غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

سادس كبرى المدن التركية تحتل موقعًا استراتيجيًا واقتصاديًا مهمًا وتشكل مركزًا للدعم اللوجيستي

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»
TT

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

أصبحت مدينة غازي عنتاب، في جنوب تركيا، محط الأنظار بعد ظهور تنظيم داعش الإرهابي كونها أقرب نقطة إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في شمال سوريا، خصوصًا جرابلس وأعزاز. وهذا، على الأقل، ما كان الوضع عليه قبل القضاء على وجوده هناك من خلال عملية «درع الفرات»، التي دعمت فيها تركيا وحدات من «قوات الجيش السوري الحر» بالتنسيق مع التحالف الدولي لضرب «داعش»، التي انطلقت في الرابع والعشرين من أغسطس (آب) الماضي، وما زالت مستمرة.
عنتاب (عينتاب)، أو غازي عنتاب هي عاصمة محافظة غازي عنتاب في جنوب تركيا على حدود سوريا، وهي تعد سادس كبرى المدن التركية من حيث عدد السكان. وجدير بالذكر أن الأتراك ما زالوا يسمونها عنتاب على الرغم من أن البرلمان التركي أضاف إلى اسمها كلمة «غازي» عام 1921، وكانت قديما جزءًا من بلاد الشام.
وغازي عنتاب مدينة استراتيجية تتصل بخليج الإسكندرونة بمنفذ ضيق من ناحية الشمال، وتتصل من الشرق بمحافظة شانلي أورفة (أي أورفة ذات الشأن أو المحترمة) ومن الشمال بمحافظة قهرمان مرعش (أي مرعش الشُّجاعة أو الباسلة) وتجاورها من ناحية الغرب محافظة أضنة.

قاعدة لوجيستية
تعد غازي عنتاب، وفق كثرة من المراقبين، قاعدة الدعم اللوجيستي لتنظيم داعش الإرهابي المتطرف في تركيا و«رأس حربة» التنظيم في الداخل التركي. فمنها كان التنظيم يجمع عناصره المحلية والآتية من الخارج أيضًا، وفيها وفي محيطها كان يقيم معسكرات للتدريب، وإليها كان يفد الباحثون عن ذويهم ممّن هجروا بلادهم وأتوا للقتال في صفوف «داعش» في سوريا والعراق. كذلك، منها انطلق العديد من الهجمات الإرهابية في تركيا التي استهدفت الأكراد بصفة أساسية، ثم توسّعت أهدافها ضد تركيا مع بدء تطبيقها سياسات صارمة على حدودها ومشاركتها في التحالف الدولي لضرب «داعش»، وصولاً إلى دخول شمال سوريا لملاحقة التنظيم وتطهير حدودها منه انطلاقا من منطقة كركميش التي تعد نقطة التماس التركية مع مدينة جرابلس الحدودية السورية.
تضم محافظة غازي عنتاب قطاعين سكنيين حضريين هما شاهين بي وشهيد كامل، وتبلغ مساحتها 7642 كيلومترًا مربعًا ويقارب عدد سكانها المليون و700 ألف نسمة، أصولهم خليط من القوميات، أكبرها الكردية ثم التركية مع أقلية من الشركس والعرب.
وتختص غازي عنتاب بنحو 4 إلى 6 في المائة من الحجم الكلي للصناعات التركية، وخصوصًا ورش التعدين والنحاس ومصانع السجاد، كما تشهد الحركة السياحية فيها نموًا لافتًا، لا سيما في محيط قلعة غازي عنتاب الشهيرة. ويشتهر سكان غازي عنتاب بنشاطهم الزراعي، ففيها تنتشر كروم العنب ومعاصر الزيتون ومزارع الفستق التركي الشهير الذي يعرف في تركيا باسم «عنتاب فستق» (أو «الفستق العنتابي») وهو من أكثر أنواع الفستق التركي جودة وأغلاها ثمنًا. ومن ثم تُعرف بكثرة الصناعات الغذائية التقليدية الشهيرة في تركيا كالكَباب العنتابي واللحم بالعجين وحلوى البقلاوة.

