مصادر دبلوماسية في باريس لـ«الشرق الأوسط»: محادثات جنيف غرضها «ملء الوقت»

وزير خارجية فرنسا يتهم موسكو وطهران بتشجيع النظام السوري على التمسك بخيار الحرب

رجل حاملا ابنه المعاق يخرج من بلدة داريا المحاصرة أمس بريف دمشق بعد الاتفاق الذي ابرم بين قوات النظام والمسلحين  (أ.ف.ب)
رجل حاملا ابنه المعاق يخرج من بلدة داريا المحاصرة أمس بريف دمشق بعد الاتفاق الذي ابرم بين قوات النظام والمسلحين (أ.ف.ب)
TT

مصادر دبلوماسية في باريس لـ«الشرق الأوسط»: محادثات جنيف غرضها «ملء الوقت»

رجل حاملا ابنه المعاق يخرج من بلدة داريا المحاصرة أمس بريف دمشق بعد الاتفاق الذي ابرم بين قوات النظام والمسلحين  (أ.ف.ب)
رجل حاملا ابنه المعاق يخرج من بلدة داريا المحاصرة أمس بريف دمشق بعد الاتفاق الذي ابرم بين قوات النظام والمسلحين (أ.ف.ب)

بينما تتواصل المباحثات المكثفة بين الخبراء الأميركيين والروس في جنيف للتوصل إلى اتفاق صلب لوقف الأعمال العدائية في سوريا، وإيصال المساعدات الإنسانية والتعاون المشترك في الحرب على «داعش» سبيلا لمعاودة البحث في العملية السلمية من خلال وساطة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، أبدت مصادر فرنسية رسمية «تشككها» إزاء ما يجري في المدينة السويسرية، وإزاء ما يمكن أن ينتج من هذه المحادثات التي تأتي استكمالا للاجتماع الماراثوني الجمعة الماضي بين وزيري الخارجية جون كيري وسيرغي لافروف.
بيد أن تصريحات الرئيس الروسي، أمس، لوكالة «بلومبيرغ» التي تحدث فيها عن إمكانية التوصل «قريبا» إلى اتفاق روسي ــ أميركي، وعن إحراز تقدم «شيئا فشيئا» في هذه المباحثات الثنائية جاءت لتعطي صورة مغايرة عن الصورة السلبية المتكوّنة لدى الجانب الفرنسي، الذي أشار إلى أن الطرفين الروسي والأميركي أعلنا مرارا في السابق عن التوصل إلى تفاهمات وهدنات «إما لم تتحقق أو تهاوت». وتضيف المصادر الفرنسية، أن بوتين نفسه قال: إنه «من المبكر» الحديث عن التوصل إلى اتفاق، رغم أن الطرفين «يتقدمان في الاتجاه المطلوب». وكانت «الشرق الأوسط» قد نشرت خبرا الأربعاء الماضي، نقلا عن مصادر أميركية، جاء فيه أن «اتفاقا سيتم التوصل إليه بحر الأسبوع المنتهي».
هذه الرؤية الفرنسية وعنوانها «التشكيك» جاءت خلاصة مجموعة من اللقاءات مع دبلوماسيين فرنسيين رفيعي المستوى معنيين بالشأن السوري أجرتها «الشرق الأوسط» في الأيام الثلاثة الأخيرة على هامش مؤتمر «السفراء الفرنسيين عبر العالم»، وهي تصب كلها في خانة اعتبار أن المباحثات الثنائية «أقرب إلى طبخة بحص» لا طائل منها، لسبب أساسي هو أن النظام وخصوصا داعميه الروسي والإيراني «لم يتخليا بعد عن الخيار العسكري»، وأن جنيف غرضها «ملء الوقت بانتظار أن يبان مصير المعارك الرئيسية الجارية حاليا في سوريا، وأولها مصير حلب ومنطقتها».
وتشير هذه المصادر بداية إلى أن البحث في تفاصيل الاتفاق بين خبراء الطرفين بدأ مباشرة عقب زيارة كيري إلى موسكو في 14 يوليو (تموز) الماضي، وأن الموضوعات التي أعيد البحث فيها في لقاء جنيف «لا تختلف عما سبق بحثه». وبالتالي، فإن الطرفين «يدوران في حلقة مفرغة» هي أقرب إلى «إدارة الوقت أكثر مما هي السعي لإيجاد مخرج من الحرب المستعرة».
