الأصولية الداعشية في مرآة المثقفين الفرنسيين

قسم منهم يرى أن فرنسا دخلت في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية المقبلة

عبد النور بيدار - ميشيل أونفري
عبد النور بيدار - ميشيل أونفري
TT

الأصولية الداعشية في مرآة المثقفين الفرنسيين

عبد النور بيدار - ميشيل أونفري
عبد النور بيدار - ميشيل أونفري

السؤال المطروح الآن هو التالي: ما رأي مثقفي فرنسا فيما يحصل في بلادهم من أحداث جسام؟ سأقتصر على بعض الأسماء؛ لأن الموضوع شاسع وواسع ويملأ كتابا كاملا بسهولة.
ماذا يقول لوك فيري مثلا؟ يرى أنه من الغباء أن نتهم القتلة الذين يرتكبون التفجيرات بأنهم مرضى نفسانيون كما فعل القضاة الذين أخلوا سراح أحد القتلة قبل فترة قصيرة من ارتكابه الجريمة، بل ونصحوا بمعالجته نفسيا ومتابعته طبيا! وهذه حماقة منقطعة النظير. هذا خطأ قاتل ينبغي تحاشيه بأي شكل؛ فالحقد الديني أو التعصب الأعمى ليس مرضا نفسيا تمكن معالجته عن طريق علماء النفس وأطباء المصحات العقلية. هذا وهم وتضييع وقت. فالشاب الذي «تمرجل» على شيخ عجوز عمره 86 سنة وذبحه لم يكن مريضا عقليا أبدا، وإنما كان في كامل صحته النفسية والعقلية. ولكنه كان مفعما بالحقد الديني على كاهن مسيحي لسبب بسيط هو أنه كافر من وجهة نظره وعدو للإسلام. أو هكذا لقنه شيوخه؛ لأنه هو ربما يجهل كل شيء عن الإسلام. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. وإلا كيف يتجرأ على قتل شخص عجوز في عمر جده، أو جد جده وليس والده. كان يكفي أن ينفخ عليه نفخة بسيطة لكي يسقط على الأرض. وعلى أي حال فالداعشيون القتلة ليسوا أقل جنونا من النازيين الذين قتلوا الناس بالملايين، وأحيانا كثيرة على الشبهات. وإنما هم ككل أتباع الآيديولوجيات التوتاليتارية العمياء مفعمون بالحقد على كل من لا يشاطرهم عقيدتهم. وما الحل في رأي لوك فيري؟ الموقف الصارم بلا هوادة ضد الدواعش من جهة، والموقف الأخوي المتضامن مع الجالية المسلمة الكريمة من جهة أخرى. ولكن ينبغي عليها بالمقابل أن تتحرك أكثر لتحييد هؤلاء القتلة الذين يخرجون من أحشائها ويقتلون باسمها، أو باسم معتقدها ودينها. لا ينبغي أن تبقى صامتة أو مكتوفة الأيدي تتفرج؛ فإدانتها الصريحة لهؤلاء المنحرفين الضالين وتبرؤها منهم علنا هو أضعف الإيمان. لكن لنعد إلى مسألة الاضطرابات العقلية. في كل مرة يرتكب أحدهم جريمة نكراء، كما حصل في نيس مثلا، يطلع عليك بعض المثقفين أو أشباه المثقفين لكي يقولوا لك: يا أخي هذا الشخص مجنون. يا أخي لا علاقة للدين بذلك، يا أخي هذه مؤامرة، الخ.. وهم بذلك يريدون صرف الأنظار عن المشكل الأساسي. إنهم يرفضون الاعتراف بالمرض الحقيقي الذي ينخر في أحشاء المجتمعات العربية والإسلامية منذ عقود، بل وقرون: أي منذ أفول العصر الذهبي والدخول في عصر الانحطاط والجمود. ويجن جنونهم إذا ما تحدثت لهم عن إسلام الأنوار، أو عن ضرورة مرور العرب والمسلمين بالمرحلة التنويرية كما حصل للشعوب الأوروبية. كل الثقافة القديمة المهترئة البالية لا تشكل أي مشكلة بالنسبة لهم. كل العفن التاريخي المتراكم لا وجود له في نظرهم. كل الفتاوى التكفيرية التي تدعو علنا إلى ذبح الآخرين على الهوية الطائفية بريئة مما يحصل حاليا في رأيهم. من المسؤول إذن؟ بمثقفين كهؤلاء سنصل إلى حضيض كهذا! لحسن الحظ؛ فإن عبد النور بيدار ليس من هؤلاء الديماغوجيين؛ فهو يقول صراحة ما يلي: «ينبغي على العالم الإسلامي أن يعترف بأن جذور المرض التي تسرق اليوم وجهه موجودة في داخله لا خارجه».