من «القاعدة» إلى «داعش»
عام 2005، ألقت قوات الأمن القبض على بعض عناصر «القاعدة» في غازي عنتاب كانوا يقومون بتدريبات في منطقة غابات، وذلك في أعقاب عملية رصد استغرقت سنتين. ويومذاك كان يوسف دورماز، الذي أصبح فيما بعد مسؤول تنظيم داعش في غازي عنتاب، ضمن من اعتقلوا، وتبين أنهم انضموا لاحقًا إلى «داعش»، وأنهم كانوا يدربون أطفالاً صغارًا أيضًا. وكُشف أن دورماز هو المسؤول عن تفجير محطة القطار الرئيسية في العاصمة التركية أنقرة عام 2015 الذي راح ضحيته 101 شخص، أثناء مسيرة نظمها حزب الشعوب الديمقراطي الكردي تحت عنوان «تجمّع السلام والديمقراطية»، قبل انتخابات السابع من يونيو (حزيران) 2015.
في العام نفسه وقعت 3 هجمات إرهابية ضخمة انطلقت جميعها من غازي عنتاب ونفذها «داعش»، هي الهجمات التي استهدفت اجتماعات ومؤتمرات لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي في مدن ديار بكر وسَروج (بمحافظة شانلي أورفة) وأنقرة، وتبين أن المتهمين في التفجيرات الثلاثة أقاموا من قبل في غازي عنتاب التي غدت القاعدة اللوجيستية للتنظيم المتطرف في سوريا كونها نقطة تماس مع مدينتي جرابلس وأعزاز السوريتين. ولقد وصفت صحيفة «راديكال» في تقرير لها في عام 2014 غازي عنتاب بـ«مركز الدعم اللوجيستي الاستراتيجي لـ(داعش) في جرابلس وأعزاز»، وأضافت: «منها تخرج العناصر المحلية والأجنبية الآتية إلى تركيا وتتجه إلى داخل سوريا، وهي أيضًا النقطة التي يقصدها الأجانب الذين يبحثون عن ذويهم ممن جاءوا إلى تركيا والتحقوا بالتنظيم عبر أراضيها».

استراتيجية «داعش»
والحقيقة أن «داعش» اعتمد استراتيجية خاصة في تجنيد عناصره بغازي عنتاب تركزت على الخطاب الديني لخداع العناصر التي يرى أنها يمكن أن تنضم إليه، وخصوصًا من الشباب ممن لم يكملوا دراستهم ليس لديهم أمل في المستقبل أو من مدمني المخدرات.
ووفق ما كشفه أحد عناصر «داعش» (25 سنة) بعدما سلّم نفسه للسلطات التركية أخيرًا، كان التنظيم يرسل قوافل إلى الأحياء الفقيرة في غازي عنتاب حيث ينظم دروسًا لتحفيظ القرآن. وكان يجمع التبرعات علنًا على أنها تبرّعات للأعمال الإنسانية، ويضع مناضد في الميادين العامة وتجمع عناصره الأموال تمهيدًا لإرسالها إلى داخل سوريا. ولفت إلى أن هذا الأسلوب بدأ به التنظيم في العراق وسوريا منذ أكثر من 3 سنوات، ونقله بعد ذلك تطبيقه في غازي عنتاب.
وأشار العنصر الداعشي إلى أنه كان يقوم بتجنيد العناصر في غازي عنتاب من خلال تقديم الوعود بالعمل والزواج فور الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا، ويغري المنضمين إليه بأحلام إقامة «الخلافة»، ويقنعهم بقتل العلويين والأكراد و«معاملتهم معاملة الكفار»، بعد استخراج آيات تؤيد «قتل الكفار» من القرآن. وأكد أن هناك مئات ذهبوا إلى مدينة الرقّة، «عاصمة داعش» في سوريا، متأثرين بهذه الوعود، وأن الناس صدّقوا ما يقوله أعضاء التنظيم خلال الدروس.
ثم قال إن عناصر «داعش» الذين كانوا يأتون إلى غازي عنتاب من داخل سوريا كانوا يتعمّدون إثارة الفزع لدى سكان المدينة من أجل ترك منازلهم والهروب منها، وأنهم يحققون أموالاً طائلة من التجارة والتهريب. وتابع العنصر الداعشي أن هذه العناصر تدخل دائمًا في مشاجرات مع الأتراك والسوريين الذين نزحوا من بلادهم بسبب تهديدات عناصر «داعش» واستفزازات مدمني المخدرات والأشقياء المنضمين إلى صفوفهم. ولفت إلى أن كثيرين من السوريين الذين نزحوا إلى غازي عنتاب فرارًا من الحرب في سوريا غادروها مضطرين بسبب استفزازات «داعش»، وهربوا إلى مدن مثل ديار بكر وكيليس وشانلي أورفة وقهرمان مرعش وغيرها.