تعتبر باريس أن ثمة خللا في «ميزان القوى السياسي والدبلوماسي» بين طرفي المحادثات، حيث ثمة في جانب طرف «يستعجل الوصول إلى تفاهم» «الطرف الأميركي»، فيما الجانب الآخر «الروسي» يرى أن «الخيارات مفتوحة أمامه»، وأنه «قادر على إبرام تفاهم اليوم أو انتظار أشهر عدة» إضافية. وتسود في باريس قراءتان: الأولى ترى أن موسكو يمكن أن تعتبر أنها اليوم «قادرة على انتزاع أفضل اتفاق يلائم مصالحها في سوريا من إدارة أميركية ضعيفة جعلت همها الأول الحرب على (داعش)، والرغبة في تحقيق إنجاز ما قبل نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما». وبحسب هذه القراءة، فإن «التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها روسيا اليوم لن تحصل عليها غدا من الرئيس الأميركي الجديد، أكان ذلك المرشح الجمهوري أو المرشحة الديمقراطية».
أما القراءة الأخرى، فتشدد على أن «مصلحة» الرئيس الروسي الذي نجح في فرض «الثنائية» الروسية ــ الأميركية وحدها إطارا للحل، لا تكمن اليوم في تقديم تنازلات محددة لرئيس «مغادر»، بل إنه من الأجدى له أن ينتظر وصول إدارة جديدة يمكن أن يجري معها عملية «مقايضة» بين تساهل ما في سوريا مقابل تنازلات أميركية وغربية في مكان آخر «العقوبات الاقتصادية أو أوكرانيا مثلا». وفي الحالتين يستطيع الجانب الروسي أن يضمن المحافظة على مصالحه في سوريا والمنطقة الشرق أوسطية والبحر المتوسط. يضاف إلى ذلك أن الجانب الروسي قد يعتبر أن «لا فائدة» من تبديد ورقة سوريا اليوم من خلال المساعدة على التوصل إلى حل قريب؛ إذ عندها سيتراجع موقف موسكو القوي والمؤثر «لأنها تكون قد خسرت ما مكّنها من العودة بقوة» إلى الساحة الدولية ودفع الأميركيين «لاستجداء» حل ما زالت حتى اليوم تمانع في توفيره.
ثمة من يرى أن روسيا، رغم امتلاكها ناصية المبادرات ميدانيا ودبلوماسيا ومهارتها في المناورة، لا تحتكر جميع الأوراق لا سياسيا ولا ميدانيا. وهذا من شأنه أن يدخل عنصر «فقدان اليقين» في السياسية الروسية. وتعتبر المصادر الفرنسية، أن «مفتاح الوضع» العسكري والسياسي اليوم في سوريا هو معركة حلب، وأن مصير عاصمة الشمال السوري هو الذي سيدفع بتوجهات موسكو بهذا الاتجاه أو ذاك. وبحسب هذه المصادر، فإن نجاح النظام، بدعم روسي ــ إيراني كثيف، في وضع اليد على كامل مدينة حلب سيُفهَم على أن الحرب «يمكن أن تحسم عسكريا» وهي في طريقها لذلك. وفي هذه الحال: «لن يكون للمعارضة السورية ما تفاوض بشأنه»، وبالتالي، فإن المباحثات التي يمكن أن تحصل لاحقا في جنيف أو غيرها «ستكون فقط لترجمة النتائج العسكرية إلى قرارات سياسية». وعندها يمكن أن تعتبر موسكو أنها «ربحت الحرب».
أما إذا عجز النظام، رغم كل المساندة والدعم اللذين يتوفران له عن حسم معركة حلب، فسيكون ذلك مؤشرا لعجزه طويل المدى عن تغيير الواقع الميداني، وعندها ستضطر موسكو إلى استخلاص العبر والسعي لتلافي «الغرق» لسنوات في الحرب السورية، وهو بالطبع ما لا يريده بوتين وفريقه. وفي هذه الحال، ترجح المصادر الفرنسية أن تعمد روسيا إلى البحث جديا عن حل سياسي متوازن ومقبول من الجانبين ويكون عنوانه الأول المحافظة على مصالحها الاستراتيجية. وعندها «لن يكون لمصير الرئيس السوري وزن كبير».
