وزير الخارجية التركي لـ «الشرق الأوسط»: لن نغير مواقفنا ثمنًا لعلاقتنا مع روسيا

جاويش أوغلو قال لـ «الشرق الأوسط» إن هناك «موجة» معادية للأميركيين.. وإن الشعب يتهم واشنطن بتدبير الانقلاب

وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو
وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو
TT

وزير الخارجية التركي لـ «الشرق الأوسط»: لن نغير مواقفنا ثمنًا لعلاقتنا مع روسيا

وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو
وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو

لا يوجد في تركيا ما يوحي بأجواء «حال الطوارئ» المفروضة في البلاد منذ الانقلاب الفاشل في 15 يوليو (تموز) الماضي. فالشوارع كعادتها تعج بالناس في المدن الكبرى، ومطارات مدنها لا تهدأ، أما رجال الشرطة المنتشرين بكثافة أمام المرافق العامة وفي الساحات الكبرى، فلهم غرض آخر، هو الحماية من الهجمات والتفجيرات التي نالت تركيا نصيبها منها منذ ما قبل الانقلاب الفاشل، بنحو 7 انفجارات كبرى، ما عدا الصغرى التي تواجه قوى الأمن كل يوم في حربها الضروس مع تنظيم «حزب العمال الكردستاني» المعروف اختصارا بـ«بي كي كي».
أما أكثر ما يزعج الوزير فهو كلمة «ولكن» التي يطلقها القادة الغربيون بعد تصريحاتهم المؤيدة للديمقراطية، التي يرى فيها - كغيره من السياسيين الأتراك - اعتداء على الكرامة التركية و«محاولة لإعطاء الدروس» وهو ما يرفضه ليصل إلى حد مواجهة الغربيين الذين يصر على وصفهم بأنهم «أصدقاء»، قائلا لهم «عليكم أن تعرفوا أنكم لستم أسيادنا».
الوزير التركي أصيب كغيره من السياسيين بشظايا ما بعد الانقلاب، ففي مكتبه كان هناك من تبين أنه مع جماعة الداعية المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن الذي تتهمه تركيا بأنه الرأس المدبر للانقلاب وتطالب بتسليمه، فمترجمه الخاص إلى اللغة العربية تبين أنه من أعضاء الجماعة وتم طرده، ما أحدث فراغا في طاقم عمله، ليجري اللقاء بالإنجليزية بدلا من عادة القادة الأتراك بالكلام بلغتهم بوجود مترجم للعربية أو غيرها. أما الرسائل التي فضل الوزير توجيهها عبر حواره مع «الشرق الأوسط» من مقر سكنه في منطقة تشانكايا في إحدى تلال مدينة أنقرة، فهي للولايات المتحدة من جهة، محذرا إياها من وجود «ترند» أو موجة معادية لواشنطن في تركيا، مطالبا بتسليم غولن، دليلا على حسن نية، ودليلا على عدم تورطها بدعم الانقلابيين «كما يعتقد غالبية الأتراك ولا تتبناه الجهات الرسمية»، كما أكد ثوابت السياسة التركية تجاه سوريا، مشيرا إلى أن ذلك لن يكون على حساب تطبيع العلاقات مع روسيا.
* إلى أين تتجه تركيا بعد الانقلاب الفاشل؟
- قبل كل شيء، أود أن أقول: إننا جميعا في تركيا، الشعب والقيادات السياسية، كنا ضد الانقلاب العسكري. وهذا بحد ذاته كان دليل قوة للأمة التركية ورئيسها وشعبها. بالتأكيد سنستمر في محاربة هذا التنظيم الإرهابي الذي نفذ الانقلاب وخطط له، بالإضافة إلى غيره من التنظيمات الإرهابية مثل «داعش» والـ«بي ك ك» (تنظيم حزب العمال الكردستاني المحظور) و«بي واي دي» (حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري) و«واي بي جي» (وحدات حماية الشعب الكردية السورية) وغيرها.