ضغوط على السوريين
من جانب آخر، روى بعض السوريين الفارين من غازي عنتاب أنهم عندما حضروا إلى تركيا كانوا يعتقدون أنهم سيكونون «في ضيافة (رجب طيب) إردوغان» وسيجدون العمل والسكن والحياة المريحة في انتظارهم، لكنهم فوجئوا بأوضاع ما كانوا يتخيلونها. ومثلاً، بسبب ارتفاع إيجارات المساكن، لجأ البعض إلى استئجار محلات تجارية لا تزيد مساحتها عن 20 مترا يقطن فيها 20 شخصًا، كما تعرضت نازحات سوريات للتحرش والضغوط، ولذا أخذت عائلاتهن تغادر المدينة. ثم قال إنه إذا انتهت الحرب في سوريا «سيصبح الوضع أكثر تعقيدا مع عودة الأتراك الذين انضموا إلى (داعش) في سوريا». وأوضح أن زعيم التنظيم في عموم تركيا يدعى إلهاملي بالي، بينما مسؤول «داعش» في غازي عنتاب هو يونس دورماز، وأشار إلى أن اثنين من مساعدي دورماز فرّا إلى سوريا.

إمارة غازي عنتاب
وكشفت مذكرة اتهام تقع في 500 صفحة أعدتها النيابة العامة في أنقرة أخيرًا، في إطار التحقيقات حول نشاط تنظيم القاعدة وصلته بـ«داعش»، عن مخطط لتنظيم داعش الإرهابي للسيطرة على غازي عنتاب وتحويلها إلى إمارة له في تركيا. وتحدثت مذكرة الاتهام عن خطة احتلال المدينة استنادًا إلى رسالة بعث بها يونس دورماز إلى إلهاملي بالي (زعيم «داعش» في تركيا) الذي أصدر التعليمات الخاصة بهجمات «داعش» في كل من منطقة السلطان أحمد في مدينة إسطنبول في بداية العام الحالي وديار بكر وسَروج ومحطة قطار أنقرة العام الماضي. وبحسب المذكرة اقترح دورماز التكتم على أنشطة التنظيم في تجنيد عناصر تنظيم داعش بغازي عنتاب من خلال الادعاء أنهم «يستهدفون حماية المسلمين ضد حزب العمال الكردستاني».
أما فيما يتعلق بوقت التنفيذ وشكل التنظيم، فقال دورماز: «راهنًا توجد في غازي عنتاب وظائف يمتهنها العرب فقط، إذ إن هناك نحو 50 رجلاً تقريبًا يعملون في صناعة الأحذية و(الشباشب). لذا سيستأجر مواطن تركي لا يلفت الأنظار مكانًا من طابقين وسيحوله إلى مقر عمل وسيوظّف فيه العرب فقط بواقع 50 رجلاً على الأقل. بهذه الطريقة سنخبئ رفاقنا خلف ستار مقر العمل. وإذا فتحنا 5 مقرات أخرى مشابهة لهذا سنتمكن من أداء مهامنا».
كذلك تضمنت مقترحات دورماز خطة الإيواء في المنازل غير المسجلة التي اطلع عليها الرأي العام التركي للمرة بعد ظهور أنباء حول استئجار منفذي الهجوم الانتحاري على مطار أتاتورك الدولي يوم 28 يونيو الماضي منزلاً في حي الفاتح بإسطنبول. وفي هذا الصدد قال دورماز: «ثمة منازل يقطنها العرب فقط. ويمكننا إسكان رفاقنا فيها بإيجار سنوي. فعلى سبيل المثال أنا أقطن في مبنى يسكنه العرب. المبنى مؤلف من 38 شقة وكل شقة تضم أربعة أشخاص على الأقل، مما يعني أن بإمكاننا إخفاء 110 أشخاص على الأقل».
وعقب وقوع الهجوم الذي تعرضت له بلدة عين العرب (كوباني) في شمال سوريا العام الماضي، وردت ادعاءات بأن «داعش» نفّذ هذا الهجوم بدعم خلايا التنظيم العاملة في غازي عنتاب.

