المهدد للجميع. ولعل من أبرزهم، كما قلنا، الفيلسوف يوناس هانس، وهو أحد تلاميذ الفيلسوف الشهير هايدغر، وهو من الذين سيفكرون في حكمة تعمل على كبح المارد العلمي، وتشكيل نظرية في الأخلاق الإيكولوجية، تتلاءم وتكنولوجيا العصر. فالأخلاق الحداثية، خصوصا في بعدها الكانطي، لم تعد مسعفة من وجهة نظره. فوجد هانس مراده في مفهوم المسؤولية، باعتبارها بوصلة صالحة لتوجيه البشرية. وهو لم يقصد بالمسؤولية تحمل تبعات الأفعال الماضية المقترفة، بل يقصد المسؤولية تجاه المستقبل، مستقبل هذه الأرض التي تأوي الجميع والتي يجب أن نتركها صالحة للأجيال المقبلة.
فإذا كان المنظور الحداثي يرى العالم عبارة عن آلة صماء وقاصرة، ومفرغة من كل حياة أو روح، ومن ثم نزع كل قداسة عنها، فإن يوناس هانس يدعو إلى إعادة تنشيط الفرضية القديمة للكون، وهي فرضية الغائية. فالطبيعة ليست موضوعا للمعرفة وكفى، بل هي أيضا كائن حي وجب الاعتناء به. فهي تدخل في إطار أخلاق المسؤولية. فهانس يرى أنه في زماننا هذا لم يعد من واجبنا الفعل في اتجاه خير الإنسان وحسب، إنما علينا التفكير أيضا، في خير الأشياء الخارجة عنا، لأن وجودنا مرهون بها ودونها نصير إلى العدم. وتقليدا منه للفيلسوف كانط، الذي اطلع عليه في سن مبكرة، سيعمل على صياغة أمر أخلاقي واجب على الإنسان الانصياع له، وهو كالتالي: «افعل بحيث تكون نتائج فعلك متلائمة مع استمرارية حياة بشرية أصيلة على الأرض». ولمزيد من دعم نظريته في المسؤولية، اقترح عملا في حقيقته ينتمي إلى «البيداغوجيا»، يمكن تسميته «استباق الكارثة»، بمعنى أنه علينا نحن البشر، زرع فكرة الخوف من المستقبل ولو تربويا، أي خلق نوع من الاستنفار في حالاته القصوى إنذارا بالخطر المحدق بحضارة التقنية.
نخلص إلى أنه إذا كانت المسؤولية دائما متعلقة بالماضي، بمعنى أنه عندما أقوم بجريمة، فأنا أدفع الثمن عنها الآن، لتكون التبعات بأثر رجعي، فإن يوناس هانس غير الأمر، وجعل تحمل المسؤولية ينحو نحو المستقبل لمجابهة خطر محتمل. فأخلاقه هي أخلاق الحماية والوقاية المنشغلة بمصير الإنسانية، التي يغلب عليها طابع تضحية الأجيال الحاضرة لأجل أجيال المستقبل. إنها تشبه الأخلاق الأبوية، فهي عبارة عن مسؤولية مطلقة وأصيلة ودون اتفاق مسبق، وتتميز بالشمولية، لأنها تلبي كل ضروريات الطفل ماديا ومعنويا.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.