قاعدة القيارة.. معركة ورسائل

من عهد صدام حسين إلى «هدية» هيلاري كلينتون

قاعدة القيارة.. معركة ورسائل
TT

قاعدة القيارة.. معركة ورسائل

قاعدة القيارة.. معركة ورسائل

على الرغم من تخلي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عن الشأن العراقي بالقياس إلى سلفه جورج بوش، وبالقياس أيضا إلى فترة إدارته الأولى حيث كانت المرشحة الديمقراطية الرئاسية الحالية هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية، فإن الاهتمام الأميركي المتأخر بالشأن العراقي لجهة الحرب على الإرهاب – على وجه الخصوص - بات يرتبط في أذهان الكثيرين بمعركة الموصل. وعلى الرغم من الرمزية الهائلة التي تحتلها هذه المعركة، سواء بالنسبة إلى تنظيم داعش الإرهابي المتطرف كون الموصل عاصمة «الخلافة الإسلامية» المزعومة التي شهد أحد مساجدها الخطبة الأولى لـ«أبو بكر البغدادي» في أول جمعة بعد احتلال الموصل، أو بالنسبة للعراقيين الذين يعدونها آخر معاركهم الكبرى، أو الولايات المتحدة الأميركية التي تريد إدارتها الحالية تقديم رأس «البغدادي» على طبق من ذهب لكلينتون. ويرى مراقبون مطلعون أنه من المؤكد أن يغدو القضاء على زعيم «داعش» هو «الجائزة الأهم» المؤهلة لهيلاري كلينتون للعودة إلى البيت الأبيض بعدما فارقته لمدة عقد ونصف العقد من الزمن حين كانت «سيدة أولى» على امتداد ثماني سنوات في عهد زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
إن مدينة الموصل، التي ظهر في أحد مساجدها «أبو بكر البغدادي» في أول خطبة له بعد احتلالها بيومين وهو يحمل سيفًا في اليد اليسرى وعلى معصمه ساعة غالية الثمن من نوع «رولكس» في اليد اليمنى على طريقة «كبار المتدينين»، باتت المكان المتوقع أن يدفع فيه الثمن.. ولكن من خلال كلمة سر اسمها «القيارة». ثم إنه، على الرغم من وجود قواعد عسكرية أميركية أخرى في العراق (في كل من محافظات الأنبار وصلاح الدين وكركوك) فإن قاعدة القيارة، في ضوء عملية إعادة ترتيب – أو قل رسم – الخرائط في منطقة الشرق الأوسط وسط حالة تقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، تبدو هذه القاعدة بالذات هي الأهم على صعيد هذه الترتيبات الجديدة في العراق والمنطقة. والجدير بالذكر هنا أن المنطقة المجاورة لهذه القاعدة تمثل اليوم مركزًا حيويًا لتنظيم داعش ذلك أنها تقع بين مدينتي تكريت والموصل وفيها آبار نفط ومصفاة متقادمة ومخازن سلاح ومعسكرات وأحياء مأهولة بالسكان.
طبقا لما كشفه سياسي عراقي لـ«الشرق الأوسط» في وقت سابق من هذا العام، فإن الولايات المتحدة الأميركية بدأت بإعادة تأهيل قاعدة القيارة الجوية بشمال غربي العراق من خلال إحالة عدد من المقاولات الخاصة ببناء وتجهيز القاعدة إلى عدد من الشركات الأجنبية، علما بأن الاتفاقات الخاصة بذلك أجريت في مقر السفارة الأميركية في الكويت.
يومذاك أضاف السياسي العراقي المطلع أن «الفرقة الأميركية المجوقلة 101 سوف تستقر في هذه القاعدة الاستراتيجية، وأن الجانب الأميركي أدخل إلى هذه القاعدة معدات تستخدم لأول مرة في الجيش الأميركي».

