التفاعل الثقافي العربي في مستواه الأدنى

المكتبات العامة تجف ينابيعها.. والأولوية للترفيه

أحمد الغز - شوقي بزيع
أحمد الغز - شوقي بزيع
TT

التفاعل الثقافي العربي في مستواه الأدنى

أحمد الغز - شوقي بزيع
أحمد الغز - شوقي بزيع

الهزائم المتوالية، والنزاعات المتفاقمة، والإحباط المتواصل، كل ذلك انعكس على سلاسة التواصل بين العرب عمومًا، وأبناء البلد الواحد في بعض الأحيان. والمبدعون جزء من النسيج الاجتماعي، لا يمنحهم عملهم في مجالات فكرية (أدبية أو فنية) المناعة، بل هم ربما أكثر هشاشة في مواجهة أمراض التحاسد والتباعد من الفئات البسيطة. لا، بل إن الشاعر اللبناني شوقي بزيع يعتبر أن هناك انعداما للصلات الوثيقة بين المثقفين، بسبب «طبيعة المثقف الذي تقترب نرجسيته من البارانويا المرضية، حيث يطغى عليه شعور بالعظمة من جهة، والاضطهاد والإنكار من جهة ثانية، لذلك تسود بين المثقفين حروب صغيرة، ومكائد متصلة بالنميمة والتباغض وإلغاء الآخر. وقد ولى زمن كان فيه السجال يتخذ طابعًا فكريًا نقديًا عميقًا، كما حصل بين مدرستي (أبولو) و(الديوان) في مصر، أو بين مجلتي (الآداب) و(شعر) في خمسينات وستينات القرن الماضي».
ويضيف بزيع: «ومع ذلك، هناك كتاب وروائيون وشعراء ورسامون ومغنون وموسيقيون يقدمون ضروبًا من الإبداع في غاية الأهمية والجدة، بعيدًا عن النقابات والاتحادات الرسمية التي تحولت إلى مجرد أبواق لسلطاتها المحلية، وتخلت عن دورها في النقد والاعتراض والدفاع عن الديمقراطية».
مدير عام «المنظمة العربية للترجمة»، هيثم الناهي، يدعو إلى «ثورة ثقافية أكثر منها سياسية وتنموية ومعيشية، فحين يجد شخص ما أنه يتعذر عليه دفع ثمن كتاب قيمته 20 دولارًا، بينما هو على أتم الاستعداد لشراء جوال بقيمة 700 دولار، فهذا معناه أن المشكلة ليست في القدرة المادية قدر ما هي في تحديد الأولويات. وحين تكون الأولوية للحصول على الشهادة، لا المعرفة التي يحصدها الإنسان، فهذا معناه أن المشكلة بنيوية، وليست في الفئة المثقفة دون غيرها».
وردًا على سؤال حول سبب تراجع التفاعل بين المثقفين العرب، وسبل توطيد الأواصر، يرى الكاتب اللبناني أحمد الغز أن الحال ليست واحدة في كل الدول العربية، فبعض هذه الدول يعيش استقرارًا ثقافيًا نسبيًا، بينما انهارت القيم في دول أخرى بسبب النزاعات والحروب.
ويضيف الغز: «المواطنة، واللاعنف، وقبول الآخر، كلها مفاهيم تعبر عن ثقافة المجتمع. ونحن نخطئ حين ننسب الثقافة إلى المثقف، ونلحقها به لا بالمجتمع، والواقع غير ذلك، إذ إن الأكل ثقافة، والزي ثقافة، والغناء ثقافة، وبالتالي فإن الثقافة ليست فقط الإبداعات الفنية والأدبية التي وظيفتها الأساسية تحويل المستجد إلى بديهي. إن الفنون لها وظيفة ثقافية، لكنها ليست الثقافة بذاتها».
ويستطرد الكاتب اللبناني: «المجتمع المغربي مثلا يعيش استقرارًا ثقافيًا، وثمة نقاشات ومخاضات. أما لبنان، فيعاني من انهيار؛ هناك انقسام على كل شيء، ومقومات الثقافة انهارت، وتحول البلد إلى حديقة خلفية لنزاعات المنطقة، فنحن منذ 11 سنة بلا موازنة، ونعاني انهيارًا أخلاقيًا، وانهيارًا في منظومة القيم الثقافية».
