واشنطن ترفض اتفاقًا فاقدًا للضمانات وموسكو تريد تبنيًا كاملاً لرؤيتها للحل في سوريا

مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط»: واشنطن لا تريد «انتصارًا» دبلوماسيًا لبوتين يستثمره دوليًا

مقاتلون من جيش الإسلام يحرسون موقعهم على الجبهة الأمامية في بلدة تل سيوان قرب دوما بريف دمشق الغربي، أول من أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون من جيش الإسلام يحرسون موقعهم على الجبهة الأمامية في بلدة تل سيوان قرب دوما بريف دمشق الغربي، أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن ترفض اتفاقًا فاقدًا للضمانات وموسكو تريد تبنيًا كاملاً لرؤيتها للحل في سوريا

مقاتلون من جيش الإسلام يحرسون موقعهم على الجبهة الأمامية في بلدة تل سيوان قرب دوما بريف دمشق الغربي، أول من أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون من جيش الإسلام يحرسون موقعهم على الجبهة الأمامية في بلدة تل سيوان قرب دوما بريف دمشق الغربي، أول من أمس (أ.ف.ب)

يشارك وزير خارجية فرنسا اليوم في اجتماع «النواة الصلبة» لأصدقاء الشعب السوري الذي تستضيفه العاصمة البريطانية فيما المحادثات الحالية بين واشنطن وباريس ما زالت تصطدم بعوائق أساسية حالت دون التوصل إلى تفاهم رغم قمة الرئيسين أوباما وبوتين وخصوصا الساعات الطويلة من المناقشات التي أمضاها الوزيران جون كيري وسيرغي لافروف في الأسبوعين الماضيين.
وقالت مصادر فرنسية رسمية معنية عن كثب بالملف السوري، إنها «لم تفاجأ» بعجز الجانبين الأميركي والروسي عن التوصل إلى اتفاق لأسباب خاصة بكل طرف من جهة وللدرجة العالية من التعقيد التي تتميز بها المسائل العالقة. وبحسب باريس، فإن الطرف الأميركي الساعي لإبرام اتفاق مع روسيا لتعجيل دحر تنظيم داعش في سوريا والعراق على حد سواء، يعي «ضعف» موقعه إزاء الجانب الروسي. لكنه في الوقت عينه، كما قالت مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط»، يرفض أمرين: الأول، إبرام اتفاق ناقص فاقد للضمانات ويكون صعب التطبيق، وبالتالي سيحسب على إدارة أوباما وسيلتصق بالرئيس شخصيا وسيعد بمثابة «انتكاسة» سياسية ودبلوماسية له. ولكل هذه الاعتبارات، فإن الوزير كيري يبدو هذه المرة أكثر حرصا على التفاصيل وعلى انتزاع اتفاق متوازن من الروس قابل للحياة. وقد سبق لـ«الشرق الأوسط» أن نشرت موضوعا نقلت فيه عن كيري قوله إنه إن لم يتمكن من الحصول على اتفاق كهذا فإن بلاده «ستنفض يدها» من الملف السوري وستترك الروس يتدبرون الأمور بأنفسهم. وجاء الرد الروسي على كيري من جانب لافروف شخصيا الذي نقلت عنه الوسائل الإعلامية الروسية قوله إنه «لا حاجة للمزايدة».
أما السبب الثاني للتردد الأميركي فيعود، بحسب باريس، إلى أن إدارة أوباما غير راغبة في تمكين الرئيس بوتين من تحقيق «نصر» سياسي - دبلوماسي - عسكري في سوريا، الأمر الذي سيستخدمه على المسرح الدولي كدليل على عودة النفوذ الروسي عبر العالم وعلى «شرعيته» كرئيس لدولة كبرى ذات تأثير كبير على أزمات العالم. وجاءت دعوة بوتين لرئيس السلطة الفلسطينية ولرئيس الوزراء الإسرائيلي للاجتماع في موسكو «وقبولهما ذلك» لتبين مدى رغبة موسكو في «استثمار» عودتها بقوة إلى الساحة الدولية.
بيد أن للقضية وجها آخر، إذ بينما كان الطرفان الروسي والأميركي يتفاوضان على هامش قمة العشرين في هانغتشو «الصين» للتوصل إلى تفاهم يعيد تفعيل اتفاق وقف العمليات العدائية المبرم في فبراير (شباط) الماضي ويفتح الباب مجددا لمعاودة المسار السياسي، كان الطيران الروسي يكثف من هجماته على مواقع المعارضة في حلب لتمكين النظام من إعادة تطويق مناطقها الشرقية ووضع الجميع أمام أمر واقع جديد. وترى باريس في ذلك دليلا على أن موسكو والنظام «وإيران بالطبع» لم يتخلوا عن الخيار العسكري وبالتالي فإن زمن المحادثات ليس سوى «وقت مستقطع» بين جولتين من الحرب.