لا تغفل باريس أهمية العامل الإيراني ولا تطورات المواقف التركية وتأثيرها على مسار الأزمة السورية. فمن جانب، باريس تعتبر أن التوافق الإيراني ــ الروسي «يمكن أن يستمر طالما أن الطرفين يعملان على حماية النظام وتمكينه من الصمود»، لكنها ترى أن لكل وضعه «الخاص»، حيث مصالح طهران مربوطة عضويا، بحسب المصادر الفرنسية، ببقاء الأسد ونظامه، بينما وضع روسيا مختلف وهي قادرة على التأقلم وحفظ حصتها «مع الأسد أو من دونه». ونتيجة ذلك أن طهران وموسكو يمكن أن «تختلفا» غدا إذا بدت مصالحهما «متناقضة». أما بالنسبة لتركيا، فالملاحظة الفرنسية الأولى هي أن أنقرة أرادت في تدخلها، إلى جانب ما هو واضح «سعيها لمنع إيجاد تواصل جغرافي للمناطق الكردية السورية الثلاث، وضرب وحدات حماية الشعب الكردية، ولاحقا منع إقامة دولية كردية ملاصقة لمئات الكيلومترات للحدود التركية» إبراز «استقلاليتها» وقدرتها على اتباع سياسات لا تحوز سلفا على رضا الحليف الأميركي رغم إبلاغه في «آخر لحظة» بعمليتها في جرابلس ومحيطها. لكن باريس، رغم ذلك، ترى أن ثمة الكثير من الأسئلة الخاصة بالتدخل التركي التي لا تتوافر بشأنها أجوبة واضحة، مثل إمكانية تقارب أنقرة والنظام السوري، وموقف الأخيرة المستقبلي من المعارضة السورية التي دعمتها منذ البداية، ومدى اتساع تدخلها العسكري وبقاء قواتها على الأراضي السورية، وتصورها للحل بعد أن برزت «مؤشرات» أولية لتبدل في سياستها إزاء الأسد.
ثمة بعد تركي آخر للأزمة السورية - بحسب المصادر الفرنسية - التي ترى أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «لا يريد أن يرى إيران تفرض هيمنتها التامة على العراق وسوريا» بحيث يتحول هذا البلدان إلى «محميتين إيرانيتين» فيما للبلدين مصلحة مشتركة في منع تنامي قوة الأكراد في سوريا «وإيران» واستنساخ نموذج أكراد العراق الذين نجحوا في بناء كيان شبه مستقل داخل الدولة العراقية، وربما يصبح يوما ما مستقلا.
إزاء كل هذه الإشكاليات، تبدو الدبلوماسية الفرنسية «قلقة» من الغموض الأميركي. فباريس ــ وهذا ما يعترف به دبلوماسيوها ــ «لا تعرف تفاصيل ما يدور بين كيري ولافروف»، وتجهل «التنازلات» التي يمكن أن يقدم عليها الوزير الأميركي لتحقيق إنجاز دبلوماسي يحسب في خانة نجاحات الرئيس أوباما الذي جاء إلى البيت الأبيض عام 2008 لإغلاق ملفات حروب أميركا في الخارج. وتعي باريس أن «الغموض» يوفر للوزير كيري «ليونة وهامشا للمناورة»، لكنه «قد يخفي غيابا لخط سياسي مفهوم ولأهداف محددة» ما يشرع الباب لمناورات روسيا، وينعكس سلبا على شركاء واشنطن وحلفائها.
وأمس، لم يتردد وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت، في كلمته الختامية لمؤتمر السفراء في تأكيد أن أحد عوامل اختلال ميزان القوى في الشرق الأوسط سببه «تراجع الولايات المتحدة الأميركية». واتهم إيرولت روسيا وإيران بتشجيع خيارات النظام السوري باعتماد العنف «أي الحرب» الذي لا يقود سوى إلى «طريق مسدود»، منبها إلى أن «لا أحد» قادر على الانتصار فيها، وأن النظام السوري «لن يستطيع البقاء «في مكانه» بعد هذه المأساة «الحرب»». ورغم انتقاده الواضح لدور روسيا، فإن الوزير الفرنسي حرص على تأكيد أن موسكو «شريك» ولها «الحق» في أن تلعب دورها على المسرح الدولي.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.