ويتساءل الغز في معرض كلامه: «لمن نكتب؟ وعن من نكتب؟ الكاتب الواحد يتنقل بين المنابر والمواقع الإلكترونية، والمواقف والتوجهات، ويتلون بين الطائفي والتقدمي والمتشدد حتى نكاد لا نعرف من هو، وبماذا يفكر. تكتب نصًا عميقًا، فلا تجد من يناقشك فيه، كما لو أنك تضع ماء في سلة مثقوبة. نعم، في دول الخليج توجد نقاشات وحيوية عالية، وكذلك في مصر والمغرب، وبالتالي ثمة تباين بين بلد وآخر».
ويعتقد الكاتب الغز أن النتاجات الأدبية والفنية تعاني انفصالاً عن الواقع، لذلك فإنها لا تعبر عن مجتمعها. ويتساءل: «أين كرة القدم في الدراما المصرية، مع أن المجتمع المصري مفتون بهذه اللعبة؟ في السينما الأميركية، نجد لكل فريق 30 أو 20 فيلمًا. المحاكم بكل أنماطها نجدها أيضًا، البيت الأبيض استوديو للتصوير. أين نبيل عبد الفتاح أو جابر عصفور في الدراما، بينما لا يوجد كاتب أميركي له وزن إلا وله أثر في الدراما الأميركية؟ ميزتهم أنهم احتضنوا ثقافتهم، وأوصلوها للآخرين. ومن هنا، يأتي نجاحهم. نحن لم نؤمن بثقافتنا، لذلك لم نتمكن من التعبير عنها. الرحابنة، مثلاً، يشبهون بيئتهم والمجتمع الذي خرجوا منه، وزكي ناصيف يشبه سهل البقاع، لكن فناني اليوم من يشبهون؟ وعن من يعبرون؟ هذا هو السؤال الكبير المطروح».
وبوصفه مستشارا لرئيس «مؤسسة الفكر العربي»، يتحدث أحمد الغز عن تجربته، معتبرًا أن المؤتمرات التي تنظمها المؤسسة باتت تعنى بالسؤال، وكيف تضع سؤالا لا يتضمن إجابة، وكيف أن كل إجابة صحيحة تأتي من السؤال الصحيح. ويشرح أن 130 باحثًا وكاتبًا شاركوا في الورش التحضيرية للمؤتمر الأخير، و70 في الأعمال الاستشارية، لصياغة 5 أسئلة في النهاية. ويعتبر الغز أن التحدي البعيد المدى الذي يواجه الكاتب هو كيف يصيغ أسئلة الناس والمجتمع، وكيف يعمل الجميع من أجل الوصول إلى تكامل ثقافي، مضيفا: «أسوأ ما في الوحدة العربية أنها حصلت في 24 ساعة، وانتهت في 24 ساعة».
لا داعي للخلاف حول كيف وصلنا إلى الدرك الذي نحن فيه، ولننشغل بالسؤال حول كيفية الخروج. إننا بحاجة لإعادة صنع استقرارنا. في عام 2003، اعترف العالم في اجتماعات «باريس 2» أن لبنان صار دولة. يومها، كدنا نعبر الجسر، لكننا عدنا وتراجعنا بعد 2005، ولا نزال نتراجع.
ويختم الغز كلامه، قائلا: «إن الاتحاد الأوروبي وجد في النهاية أنه أضاع الوقت في التشخيص، وأهمل نقطتين رئيسيتين: إن الرأسمال البشري وأسئلة الأجيال المقبلة هي الأساس.. ومن دروس غيرنا يجب أن نتعلم».
وبالعودة إلى الدكتور هيثم الناهي، ومن خلال تجربته في المنظمة العربية للترجمة، نستطيع أن نفهم مشكلة تدني التفاعل بين المبدعين من زاوية مختلفة، فهو يشرح أن «الكتاب يطبع منه ألفًا أو ألفا نسخة لا يباع منها سوى 200 أو 300 نسخة. ولعل السبب الأول هو الوضع المعيشي، والسبب الثاني هو الانحدار الثقافي والتربية التي لم تعط الطفل الإحساس بأن الكتاب يحمل منفعة له في الأساس، فالدول العربية تصرف ملايين من الدولارات على المشاريع الترفيهية، لكنها لا تصرف بالسخاء نفسه على مشاريع ثقافية، وهناك عدم احترام للكاتب والقارئ معًا. وفي حين أحيت شعوب أخرى لغات لها ميتة، نقتل نحن لغتنا الحية».