في الوقت الراهن، سنعمل على تمتين الديمقراطية في تركيا، وتركيا ستبقى على المسار الصحيح، وهناك عملية جارية لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها في البلاد، وهناك مصالحة وطنية، حيث نرى أن القوى السياسية التركية موحدة أكثر من أي وقت مضى في مواجهة الانقلابيين. والاختلافات السياسية الصغيرة موجودة؛ لأن هذا هو جوهر الديمقراطية، وهذا هو سبب وجود أحزاب سياسية مختلفة في أي بلد في العالم. وهذه المصالحة الوطنية من شأنها أن تنعكس إيجابا على الوضعين السياسي والاقتصادي في البلاد. نحن نحاول جهدنا أن نعيد تمتين الوضع الاقتصادي الذي لم يتأثر كثيرا بما حصل، سواء عبر الانقلاب، أو بسبب الصراعات الدائرة في المنطقة، ومشكلاتنا الداخلية في محاربة الإرهاب. فعلى الرغم من كل ذلك حققنا نموا اقتصاديا، وسنتخذ الإجراءات لتحقيق المزيد من النمو، وتشجيع الاستثمارات التركية والخارجية.
* الدول الغربية عبرت عن قلقها على الحريات في تركيا نتيجة الإجراءات التي تتخذها الحكومة منذ عملية الانقلاب الفاشلة، فبماذا تردون على هذه الانتقادات؟
- بعد الانقلاب مباشرة، تلقينا اتصالات دعم من بعض الدول الأوروبية، كهولندا وسلوفاكيا التي ترأس الاتحاد الأوروبي من الأمين العام للاتحاد ومن وزير الخارجية البريطاني. لكنني لا أستطيع القول إننا تلقينا دعما كافيا من الدول الأوروبية والغربية. هناك بعض الدعم الظاهري، لكن بعد كلمات الدعم للحرية والديمقراطية، تأتي كلمة «لكن» التي تتضمن انتقادات لتركيا أو التعبير عن مخاوف. بعد عملية إرهابية واحدة في فرنسا، لا تزال البلاد في وضع حالة الطوارئ، أما نحن فقد حصلت لدينا حوادث مماثلة نحو سبع أو ثماني مرات، لكننا لم نفكر في فرض حالة الطوارئ. أما بشأن المتآمرين، فما الذي علينا أن نفعله؟ هل نتركهم في الجيش والقوى الأمنية والجسم القضائي وفي كل إدارات الدولة، بعد أن بنوا كيانا موازيا داخل الدولة. من واجبنا فرض النظام العام، وإلا فإن الشعب لن يسامحنا. لقد دافع الشعب بنفسه عن الديمقراطية وخسرنا حياة 240 شخصا. وهؤلاء المتآمرون هاجموا البرلمان، ولا أريد أن أقلل من شأن العمليات الإرهابية في فرنسا وغيرها، لكن ما فعلوه هنا كان كبيرا وخطيرا. هذه الدولة الموازية هي منظمة إرهابية كانت تتمدد داخل الجيش العسكري، وأرادت أن تصادر صلاحيات حكومة أتت بواسطة العملية الديمقراطية، وأرادت أن تصادر السلطة. ولو نجحوا، لم نكن لنعرف كم شخصا كانوا ليعدموا، أو كم من المجازر ارتكبوا. هم أرادوا اغتيال رئيس الجمهورية، وقد هاجموا الفندق الذي كان ينزل فيه. أصدقاؤنا في أوروبا لا يفهمون ذلك، أو يريدون ألا يفهموا. هم سعداء في أماكنهم، فلم يتعرضوا لانقلابات، وهو لا يهتمون بما يحصل عندنا، ولا بما إذا أطيحت الحكومة أو قتل الرئيس إردوغان، بل لربما كانوا سعداء. إنها بلادنا وعلينا أن نتخذ الإجراءات لحمايتها من هذه الجماعة الإرهابية. وإذا زارنا أصدقاؤنا الغربيون واطلعوا على الوضع، وقدموا النصائح البناءة فهم أكثر من مرحب بهم، لكن يطلقوا تصريحات مماثلة من دون أن يعرفوا حقيقة الواقع على الأرض ويحاولون أن يلقنونا دروسا في الديمقراطية والحرية، أو تهديد تركيا. فهذا غير مرحب به.. وعليهم أن يعرفوا أنهم ليسوا أسيادنا.