أما الفيلسوف ميشيل أونفري، فيرى أن فرنسا دخلت في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية المقبلة لا محالة. وهي حرب ستخاض بين طرفين اثنين: أتباع النظام الديمقراطي الأنواري من جهة، وأتباع النظام الثيوقراطي الظلامي من جهة أخرى. ونضيف من عندنا: ولكنها لن تكون حربا بين المسلمين ككل من جهة وعددهم خمسة ملايين - والفرنسيين الأصليين ككل من جهة أخرى وعددهم ستون مليون. هذا خطأ قاتل ينبغي تحاشيه بأي شكل. لماذا؟ لأن أتباع الحداثة والأنوار موجودون أيضا داخل الجالية الإسلامية ذاتها، بل وموجودون بكثرة لحسن الحظ. فالنخب العربية والإسلامية المتنورة أصبحت ضخمة في بلاد فولتير وموليير. يضاف إلى ذلك أنه داخل الفرنسيين أنفسهم فإن أعداء الأنوار يشكلون أقلية لا يستهان بها: غلاة اليمين المتطرف. في كل الأحوال، يعترف ميشيل أونفري بأنه سيكون هناك تياران للإسلام في فرنسا: التيار المتزمت الظلامي - والتيار الآخر المضاد له. إسلام الظلمات ضد - إسلام الأنوار؟ ربما. لم لا؟ بل وبالتأكيد. هذا هو أيضا أحد رهانات المستقبل ليس فقط داخل فرنسا، وإنما في العالم العربي أيضا. وهذا هو رأي المفكر الجزائري مالك شبل مؤلف كتاب «من أجل إسلام الأنوار». للأسف توجد في التراث فتاوى تكفيرية وأفكار متطرفة تبرر للدواعش ذبحهم ضحاياهم من الوريد إلى الوريد. وهي فتاوى لبعض شيوخ الظلام مترجمة إلى الفرنسية من قبل جماعات «داعش» وموضوعة على الإنترنت. والذي ذبح الكاهن الفرنسي كان يعتقد أنه يتقرب إلى الله تعالى بذبحه شخصا «كافرا ينجس الأرض بوجوده». في حين أن هذا الكاهن المسكين كان تقيا ورعا، ويفعل الخير من حوله باعتراف الجميع. ولكن لحسن الحظ توجد فتاوى أخرى وآراء رحيمة تمنع ذلك منعا باتا. التراث تراثان يا جماعة! أو وجهان. هذه حقيقة. وابن سينا أو ابن عربي يساوي عندي كل مشايخ التكفير والظلام ماضيا وحاضرا. ولكن المشكلة هي أن الوجه المكفهر لهذا التراث العظيم هو المتغلب منذ نحو الألف سنة: أي منذ إغلاق باب الاجتهاد والدخول في عصر الانحطاط. عدنا إلى المشكلة نفسها، إلى نقطة الصفر.. فما العمل إذن؟ ينبغي أن ينتصر يوما ما إسلام الأنوار على إسلام الظلمات. لا يوجد حل آخر. في الحالة الراهنة للأمور فإن إسلام الإخوان الدواعش هو المنتصر وهو المتغلب على برامج التعليم العربية وعقول الشبيبة الإسلامية، ناهيك عن الفضائيات! وناهيك عن أشباه المثقفين العرب الذين يتواطأون مع التيارات التكفيرية والإخوانية من جهة، ثم يتشدقون بالديمقراطية والحرية وثورات الشعوب من جهة أخرى! ومن قلب باريس عاصمة الأنوار العالمية يعتقدون بأن حيلتهم الواهية هذه يمكن أن تنطلي على الناس. لتسقط الأقنعة إذن! شاهت منهم الوجوه.