ملاذ «الدواعش»
على صعيد آخر، يصدر الجيش التركي نشرة أسبوعية حول عدد مقاتلي «داعش» الذين يُعتقَلون في المدن التركية المختلفة. وتأتي مدينة غازي عنتاب في المرتبة الأولى دائمًا. كما أن المدعو أورهان ج. المتورط في تفجير استهدف مدينة ديار بكر، ذات الغالبية الكردية بجنوب شرقي تركيا، قبل يومين من الانتخابات البرلمانية التركية في 7 يونيو العام الماضي، وأسفر عن مقتل 4 وإصابة 402 آخرين، اعتُقل أيضًا في مدينة غازي عنتاب.
وتشير التقارير الأمنية إلى أن المقاتلين التابعين لتنظيم داعش الإرهابي، وكذلك المتعاطفين معه، يصلون إلى المدينة عبر الطرق البرية أو الجوية، ليبقوا لفترات في البيوت والمخابئ الخاصة بـ«داعش»، ومن ثم ينتقلون إلى الأراضي السورية، موضحة أن داعش حول المدينة إلى مركز للدعم اللوجيستي لتلبية احتياجاته من القوة البشرية والاحتياجات الأساسية.
وتثار اليوم بعض الادعاءات بأن التنظيم الإرهابي تلقى هزائم متتالية في عدد من المناطق المتاخمة للحدود مع تركيا، مما دفعه إلى الاختفاء بالانسحاب إلى خلايا التنظيم في غازي عنتاب وبلدة كيليس القريبة منها بجنوب تركيا. ولقد فجّر أران أردم، النائب عن حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض عن مدينة إسطنبول، مفاجآت مثيرة حول فعاليات تنظيم داعش الإرهابي داخل تركيا. وأشار أردم إلى أن تركيا تحتوي على نحو 200 خلية لـ«داعش»، وأن إسطنبول تضم خلايا نشطة، موضحًا أنه يمكن الاكتفاء بتفقّد قوائم المسافرين بين إسطنبول وغازي عنتاب منذ عام 2013 لفهم خطورة تنظيم داعش تركيا.
وادّعى أردم أن 20 في المائة على الأقل من المسافرين المُشار إليهم هم من ميليشيات «داعش»، مشيرًا إلى أن أكثر من 600 داعشي دخلوا غازي عنتاب بهذه الطريقة. وتابع إلى أن الآتين من الخارج للانضمام إلى «داعش» كانوا يستخدمون بيوت ضيافة تابعة لهيئة الشؤون الدينية في حي الفاتح من حين لآخر، لافتًا إلى أنه لا يعلم ما إن كانت هيئة الشؤون الدينية التركية على علم بهذا الأمر أم لا، غير أن هذا الأمر جلي، على حد قوله.
وأوضح أردم أن مساكن الشرطة استخدمت أيضًا للغرض نفسه، وأن ميليشيات «داعش» انتقلت من هناك إلى غازي عنتاب، حيث معسكرات التدريب التي يتلقّون فيه تدريبات نظرية، قبل التدريب على الأسلحة والقنابل فور بلوغهم الرقّة. وأكد أردم أن هيئتي الأمن العام والاستخبارات التركية على علم بكل هذه المعلومات، لكنهما لم تتخذا أي إجراءات في هذا الصدد. ثم أشار إلى اعتقال خالص بايانجوك - واسمه الحركي «أبو حنظلة»، الذي يُزعم أنه قائد التنظيم في تركيا، عقب هجوم سورج في شانلي أورفة العام الماضي، واقتيد إلى مديرية الأمن حيث طُرحت عليه خمسة أسئلة من بينها سؤال كوميدي حول ما إن كانت له أي علاقة بالتنظيم الإرهابي، ومن ثم أطلق سراحه، وتبين لاحقًا أنه فر إلى سوريا.

