أنقرة تصرح ببقاء الأسد مؤقتًا وسط خطوات تغييرية في الملف السوري

يلدريم رأى أن دمشق بدأت تدرك الخطر الكردي.. وأن سياستها السابقة سببت لها «المتاعب»

نقطة تفتيش للقوات الكردية في أطراف مدينة الحسكة التي شهدت نزوحاً نتيجة القصف أمس (رويترز)
نقطة تفتيش للقوات الكردية في أطراف مدينة الحسكة التي شهدت نزوحاً نتيجة القصف أمس (رويترز)
TT

أنقرة تصرح ببقاء الأسد مؤقتًا وسط خطوات تغييرية في الملف السوري

نقطة تفتيش للقوات الكردية في أطراف مدينة الحسكة التي شهدت نزوحاً نتيجة القصف أمس (رويترز)
نقطة تفتيش للقوات الكردية في أطراف مدينة الحسكة التي شهدت نزوحاً نتيجة القصف أمس (رويترز)

أعلنت تركيا للمرة الأولى أنها «ستقبل بوجود رئيس النظام السوري بشار الأسد مؤقتًا، لكنه لن يكون له مكان في مستقبل سوريا»، حسبما أكد رئيس الوزراء بن علي يلدريم. وفيما يعد أول إعلان صريح للموقف التركي من الأسد، الذي أثار كثيرا من التساؤلات مع توالي تصريحات المسؤولين الأتراك حول احتمالات التطبيع مع سوريا على غرار التطبيع مع روسيا وإسرائيل، قال يلدريم في لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام المحلية والأجنبية في إسطنبول، أمس السبت، إن تركيا تقبل بأن يبقى الرئيس السوري بشار الأسد «رئيسًا مؤقتًا، لكن لن يكون له دور في القيادة الانتقالية وفي مستقبل البلاد». وأضاف يلدريم أن تركيا ستتمكن بالتعاون مع روسيا وإيران وغيرهما من الدول المعنية بإيجاد حل للأزمة السورية خلال الأشهر الستة المقبلة.
مصادر دبلوماسية كانت قد أكدت لـ«الشرق الأوسط» في التاسع من يوليو (تموز) الماضي أن أنقرة قد تقبل بوجود الأسد لمرحلة مؤقتة تمتد لستة أشهر لكنها لن تقبل بأن يكون طرفا في أي معادلة للحل النهائي في سوريا. وأمس، قال يلدريم في تصريحاته إن «دمشق بدأت تدرك خطر الأكراد» مؤكدا أن بلاده ستضطلع «بدور أكثر فعالية في التعامل مع الأزمة السورية حتى لا تنقسم البلاد». ووصف يلدريم تطلع الأكراد إلى وصل المناطق التي يسيطرون عليها في الجانب الآخر من الحدود التركية بأنه «وضع جديد» و«من الواضح أن النظام السوري فهم أن البنية التي يحاول الأكراد تشكيلها في شمال سوريا بدأت تشكل تهديدا لدمشق أيضا».
وفي هذا السياق، وفق مصادر دبلوماسية ومحللين أتراك التقتهم «الشرق الأوسط»، فإن تصريحات يلدريم بشأن «إدراك دمشق الخطر الكردي» تشير إلى العمليات الجوية التي نفذتها قوات النظام السوري في الحسكة، الخميس، واستهدفت الميليشيات الكردية التي تصنفها تركيا على أنها «تنظيم إرهابي» يشكل امتدادا لمنظمة حزب العمال الكردستاني التي تقاتل ضد الجيش وقوات الأمن التركية في جنوب شرقي تركيا. وتلفت المصادر في حديثها إلى «حدوث أخطاء في السياسة الخارجية لتركيا تجاه الأزمة السرية منذ بدايتها عام 2011».
للعلم، يعد القتال الذي اندلع هذا الأسبوع في الحسكة المقسمة إلى مناطق خاضعة للأكراد وأخرى تابعة للنظام السوري أعنف مواجهة بين الميليشيات الكردية ودمشق منذ اندلاع الحرب قبل خمس سنوات. وتشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية حاليا ركيزة الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، وتسيطر على مساحات من شمال البلاد شكلت فيها الجماعات الكردية إدارتها الخاصة.
وكانت الضربات الجوية على الحسكة أول مرة يرسل فيها جيش النظام السوري طائراته الحربية لضرب جماعات كردية منذ اندلاع الحرب، كما أنها ثاني معركة كبرى بين «وحدات حماية الشعب» وقوات النظام هذا العام، وكان الطرفان قد خاضا معارك دامية على مدى أيام في مدينة القامشلي الحدودية مع تركيا، شمال مدينة الحسكة. وحاليًا تسيطر «وحدات حماية الشعب» على معظم القامشلي أيضا.
على صعيد آخر، لمح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أول من أمس الجمعة، إلى أن تركيا قد تقصف مواقع ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في شمال سوريا إذا اقتضت الضرورة وأنها لن تستأذن أحدا في هذا الأمر. وفي السياق نفسه، قال مراد يشيل طاش، الباحث التركي المتخصص في الشؤون السورية ودول الجوار، لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك «قضايا مشتركة في مقدمتها منع تقسيم سوريا والحيلولة دون إقامة كيان كردي في شمال شرقي سوريا سيعزل تركيا عن جارتها سوريا، ومسألتا أمن الحدود واللاجئين تستوجبان التنسيق بشكل ما أو بآخر بين تركيا وسوريا».