* كيف سيؤثر هذا في السياسة الخارجية التركية؟
- سياستنا الخارجية لن تتغير. نحن جزء من أوروبا، حتى لو لم يريدوا قبول ذلك. نحن أعضاء مؤسسون في الكثير من المؤسسات الأوروبية والإقليمية. ونحن جزء من أوروبا. إذا لم يريدوا أن نكون جزءا من الاتحاد الأوروبي فهذه مشكلتهم، لكننا نريد أن نكون متساوين. وأعضاء من الدرجة الأولى من هذه المنظمة (الاتحاد الأوروبي) وليس من الدرجة الثانية، ونحن لن نقبل بذلك. وفي المقابل، سنبذل جهودنا لتمتين علاقاتنا مع جيراننا. علاقاتنا مع روسيا تعود إلى طبيعتها بعدما تأثرت جراء حادثة (إسقاط الطائرة الروسية) ونبذل جهدنا لرفع مستوى العلاقات الأخوية مع دول الخليج والدول الإسلامية. نحن مصممون على تحسين العلاقات مع الكثير من الدول والمنظمات الدولية. فمحاولة الانقلاب لن تؤثر في طريقة إدارتنا لسياستنا الخارجية. بعض أصدقائنا الأوروبيين والغربيين نصحونا بإعادة الأوضاع إلى طبيعتها مع روسيا بعد الحادثة، لكن عندما فعلنا ذلك نجدهم مضطربين. أنا أعرف لماذا، لكنني أواجه صعوبة في فهم المنطق الذي يقف وراء حقيقة موقفهم هذا. على أي حل، لقد اعتدنا على رؤية هذه المعايير المزدوجة.
* كيف رأيتم ردة الفعل العربية على الانقلاب الفاشل؟
- لقد تلقينا دعما قويا من الكثير من الدول العربية، وبالتحديد من المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين. والكثير من الزعماء العرب اتصلوا هاتفيا لاستنكار العملية، وبعضهم زارنا. والملك سلمان بن عبد العزيز كان من أوائل الذين اتصلوا بالرئيس إردوغان، وهذا نقدره عاليا. وتلقيت بدوري اتصالات من الكثير من وزراء الخارجية العرب. لقد تلقينا دعما كاملا من الدول، ومن الشعوب العربية التي عبرت عن تضامنها معنا، وهذا ما قدرناه عاليا.
* لقد سمعنا الكثير من الشائعات عن دور أميركي في الانقلاب؟
- رئيس هذه المنظمة الإرهابية يعيش في الولايات المتحدة منذ زمن طويل. لقد طلبنا من الولايات المتحدة تسليمه، وقد طلب الأميركيون أدلة على ذلك، فقدمنا لهم أدلة وحضرنا ملفات، ونحضر الآن المزيد من الملفات والأدلة التي تثبت ضلوعه في التخطيط للانقلاب. بصفتنا سياسيين، لم نقل أبدا إن الأميركيين دعموا الانقلاب، لكن هذه الفكرة موجودة في قناعة الشعب التركي. هناك الكثير من الشائعات الموجودة في الساحة وفي وسائل التواصل الاجتماعي، لكننا لا نأخذ بهذه الشائعات جديا. الولايات المتحدة تقف وراء الانقلاب...هذه ليست قناعة حكومتي، لكن هذه القناعة ستبقى موجودة لدى الشعب التركي، إلا إذا سلموا غولن للقضاء التركي. ولسوء الحظ هناك «تراند» معاد للأميركيين في تركيا، وعلى الرغم من أني لست سعيدا به، إلا أنه يعبر عن مشاعر الأتراك، وهذا لا يخدم مصالح أحد. وهذا ما نحاول أن نقوله لأصدقائنا الأميركيين، وقد كنت على الهاتف مع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أول من أمس، وقلت له هذا الكلام أيضا الحل الأمثل هو تسليم غولن، وهذا سيكون دليلا على التعاون معنا.