ويعدد الدكتور الناهي عناصر وأسبابًا مختلفة، لكنه يعتبر أن عنصر التعليم هو الأساس في إعادة الاعتبار للمعرفة في الأصل، فمرض النخبة المثقفة يبدأ من رياض الأطفال ليصل إلى الجامعة، مذكرًا أن المكتبات العامة في كل من مصر وسوريا والعراق والجزائر شحت ميزانياتها إلى الحد الأدنى، مما يعني أنه حتى من يريد أن يكتسب المعرفة بجهده الذاتي لن يجد الأدوات متوفرة.
ولا يتردد الدكتور الناهي في أن يقول إن «المثقف العربي لا وجود له. فهناك، حسب تعريف (اليونيسكو)، أمية حضارية وأمية أبجدية، ونحن نعاني من الأميتين معًا. لا، بل إن الأمية الحضارية مكتسبة راسخة، فحين نتحدث عن عشرين مثقفًا يخرجون لنا في التلفزيونات من أصل 350 مليون عربي، فهذا لا يعني شيئًا». وكما ذهب الكاتب أحمد الغز، يقول الدكتور الناهي إن ثمة مشكلة في تعريف الثقافة التي يفترض أنها «تبدأ من الإتيكيت، وتمر باللسان والطعام واللباس، وصولا إلى الفلسفة. وبسبب قصور التعريف هذا، وحصرنا إياها في الأدب وبعض الفنون، تبقى مواضيعنا التي نعبر عنها محدودة ضيقة لا تفي بالحاجة المجتمعية».
ويعتبر الشاعر شوقي بزيع أن «الوهن بلغ العظام، وأنه شامل. فالتفكك والانحلال يحتلان كل المسارات، ومن بينها الثقافة. وذلك أن الزمن الذي كانت فيه قصيدة شعرية تهز العالم قد ولّى إلى غير رجعة، والشيء الوحيد الذي يهز العالم اليوم هو تلك الأفكار البالغة التطرف والتأثير التي تصدر عن بعض المفكرين والكتاب الكبار، خصوصا فيما يخص انتهاك الثالوث المحرم: الدين والسياسة والجنس. أما المواقف العقلانية الموضوعية، فهي لا تعني أحدًا».
ويضيف بزيع: «ما يلفت هو غياب الحال النقدي الذي كان يتصدى له المثقفون، والذي كان في القرن الـ19 والـ20 جزءًا أساسيًا من النهضة، مما يعني أن هناك ترهلاً كاملاً يمس الحياة الثقافية، والمثقفون تحول بعضهم إلى كتاب وشعراء بلاط، وبعضهم لاذ بالصمت»، مستطردا: «هناك قنوط ويأس، خصوصا أن المثقف التنويري يرى أن ما يحدث في العالم العربي هو نقيض ما دعا إليه، من ديمقراطية ومساواة وعدالة وحرية في المعتقد، وأن مصير الشعوب العربية قد بات بين استبدادين أحلاهما مر؛ استبداد الأنظمة، خصوصا الاشتراكية والتقدمية زورًا وكذبًا، التي لم تكتف بمصادرة أحلام شعوبها، بل تجاوزت ذلك لسحقها وقتل الحياة السياسية، والاستبداد التكفيري الذي أخذ معه العنف أشكالا غير مسبوقة».
وفي النهاية، يدعو شوقي بزيع إلى تأسيس روابط ونقابات وجمعيات بديلة عن تلك الرسمية، متحررة من ربقة السلطة، بحيث يصبح للشعراء اتحادهم أو رابطتهم، وكذلك الأمر بالنسبة للروائيين والرسامين وغيرهم، كما هو الحال في الغرب، مضيفا: «لا يجوز على الإطلاق أن يفوق عدد المنتسبين إلى اتحاد الكتاب اللبنانيين نظراءهم في روسيا أو الصين لأن معظمهم يحملون لواء هذا الزعيم أو ذاك، وهذا الحزب أو ذلك التنظيم، ويتم تنسيبهم على أسس سياسية وانتخابية».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.