أما إمام جامع بوردو الشيخ المستنير طارق أوبرو، فيخترع مصطلحا جديدا هو: اللاهوت الوقائي. فما الذي يقصده بذلك؟ إنه يقصد أنه ينبغي على أئمة الجوامع في فرنسا أن يعرفوا كيف يعظون المسلمين ويثقفونهم ويعلمونهم دينهم بشكل صحيح. ينبغي أن يختاروا الآيات والأحاديث والتفاسير التي تتماشى مع العصر، ومع المجتمع الحديث الذي يعيشون فيه. نحن لم نعد في القرون الوسطى، ولا في عصر السلطنة العثمانية، ولا في أيام حسن البنا والإخوان المسلمين! بمعنى آخر ينبغي نشر ثقافة التسامح والتعايش في الجوامع الفرنسية التي يزيد عددها على الألفين وخمسمائة على الأراضي الفرنسية كافة. باختصار شديد: ينبغي تقديم تفسير جديد لهذا الدين الحنيف، تفسير قادر على تحقيق المصالحة بين الإسلام والحداثة. هذا هو معنى اللاهوت الوقائي أو التفسير الوقائي والأنواري للإسلام. وهو الحل الوحيد لمواجهة الإرهابيين الدواعش الذين يعتمدون على مقولات لاهوتية عتيقة بالية: أي فتاوى قروسطية تكفيرية لا تزال تحكم العالمين العربي والإسلامي كليهما حتى الساعة. بمعنى آخر، فإن المشكل الأساسي اليوم هو: مادة التربية الدينية. إنها أخطر من القنبلة الذرية! فإما أن تخرج أجيالا صالحة وإما طالحة، إما عقلاء مستنيرين وإما ظلاميين تكفيريين، إما نخبا رائعة وإما كاميكاز انتحاريين. ولكم الخيار! وبالتالي، فالمعركة أصبحت داخل الإسلام ذاته. وستكون بين لاهوت قديم ضد لاهوت جديد، أو فقه العصور الوسطى - ضد فقه العصور الحديثة. ثم يضع إمام جامع بوردو الكبير يده على الجرح؛ إذ يحمل الطرف الآخر بعض المسؤولية، ويقول: نتغنى بقيم الجمهورية الفرنسية والعلمانية والديمقراطية والأنوار، ولكن ماذا فعلنا ضد الفقر المدقع الذي يصيب الجالية إلى حد كبير، وكذلك البطالة والعطالة وانسداد الآفاق؟ ماذا فعلنا ضد التهميش والاحتقار والإقصاء؟هل تعتقدون ألا علاقة لذلك بما يحصل؟ على هذه الأرضية المدقعة تنمو الأفكار المتطرفة السوداء وتنتعش الدواعش. أخيرا، ينبغي القول بأن جاليتنا في أغلبيتها الساحقة مسالمة طيبة لا تبحث إلا عن الخير لنفسها وللآخرين. وهي جادة، عاملة، مخلصة، صبورة. من يعرف المغاربة جيدا يفهم ما أقول. ولكن هناك أقلية خرجت من أحشائها وقلبت في الجهة الأخرى: جهة التطرف الديني، بل وحتى الانحراف الخلقي والمخدرات والإجرام. كل الذين ارتكبوا التفجيرات الوحشية الأخيرة في فرنسا لهم سوابق إجرامية قبل أن ينتقلوا إلى صفوف «داعش» ويتبركوا ببركتها.. كلهم دون استثناء.
أخيرا، سأقول ما يلي: من الواضح أن العالم العربي، بل والعالم كله انقسم الآن إلى معسكرين اثنين: معسكر التكفيريين الدمويين الذين ينتمون إلى عصور غابرة منقرضة، ومعسكر الآخرين، كل الآخرين الذين يقبلون بأن يعيشوا بسلام مع بعضهم بعضا على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم. ولن تنتهي هذه القصة قبل انتصار أحد المعسكرين على الآخر بشكل قاطع ونهائي.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.