لعنة «صيف الإعدامات» تطارد كبار مسؤولي النظام الإيراني

مساعد رئيس البرلمان الإيراني مهدد بالإطاحة بعد موقفه من إعدامات 1988

وزیر العدل الإيراني مصطفى بور محمدي والمدعي العام السابق إبراهيم رئيسي من أعضاء «لجنة الموت» في 1988 (فارس)
وزیر العدل الإيراني مصطفى بور محمدي والمدعي العام السابق إبراهيم رئيسي من أعضاء «لجنة الموت» في 1988 (فارس)
TT

لعنة «صيف الإعدامات» تطارد كبار مسؤولي النظام الإيراني

وزیر العدل الإيراني مصطفى بور محمدي والمدعي العام السابق إبراهيم رئيسي من أعضاء «لجنة الموت» في 1988 (فارس)
وزیر العدل الإيراني مصطفى بور محمدي والمدعي العام السابق إبراهيم رئيسي من أعضاء «لجنة الموت» في 1988 (فارس)

يتسع نطاق الجدل حول تسجيل نائب الخميني حسين علي منتظري بعد مرور أكثر 20 يوما على نشره، وأسهمت تفاصيل التسجيل المثير في تنشيط الذاكرة الإيرانية بشأن أكثر عملية تصفية طالت مئات آلاف الناشطين السياسيين في صيف 1988.
وبلغت مواقف كبار المسؤولين هذه الأيام ذروتها بعد الإحراج الذي تسبب فيه التسجيل للنظام بالتزامن مع الذكرى السنوية للإعدامات. وكان نصيب حكومة «الأمل والاعتدال» برئاسة روحاني في الإحراج وافرا لتولي مسؤولين عن الإعدامات الجماعية مناصب كبيرة في حكومته والتيارات المؤيدة لسياساته، كما أن الكشف عن دور الشخصيات التي تعتبر مرجعية للتيار الإصلاحي اليوم صادما بين أنصار التيار.
البرلمان بدوره تأثر مباشرة بالنقاش الدائر حول ما جرى في صيف «الإعدامات الجماعية»، إذ وجه نائب رئيس البرلمان علي مطهري رسالة إلى وزير العدل الحالي، وأحد أعضاء لجنة «الموت» في 1988 مصطفى بور محمدي، شدد فيها ضرورة تقديم توضيح بشأن ما ورد في التسجيل بدلا من «المغالطات».
ويظهر التسجيل الذي نشر في التاسع من أغسطس (آب) بعد 28 عاما معارضة حسين علي منتظري تنفيذ الإعدامات؛ الأمر الذي انتهى بعزله من منتصب نائب ولي الفقيه في العام نفسه وقبل شهور من وفاة الخميني. وكان التسجيل يروي تفاصيل لقاء بين منتظري وأربعة مسؤولين عن تنفيذ الإعدامات عرفوا آنذاك بـ«لجنة الموت». ووفق ما تضمنه التسجيل فإن منتظري ينتقد اللجنة بسبب ارتكاب تجاوزات للقانون، محذرا المسؤولين من أن الإعدامات ستؤثر سلبا في شهادة التاريخ بالخميني، وأن التاريخ سيذكره على أنه «سفاك ودموعي». ويصف منتظري الإعدامات آنذاك بأنها «أكبر جريمة ترتكب في النظام، وأن التاريخ سيذكر منفذيها بين أكبر المجرمين».
لكن ردا على ذلك أكد أول من أمس وزير العدل في حكومة «الاعتدال» وممثل المخابرات في لجنة الموت آنذاك، دوره في تنفيذ الإعدامات قائلا إنه «يفتخر بسبب تنفيذ حكم الله»، وجاء موقف بور محمدي بعدما نفى قبل ثلاث سنوات مسؤوليته عن الإعدامات ولقاءه بمنتظري. وأضاف بور محمدي أنه بعد نشر التسجيل فإن «غالبية الهجمات موجهة إلي ولا يريدون الكف عن ذلك لكنني هادئ.. خلال السنوات الماضية نمت ليلي هانئا لأني نفذت القانون والشرع». فضلا عن بور محمدي كان منتظري في ذلك اليوم يناقش قضية الإعدامات مع رئيس المحكمة العليا حاليا (حاكم الشرع في سجن أوين آنذاك) حسين علي نيري، والمدعي العام مرتضي إشراقي، ومساعده إبراهيم رئيسي (عينه خامنئي في فبراير (شباط) رئيسا لمنظمة «آستان رضوي» العملاقة ويتردد اسمه بين مرشحي الحرس الثوري هذه الأيام لخلافة خامنئي).
بموازاة ذلك طالب 20 نائبا في البرلمان الإيراني النظر في أهلية مساعد رئيس البرلمان علي مطهري، بسبب رسالته إلى بور محمدي قبل أيام وفق ما ذكرت وكالة «تسنيم». وقال البرلمانيون في خطاب موجه إلى هيئة الرئاسة إنه يجب عدم بقاء مطهري في منصبه؛ بسبب مواقفه وآرائه الأخيرة حول الإعدامات. من جهتها ذكرت وكالة فارس أن عدد الموقعين ارتفع إلى 37 مما يشكل النظر في أهلية مطهري واردا في الأيام المقبلة.
وانتقد أمس قائد قوات الباسيج محمد رضا نقدي موقف مساعد رئيس البرلمان علي مطهري من دون ذكر اسمه وقال إن «بعضا من الأشخاص من بينهم نجل إحدى الشخصيات الكبيرة والمعرفة يمن دون موقف من الإعدامات وهو خاطئ». ودافع نقدي عن الإعدامات الجماعية في صيف 1988، قائلا إنها كانت «وفقا للمعايير القانونية والفقهية والدستورية والدولية والداخلية».