اهتمام وإعادة تأهيل
وأوضح المسؤول العراقي الرفيع المستوى أن «الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر في اليوم التالي لتحرير القاعدة من سيطرة تنظيم داعش تأتي في سياق الاهتمام الأميركي». وكانت قاعدة القيارة قد بنيت أواخر سبعينات القرن الماضي على أيدي شركات يوغسلافية ضمن مشروع القواعد العملاقة للاستفادة من دروس الحروب العربية مع إسرائيل بين عامي 1967 و1973. وكانت هذه القاعدة لعبت دورًا مهما خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980ـ1988)، إذ كانت تؤوي أسراب طائرات «الميغ» الروسية و«الميراج» الفرنسية.
وتضم القاعدة مدرجين بطول 3505 و3596 مترا، ونحو 33 حظيرة طيران ويحيط بها سياج بقطر 20 كيلومترا مربعا، ومع السياج حزام أخضر من الأشجار يطوّق القاعدة لغرض حجب الرؤية وضمان السرية. وفي حين استخدمت القوات الأميركية قاعدة القيارة عند احتلالها العراق بعد عام 2003 فإنها سلمتها فيما بعد إلى الحكومة العراقية عام 2010 حين بدأ الأميركان يعدون العدة للانسحاب من العراق (أواخر عام 2011). ثم، في يونيو (حزيران) عام 2014 سقطت القيارة بيد تنظيم داعش المتطرف إبان هجومه الواسع في شمال غربي العراق الذي أسفر عن احتلاله الموصل.

أولويات أميركية
واستنادا لهذه الأهمية الاستراتيجية من حيث الموقع والتحصينات الدفاعية التي بنيت القاعدة وفقًا لاعتباراتها منذ نحو أربعة عقود فإن أولويات الاهتمام الاستراتيجي الأميركي بهذه القاعدة، التي تقع في منطقة ذات غالبية سنية مطلقة تقريبا، تسبق أولويات الجانب الحكومي العراقي.
فأولويات الحكومة العراقية برئاسة الدكتور حيدر العبادي تتركز الآن في تحرير الموصل فقط كمحافظة عراقية، في حين يبدو الأمر مختلفا سواء للجانب الأميركي أو الجانب السنّي المتمثل بأهالي تلك المناطق وما باتت تفرزه من زعامات سنّيّة وعشائرية لديها هي الأخرى أولويات. ذلك أن الحكومة العراقية – وفيها ثقل كبير للمكوّن الشعبي – ليست متحمسة لبناء قواعد أميركية في العراق لكنها تغض النظر حاليًا لأسباب يرى المراقبون السياسيون أنها تتمثل في الحاجة إلى الدعم الأميركي لإخراج «داعش».
ثم إن وجود مثل هذه القاعدة يأتي في سياق تقاسم النفوذ بين موسكو وواشنطن، غير أنه بغض نظر إيراني بعدما ضمنت واشنطن لطهران مناطق نفوذ أخرى في العراق، وهذا بالإضافة إلى تراجع الموقف الأميركي (السلبي سابقًا) من مشاركات «الحشد الشعبي» ذي الغالبية الشيعية في المعارك الدائرة حاليًا ضد تنظيم داعش، بما في ذلك معركة الموصل. إذ باتت مشاركة «الحشد الشعبي» اليوم شبه محسومة، والمتوقع أن يكون دوره مشابهًا لدوره في كل من معركتي الرمادي والفلوجة. وهذا يعني أنه سيكون جزءًا من المعركة لكنه قد لا يشارك مباشرة في عملية اقتحام مدينة الموصل التي بدأ أهاليها يشعرون بالخوف والهلع منذ الآن تخوفًا من الحرب القادمة، خصوصًا أن تنظيم داعش بدأ بدوره يحشد أعدادًا كبيرة من مقاتليه فيها.
أما أولوية أهالي الموصل ومحيطها، التي لخصها الزعيم السنّي البارز أسامة النجيفي في حديث أدلى به لـ«الشرق الأوسط» فهي أن يصار إلى إقامة «الأقاليم الفيدرالية لكن على أسس إدارية وليست طائفية». ولقد بيّن النجيفي أنه «يمكن تقسيم محافظة نينوى إلى عدة محافظات ينتظمها إقليم واحد وهو ما ينطبق على محافظات صلاح الدين والأنبار وديالى».