والواضح أن تركيا تخشى الآن من أن يؤدي اكتساب الجماعات المسلحة الكردية في سوريا مزيدًا من القوة إلى تشجيع منظمة حزب العمال الكردستاني، التي استأنفت نشاطها بعد انهيار وقف لإطلاق النار بين المسلحين والحكومة التركية العام الماضي، على محاولة الانفصال بمناطق جنوب شرقي تركيا.
أما فيما يتعلق بأول اعتراف رسمي من الحكومة التركية بخطأ سياستها السابقة تجاه سوريا، فإنه ورد على لسان نائب رئيس الوزراء التركي المتحدث باسم الحكومة التركية، نعمان كورتولموش، الذي قال في لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام المحلية والأكاديميين وممثلي مراكز البحوث التركية، مساء الأربعاء الماضي، نقلت صحيفة «حرييت» ما دار فيه، الجمعة، إذ قال: «إن سياسة أنقرة تجاه سوريا أصبحت مصدرا (لمتاعب كثيرة) تعاني منها تركيا اليوم». وأضاف: «لم تتمكن أي من الدول، بما في ذلك تركيا، من تقديم نهج سياسي سليم من أجل التوصل إلى حل في سوريا. إنني كنت أتحدث عن ذلك منذ سنوات». ثم تابع: «ليتنا تمكنّا من وضع آفاق صالحة للسلام قبل ذلك. ولكن سيتم قريبا التوصل إلى حل يمكن للشعب السوري أن يقبله بدلا من فرض الحل من الخارج. وهناك حاليا عملية جارية من هذا القبيل، وفي هذه المرحلة تزداد العلاقات مع روسيا أهمية».
ولقد أشارت الصحيفة التركية، في مقال لرئيس تحرير نسختها الإنجليزية، مراد يتكين، إلى أن تصريحات كورتولموش هي «الانتقاد الأكثر حدة لسياسة أنقرة تجاه سوريا من جانب ممثلي القيادة التركية العليا منذ اندلاع الأزمة السورية»، ولفتت إلى أن اللقاء الذي أطلق خلاله نائب رئيس الوزراء التركي تصريحاته المفاجئة، لم يكن مخصصا للأزمة السورية، بل كان يتوقع أن يدور الحديث خلاله فقط عن الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها أنقرة بعد الانقلاب الفاشل في منتصف يوليو الماضي.
وتفاعلا مع تصريحات كورتولموش، قال رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، كمال كيليتشدار أوغلو، خلال لقاء مع ممثلي الصحف التركية، أمس في أنقرة: «نحن لا نعترض على هذا التغيير لكن الحكومة ما زالت تواصل سياستها تجاه القضية السورية رغم هذه التصريحات، وهذا يظهر عدم مصداقية الحكومة في هذا الصدد». وأضاف كيليتشدار أوغلو أن المساعدات الإنسانية المقدمة إلى الشعب السوري لا بد أن ترسل عبر الهلال الأحمر التركي. وعلى الحكومة أن تنتهج سياسة الشفافية في هذه المسألة ولا تخاف من فتح صناديق المساعدات ليراها الجميع. في إشارة منه إلى ما سبق أن نشرته صحيفة «جمهوريت» التركية عن ضبط أسلحة متجهة إلى تنظيمات متشددة في تركيا وسط صناديق للمساعدات على طريق أضنة - هطاي (الإسكندرونة) جنوب تركيا في يناير (كانون الثاني) 2014.
وتابع كيليتشدار أوغلو - مكررًا مواقفه السابقة - «عندما أدلينا بالتصريح نفسه كانوا يصنفوننا أنصارًا للأسد. نحن نقول إنه لا بد من تحقيق السلام في سوريا سواء بمشاركة الأسد أو من دونه. والشعب السوري هو من سيقرر ما إن كان الأسد سيستمر في الحكم أم يرحل ويأتي شخص آخر. لكنني أقول بكل أسى إن إرسال الأسلحة إلى بعض الجماعات في سوريا لا يزال مستمرًا وهذا أمر غاية في الخطورة ومحفوف بالمشكلات. لا شك أن على تركيا التراجع عن هذا الأمر. فالحريق مشتعل في دولة مجاورة لنا ونحن نذهب إلى هناك حاملين حاوية بنزين». على حد تعبيره.
في هذه الأثناء، اعتقلت قوات الأمن التركية، أمس السبت، السفير السابق غوركان باليك الذي كان يعد الذراع الأيمن لرئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو أثناء فترة توليه منصب وزير الخارجية. وشغل باليك منصب مستشار رئيس الجمهورية السابق عبد الله غل في أغسطس (آب) عام 2013 بعدما أمضى فترة طويلة برفقة داود أوغلو، حيث كان هو الذراع الأيمن لوزير الخارجية، ثم تولى منصب مستشار رئيس الجمهورية في الفترة بين 2010 - 2012. وربط بعض المحللين بين اعتقال باليك وتصريحات كورتولموش التي ذكر فيها أن تدهور العلاقات مع سوريا ناتجة عن السياسة الخاطئة في القضية السورية، وكان يقصد بها فترة رئاسة داود أوغلو للحكومة ووزارة الخارجية. ولفت أيضا إلى أن ما يسمى منظمة فتح الله غولن أو الكيان الموازي المتهمة من جانب الحكومة بتدبير الانقلاب الفاشل في تركيا منتصف يوليو الماضي «عملت على تخريب علاقات تركيا بدول العالم والدول المجاورة». في الوقت نفسه، أشار نائب رئيس الوزراء التركي نور الدين جانيكلي إلى أن الأيام المقبلة قد تشهد تطورا في العلاقات الاقتصادية بين تركيا وسوريا وأن هذه العلاقات ستتم على الصعيدين الرسمي والشعبي.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.