أما من الجانب الروسي، فإن باريس تعتبر أن الكلام المكرر والمغرق في التفاؤل الذي صدر مرارا في الأيام الأخيرة عن الرئيس بوتين، هدفه «جر واشنطن» إلى اتفاق يسعى إليه كيري وأوباما اللذان يريدان تجميع كافة الأوراق التي تساعد على إلحاق الهزيمة بـ«داعش» ومنها الورقة الروسية. وكانت مصادر دبلوماسية فرنسية قالت لـ«الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر السفراء الفرنسيين الأسبوع الماضي، إن مدرستين تتصارعان في موسكو: الأولى، تدفع إلى استغلال «ضعف» الإدارة الأميركية الحالية من أجل انتزاع أفضل اتفاق يحافظ على المصالح الروسية قبل رحيل أوباما عن البيت الأبيض وقبل وصول رئيس أميركي جديد يكون أقل استعدادا للتنازل من أوباما. والثانية ترى أنه يتعين الاحتفاظ بالورقة الروسية للمساومة عليها وطرحها للمقايضة و«بيعها» للإدارة الجديدة مقابل تنازلات في ملف العقوبات أو على مستوى تدابير الحلف الأطلسي العسكرية في الجوار الروسي أو حتى في أوكرانيا. وبحسب هذه المصادر، من الصعب عمليا الفصل بين هذه الملفات والملف السوري خصوصا أن «النظرة الروسية» تصدر عن استراتيجية شاملة بينما يميل الغربيون إلى «تجزئة» مواضيع الخلاف مع موسكو.
وفيما خص النقطة الأولى، لم ينجح الوزير لافروف حتى الآن في دفع نظيره الأميركي ومعه البيت الأبيض إلى تبن كامل للرؤية الروسية فيما خص مستقبل النظام السوري وعلى رأسه الأسد. وتعتبر باريس أن «المرونة» التي أبدتها واشنطن لجهة القبول ببقاء الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أو في جانب منها، لا تحوز كامل الرضا من الطرف الروسي الذي يريد إخراج موضوع الأسد من المعادلة وفرض بقائه طيلة المرحلة الانتقالية واعتبار أن له الحق في الترشح لولاية جديدة. وترى باريس أن أمرا كهذا «سيعني أن الحرب سوف تستمر إلى ما لا نهاية، لأن المعارضة لا يمكن أن تقبل بمخرج كهذا». والدليل على ذلك الوثيقة التنفيذية للمرحلة الانتقالية كما أعدتها اللجنة العليا للتفاوض، وفيها رفض لبقاء الأسد في السلطة مع بدء المرحلة الانتقالية. وبين موقف موسكو ومطالب المعارضة، تتراوح مواقف أطراف «المجموعة الصلبة» وآخرها موقف تركيا التي أخذت تقبل بدور للأسد في المرحلة الانتقالية، حيث لكل رأيه في طبيعة الصلاحيات التي ستبقى بين يديه، خصوصا تحكمه بالأجهزة الأمنية والقوات المسلحة.
بالنظر لهذا الاختلاف «البنيوي»، بين الطرفين، تبدو المواضيع التي لم يتم التوصل إلى تفاهم بشأنها بين كيري ولافروف «تفصيلية». وتلاحظ المصادر الفرنسية أن الرسالة التي أرسلها مايكل راتني، السفير الأميركي المولج الملف السوري إلى فصائل المعارضة المسلحة بتاريخ 3 سبتمبر (أيلول)، بالغة الأهمية من حيث دلالتها إذ إنها لا تتناول سوى المواضيع «الفنية» الخاصة بتفاصيل وقف العمليات العسكرية ولا تشير إلى العملية السياسية ومضمونها إلا بفقرة واحدة. وترى باريس أن المعارضة المسلحة «لن توقف العمل العسكري ما لم يتبين أفق سياسي» للخروج من الحرب السورية.
إزاء هذه العقد، سيكون الاجتماع اللاحق المرتقب بين الوزيرين كيري ولافروف «في اليومين القادمين» بالغ الأهمية، لأنه سيبين حقيقة ما إذا كان الطرفان قد توصلا إلى «تفاهم مقبول» رغم تباعد الأهداف من أجل السعي لإعادة العمل بالهدنة السابقة، وخصوصا إذا كان الاتفاق الموعود سيطبق ميدانيا أم أن مصيره سيكون شبيها بمصير الهدن السابقة. أما الاستحقاق الآخر بالنسبة للملف السوري فسيحل في 21 الحالي بمناسبة انعقاد جلسة خاصة لمجلس الأمن. وإذا لم تسفر هاتان المحاولتان عن شيء ملموس، فإن باريس تستبعد مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي الأميركي أن يطرأ جديد على الملف السوري «قبل وقت طويل» مهما تكن هوية الرئيس القادم الذي سيدخل البيت الأبيض بداية عام 2017.
وأمس، قالت الخارجية الفرنسية إن اجتماع لندن سيوفر الفرصة لمتابعة الحوار بين مجموعة «النواة الصلبة» والهيئة العليا للمفاوضات «المنخرطة كليا لصالح عملية الانتقال السياسي» مضيفة أن الوزير أيرولت سيعيد تأكيد دعم فرنسا لحل سياسي «يفترض» أن تتوافر الشروط المؤاتية له، وأولها وقف الأعمال العدائية وإيصال المساعدات الإنسانية ومعاودة المفاوضات. كذلك جددت باريس دعمها للمعارضة «المعتدلة» التي تتحلى بحس المسؤولية في التزامها بهذا الحل ما يعني دعم باريس للورقة التي أعدتها هيئة التفاوض.
بيد أن مصادر دبلوماسية أخرى قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن تشدد المواقف الفرنسية في الملف السوري يمنع باريس من «المناورة» أو «المرونة»، وبالتالي لا يسهل لها إمكانية القيام بدور أكثر نشاطا.



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.