تناقضات في الرؤية
بيد أن أولوية النجيفي تتناقض مع أولويات أخرى لبعض القيادات السنّيّة هناك تعارض هذا التوجه، وهذا ما يلخصه موقف مشعان الجبوري، النائب في البرلمان العراقي عن محافظة صلاح الدين. وللعلم، فإن الجبوري وهو قيادي في «تحالف القوى العراقية» الذي ينتمي إليه أسامة النجيفي نفسه إلا أنه يخالفه في الرؤية والمنهج، وفي تصريحه لـ«الشرق الأوسط» اعتبر أن «الأقاليم الفيدرالية هي وصفة لتقسيم العراق ولن نسمح بها على الإطلاق». وردا على سؤال بأن الدستور العراقي ثبّت الفيدرالية في الكثير من مواده، قال الجبوري إن «الوقت غير مناسب لذلك، حتى لو بدأ الأمر بغطاء دستوري. يضاف إلى ذلك أن هناك مشاريع تقسيم في المنطقة لن نقبل بها، وتركيا التي يؤيدها السيد النجيفي جزء من هذه الترتيبات».
من جانبها، فإن الولايات المتحدة الأميركية التي قررت إرسال 560 جنديًا إلى قاعدة القيارة التي هي الآن قيد الإعداد وصل منهم الأسبوع الماضي 400 جندي، تعد العدة الآن لمعركة الموصل لأن الترتيبات المستقبلية في قاعدة القيارة و«الجائزة الكبرى» لهيلاري كلينتون تتوقف على خطة تحرير الموصل. ومن أجل تطبيق الرؤية الأميركية على أرض الواقع أرسلت واشنطن الكثير من الوفود الرفيعة المستوى إلى بغداد، مثل وزراء الخارجية والدفاع وقائد القيادة المركزية الأميركية والناطق باسم التحالف الدولي ورئيس هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأميركية وذلك بهدف تهيئة كافة الاستعدادات للمعركة الفاصلة.
وهنا تبدو بغداد، على لسان المتحدث الإعلامي بمكتب رئيس الوزراء سعد الحديثي، مهتمة بهذه الرؤية. إذ يقول الحديثي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاهتمام الأميركي في تحرير الموصل يتمثل في مستوى الدعم المتواصل الذي بدأت تقدمه واشنطن للعراق، وهو ما يتضح من خلال ما تجريه الإدارة الأميركية من اتصالات مع رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي تعده واشنطن شريكا رئيسيا لها في مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى أنها تدرك أن العراق بات يمثل الخط الأمامي في المواجهة ضد تنظيم داعش. وبالتالي، فإن هناك طمانة أميركية مستمرة للعراق بالوقوف إلى جانبه في مختلف الجوانب، وهو ما ترك أثره على طبيعة ومستوى الإعداد للمعركة من مختلف جوانبها».

دور القاعدة الاستراتيجي
ومما يستحق الإشارة، أن وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر كان قد أعلن أن الرئيس أوباما سينشر 560 عسكريًا أميركيًا إضافيًا في العراق للمساعدة في تحرير الموصل من تنظيم داعش على أن تكون وجهة هؤلاء الجنود نحو قاعدة القيارة. وطبقا لما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الحسنة الاطلاع فإنه «بهذا العدد الإضافي سيصل مجموع القوات الأميركية في العراق إلى 4647 عسكريًا، ومن ثم سيتم نشر الكثير من هذه القوات في مطار قاعدة القيارة». وأضافت الصحيفة نقلا عن كارتر أن «القادة العسكريين الأميركيين يعتزمون استخدام قاعدة القيارة الجوية كمطار ومنطقة انطلاق لتقديم الدعم اللوجستي للقوات العراقية المتقدمة نحو الموصل، فيما يوجد متخصصون في دعم البنية التحتية، مثل الجسور، التي سيحتاجها العراقيون في الهجوم على الموصل بسبب تدمير (داعش) الكثير منها في المدينة».
أيضًا، في سياق هذه الترتيبات فإن معركة الموصل المتوقع انطلاق صفحتها الرئيسية مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل صرح مصدر مطلع رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط» بأن واشنطن سوف تبدأ باستخدام طائرات الأباتشي المتطورة في معركة الموصل بدءا من شهر سبتمبر المقبل بالإضافة إلى النصيحة التي قدمها الأميركان للقيادة العراقية بالإبقاء «على قضاء الشرقاط محاصرا دون قتال الأمر الذي سوف يجبر عناصر تنظيم داعش الموجودين فيه حاليًا على الهرب، كما أن من شأن ذلك تجنب عمليات النزوح الهائلة التي يمكن أن ترافق العمليات القتالية ما قد يؤخر عملية التقدم نحو الموصل».