من جانبها، حاولت كتلة «الأمل» أمس حفظ بعض من ماء وجهها، خاصة بعدما رموز اسم رموز الإصلاحيين ووزير من حكومة روحاني في قائمة الموت. واجتمع محمد رضا عارف بعد انتهاء الجلسة بمطهري ليعلن تضامن كتلته مع موقفه. ونقلت وكالة «إيسنا» عن المتحدث باسم الكتلة بهرام بارسايي أن «موقف مطهري منطقي بعد تعرض تسجيل منتظري لبعض الاستغلال»، وتابع أن «المادة 84 من الدستور تنص على أن أي نائب مسؤول تجاه الشعب وبإمكانه التعبير عن رأيه في أي موضوع».
بعد ساعات، قال مطهري إن «غايات سياسية» وراء ردود الأفعال «العجيبة والغريبة» على رسالته، مؤكدا موقفه لمطالبة المسؤولين بـ«تقديم توضيح يهدف إلى إغلاق ملف الإعدامات». وخلال جلسة أمس دافع مطهري عن نفسه بعد تعرضه لانتقادات واسعة من التيار المتشدد في البرلمان وقال إن رسالته لوزير العدل جاءت بسبب الجدل الذي أثاره التسجيل في الشارع الإيراني ووسائل الإعلام الداخلية والخارجية.
وشدد مطهري على ضرورة شرح المسؤولين ملابسات الإعدامات «بدلا من الشعارات». وأضاف: «على المسؤولين التوضيح أن الإعدامات في 1988 نفذت وفقا للمعايير وبحذر شديد وعدم تعرض أي شخص للظلم»، كما أشار إلى ضرورة «مناقشة طلبات الاحتجاج ضد الإعدامات والتحقق منها قبل إغلاق الملف نهائيا».
وأبدى مطهري بعض التراجع عندما قال: إن مواقفه «أفضل طريقة للدفاع عن النظام»، مشيرا إلى أن وزير العدل استجاب لدعوته وقدم بعض التوضيحات وفق ما ذكرته وكالة «إيسنا». ومن جانبها وكالة «فارس» نشرت، أمس، مقالا انتقدت فيه مواقف مطهري؛ بسبب ما اعتبرته دفاعه عن المعارضة الإيرانية (منظمة مجاهدي خلق).
في غضون ذلك نقلت وسائل إعلام إيرانية عن نجل منتظري أحمد منتظري، أمس، قوله إنه خضع لثالث استجواب خلال أسبوع في محكمة رجال الدين بمدينة قم؛ بسبب نشره التسجيل على موقع منتظري الرسمي، وأضاف منتظري أنه لا يعرف النتيجة التي يمكن يؤدي إليها التحقيق معه، كما كشف السبت الماضي أنه يواجه تهمة «نشر أسرار النظام»؛ لأن والده كان نائبا للخميني لحظة التسجيل.
السبت الماضي تناقلت وسائل الإعلام أول موقف من رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني على نشر التسجيل. وكان رفسنجاني في صيف الإعدامات يشغل منصب رئيس البرلمان الإيراني. قال رفسنجاني إن موجة الانتقادات الأخيرة ضد إعدامات 1988 تستهدف نجل الخميني أحمد الخميني وأسرته.
وتعرض هاشمي رفسنجاني إلى انتقادات واسعة من أنصار؛ بسبب إصراره على الدفاع عن الإعدامات. في غضون ذلك وجه المفكر السياسي صادق زيبا كلام المقرب من رفسنجاني رسالة مفتوحة أعرب فيها عن تذمر وأسف أنصاره. كما اعتبر موقف رفسنجاني معارضا لمواقفه خلال العقدين الأخيرين، مؤكدا أنه يضع علامات استفهام كثيرة على «الاعتدال والوسطية أبرز خصائص رفسجاني خلال السنوات الأخيرة».
وأوضح زيبا كلام في رسالته أن «مصائب» إيران خلال 37 سنة الماضية مصدرها تجاهل القانون في تنفيذ إعدامات 1988، كما اعتبر موقف رفسنجاني «أعذارا لا يمكن أن تبرر الإعدامات في 1988».
بعد ذلك بيوم أصدر مجلس خبراء القيادة بيانا يدافع فيه عن «قرار الخميني تنفيذ حكم الإعدام بحق السجناء السياسيين آنذاك واصفا إياه بالـ«القرار التاريخي والثوري». كما اعتبر نشر التسجيل من أسرة منتظري خدمة لـ«منظمة مجاهدي خلق».
يوم الجمعة، سمحت السلطات لأسرة السجناء السياسيين بدخول مقبرة «خاوران» في ضواحي طهران، حيث القبور الجماعية لآلاف المعدومين السياسيين. وتعد المرة الأولى بعد سنوات يحيي ذوي المعدومين ذكراهم. وفق تقارير وسائل الإعلام الإيرانية، فإن قوات الأمن منعت دخول الكاميرات وأخذ الصور.
يشار إلى أن الإعدامات في 1988 استهدفت عددا كبيرا من أعضاء منظمة مجاهدي خلق، فضلا عن أنصار الأحزاب اليسارية وأعضاء الأحزاب الكردية المعارضة شملت الإعدامات عددا من السجناء العرب في الأحواز. وبحسب موقع «غويا نيوز» فإن غالبية الإعدامات في صيف 1988 شهدتها سجن كارون في الأحواز وسجن «اليونيسكو» في دسبول (دزفول) 120 كيلومترا شمال الأحواز.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.