تحركات علنية
يوم 21 أغسطس الماضي وقع هجوم انتحاري على صالة للأفراح في منطقة شاهين بي بغازي عنتاب أودى بحياة 56 شخصًا، وأدى إلى إصابة 94 آخرين، ونسب الرئيس إردوغان المسؤولية عن الهجوم إلى تنظيم داعش، وقال إن طفلا بين 12 و14 سنة هو الذي نفذه. وكانت مصادر أمنية قد ذكرت أنه في 18 مايو (أيار) الماضي فجّر دورماز نفسه قبل القبض عليه في حملة أمنية في غازي عنتاب استهدفت تنظيم داعش. وعثرت قوات الأمن في جهاز الكومبيوتر الخاص به على قائمة بأسماء أعضاء التنظيم في تركيا والمهام المكلفين بها وقائمة بالعمليات الإرهابية التي كان من المقرر تنفيذها بواسطة عناصر «داعش» في تركيا، وعددها 3 آلاف و56 عملية انتحارية، لكن هناك معلومات أخرى تشير إلى هروبه إلى سوريا.
أيضًا كان مقطع فيديو التقطه أحد المواطنين في غازي عنتاب قد كشف عن احتفال أقامته عناصر تابعة للتنظيم عقب هجوم باريس الذي أودى بحياة نحو 160 مدنيًا في فرنسا العام الماضي. وأظهر الفيديو أنصار داعش يمرون بسياراتهم وعليها علم داعش الأسود من أحد الشوارع في غازي عنتاب، وهو نفسه الشارع الذي شهد التفجير الانتحاري في 21 أغسطس، والذي بعده بثلاثة أيام فقط انطلقت عملية «درع الفرات» في شمال سوريا.
وأوضحت تركيا بعدها أن الهدف منها هو تطهير حدودها من «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية، في إشارة إلى الميليشيات الكردية في سوريا، وإقامة «منطقة آمنة» بطول 95 كيلومترا وعمق 45 كيلومترا داخل الأراضي السورية ينقل إليها اللاجئون السوريون خلال سنتين، ومثلت هذه العملية منعطفا جديدا في تعامل تركيا مع تنظيم داعش، الذي لطالما اتهمت بدعمه.

أهداف جديدة
الدكتور مراد يشيل طاش، الخبير في مركز دراسات الشرق الأوسط في تركيا، يُرجع أسباب تصعيد «داعش» عملياته في تركيا في الفترة الأخيرة إلى سببين: أولهما جرّ تركيا إلى دخول سوريا والتورط في أزمات المنطقة، لأن ذلك سيؤدي إلى أزمة جديدة بين تركيا وروسيا بسبب تدخل تركيا في سوريا، كما أن تركيا ستدخل في مواجهة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في سوريا، مما سيؤثر سلبًا على علاقة أنقرة بواشنطن.
أما السبب الثاني فيرتبط (وفق يشيل طاش) باستراتيجية «داعش» للضغط على تركيا بهدف منع انطلاق ضربات التحالف الدولي من قاعدة إنجيرليك (بجنوب تركيا)، لأن هذه الضربات ألحقت خسائر كبيرة بالتنظيم وقلصت المساحة التي كان التنظيم يخطط لإقامة دولته عليها، وكذلك تؤثر على الموارد البشرية والدعم اللوجيستي للتنظيم.
أما وسف أوزهان، الخبير التركي في شؤون الإرهاب، فيري أن تصعيد التنظيم لعملياته ضد تركيا يرجع إلى السياسة الحازمة التي بدأت تركيا تطبيقها في الفترة الأخيرة والتضييق على عناصر «داعش»، ومنعهم من الحركة واستهدافهم بعملية «درع الفرات».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.