مطامح الأكراد والشيعة
أما بالنسبة لمفهومي الاختلاط والتمدد في الموصل شيعيًا وكرديًا، فإنه في الوقت الذي تبدو خطة إيران غير واضحة المعالم، وهي تعتمد على التمدد والتوغل تحت أغطية مختلفة منها حماية أبناء المذهب الشيعي في تلك المناطق ذات الغالبية السنّيّة، فإن الوضع الكردي مختلف حيث يقوم على أساس ما يعتبره «عائدية جغرافية». فالقوميون الأكراد المتشددون يتعاملون مع هذه المناطق على أنها تتبع «إقليمهم» بصرف النظر عن التنوع السكاني فيها، مع العلم أنه يعيش في هذه المناطق الأكراد والعرب والمسلمون والمسيحيون، وبالتالي، فإن الجغرافيا هي التي تحكم العلاقة المستقبلية مع إقليم كردستان في تلك المناطق.
وعلى صعيد آخر، يجمع الخبراء العسكريون والاستراتيجيون على أن قاعدة القيارة ذات أهمية استراتيجية سواء اليوم على صعيد الحرب على «داعش» - وسط التحضيرات الجارية الآن لخوض معركة الموصل الفاصلة والتي لا يمكن كسبها ما لم يتم انطلاق الطائرات منها - أو على صعيد الترتيبات المستقبلية. فبالنسبة لعمليات الطيران فإن الطائرات الحربية التي ستنطلق من القاعدة سوف لن تحتاج إلى إعادة التزود بالوقود نظرا لقرب المسافة. كما أنها يمكن أن تؤدي هدفها بسهولة ويسر على صعيد تكثيف الضربات الجوية التي أثبتت الحرب ضد «داعش» في العراق خلال السنتين الماضيتين أن الطيران كان ولا يزال العامل الحاسم في ترجيح كفة المعركة لدى الجانب العراقي على الرغم من الأهمية القصوى التي ينطوي عليها موضوع السيطرة على الأرض في الحروب.
ولكن في المعارك التي جرت ضد «داعش»، بما في ذلك المعارك التي أمكن فيها استعادة مدن مهمة مثل تكريت والرمادي والفلوجة، فإنه لولا الجهد الجوي خصوصًا جهد طيران التحالف الدولي المتمثل في ضرب أهداف التنظيم من حيث التجمعات والمخازن والأعتدة وقوافل السيارات والدبابات في الصحراء، لما تم تحقيق النصر في معارك لا تستند إلى قواعد الحرب التقليدية التي هي عبارة عن مواجهة بين جيشين.
كذلك، فإن الموقع الذي تحتله القاعدة بين محافظتي صلاح الدين والموصل، خصوصًا في مناطق شمال محافظة صلاح الدين وصولا لمدينة الموصل، سيكون له الدور الأبرز في المعارك المقبلة ضد التنظيم، لا سيما أن القوات الحكومية العراقية تمكنت أخيرا من استعادة ناحية القيارة (16 كم شمال القاعدة) التي تتبع لها القاعدة من الناحية الإدارية.
لهذه الأسباب والعوامل السابقة الذكر كلها جاء السعي الأميركي للسيطرة على هذه القاعدة، ومن ثم إعادة تأهيلها، لكي تضاف إلى قواعدها الأخرى في العراق مثل عين الأسد في الأنبار وبلد في صلاح الدين. وطبعًا يضاف إلى ما تقدم أن السيطرة على هذه القاعدة سيساعد في تمترس القوات البرية وتحصنها داخلها. وبذلك تشكل عقدة عسكرية مهمة ضد التنظيم. وهنا نشير إلى طريقين يربطان القيارة بالموصل: الأول هو طريق بغداد - الموصل وهو طريق سريع باتجاهين، والثاني طريق قديم ذو ممر واحد محاذ لنهر دجلة، وهذا، فضلا عن قربه من بلدة مخمور حيث مقر قيادة عمليات تحرير نينوى.
وبعد استعادة السيطرة على ناحية القيارة بعد نحو شهرين من استعادة قاعدتها الجوية فإنه لم يعد يفصلها عن الموصل سوى ناحيتي الشورة وحمام العليل وما يتبعهما من قرى. والمرتقب أنه لن يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن البعد النفسي سيكون في غاية الأهمية لدى سكان تلك المناطق الذين كانوا قبل سيطرة «داعش» يرتدون «الجينز» ويدخنون السجائر وينصبون «الستلايت» ويستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، وكل هذه أمور حرّمها التنظيم المتطرف بعد فرضه سيطرته على تلك المناطق.
هذا يعني أن عملية التحرير ما عادت ترتبط بالبعد السياسي الملتصق بالسيادة الوطنية بل ترتبط أيضًا بالحريات الشخصية التي كانت متاحة للسكان بلا حدود، والتي سلبها «داعش» أيضًا بلا حدود.. وبمجموعة إجراءات تعسفية ولدت حالة من الاحتقان والاختناق. ما جعل أبناء تلك المناطق يرحبون بأقوى جهاز أمني عراقي كانوا على خلاف عميق معه قبل عام 2014 وهو جهاز مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى ترحيبهم بالأميركان الذين طالما قاوموهم بعد عام 2003 وحتى انسحابهم من العراق عام 2011.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.