* ماذا لو لم يفعلوا؟
- لا أريد الكلام عن سيناريوهات مختلفة، لكنني أعيد التأكيد على أن علاقاتنا مع الولايات المتحدة ستتأثر بشدة جراء ذلك.
* هل لديكم الانطباع بأنهم سيسلمونه؟
- نرى بعض إشارات التعاون، وهم يرسلون وفودا من وزارة الخارجية ووزارة العدل. وسيكونون هنا في 23 و24 من الشهر الجاري، وسيأتي نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن. وقد قال لي كيري إنه كان يريد أن يحضر شخصيا، لكن يبدو أنهم عادوا فقرروا أن يأتي بايدن أولا. وبعد أن يجهز الملف التركي، قد نزور أنا ووزير العدل التركي واشنطن معا لتقديمه للمسؤولين الأميركيين، وتكرار طلب تسليمه بشكل مباشر. آمل أن تترجم الإشارات بالتعاون إلى أفعال.
* ماذا عن العلاقات مع روسيا؟
- أكثر من سبعة أشهر هي عمر الأزمة في العلاقات مع روسيا، وهي الفترة التي فصلت بين إسقاط الطائرة والمحادثة الهاتفية بين الرئيسين، (التركي) إردوغان والروسي (بوتين). هذه الفترة هي فترة الانقطاع في العلاقات، فقبلها كانت علاقاتنا مع روسيا جيدة، لكننا نمتلك رؤى مختلفة بشأن الوضع السوري، وتحديدا فيما يتعلق برئيس النظام بشار الأسد، وبالجرائم التي ارتكبها النظام. وعلى الرغم من هذا الاختلاف فإننا كنا نمتلك علاقات ثنائية جيدة جدا مع روسيا قائمة على الثقة المتبادلة وعلى التعاون. فروسيا هي شريكنا التجاري الثاني بعد ألمانيا. ونحن نقوم بأفضل ما لدينا من أجل العودة إلى تلك الأيام، وحتى لتعميق هذه العلاقات.
* ما نقاط التقارب؟
- لدينا رؤى مشتركة تتعلق بقضايا المنطقة، ففيما يخص سوريا، نحن متفاهمون على وحدة الأراضي السورية، وعلى أن الحل السياسي هو الحل الأفضل للأزمة السورية، كما نحن متفقون معهم – ومع الكثير من الدول الأخرى – على أهمية الدعم الإنساني والحوار السياسي. للأسف، فإن وقف الأعمال العدائية لم يتحقق. النظام والروس انتهكوه، وما زالوا يقصفون حلب وجوارها، ويستهدفون المعارضة المعتدلة. ونحن طلبنا من روسيا مجددا أن تركز على «داعش» والتنظيمات الإرهابية، وطلبنا منهم العمل على استئناف الجولة الرابعة من المحادثات في جنيف. أما بشأن الأسد، فلدينا موقف مختلف. نحن نعتقد أن الأسد لا بد أن يرحل في أسرع وقت ممكن، وأنه لا يمكن أن تكون هناك عملية انتقالية بوجود الأسد. أعتقد أنهم ما يزالون متمسكين بموقفهم بهذا الشأن، ولهذا أعتقد أنه لا بد من المزيد من الحوار مع روسيا بهذا الشأن. إن الرؤى المختلفة لا يجب أن تكون مشكلة أو عقبة أمام استمرار الحوار والتعاون.
* ما النتائج التي تتوخونها من فريق العمل المشترك حول سوريا مع الروس؟
- لدينا فريق من الاستخبارات والدبلوماسيين والعسكريين. ونحن نناقش التعاون بين مؤسساتنا ووزاراتنا بشأن القضايا المشتركة والقضايا السورية..
* من الصعب فهم كيفية حفاظ تركيا على العلاقات الجيدة مع روسيا، وفي المقابل كل هذا الاختلاف في الشأن السوري..
- إجمالا، يمكن أن تكون هناك وجهات نظر مختلفة مع أي دولة، وهذا يشمل أيضا الحلفاء. نحن نتفق، أو لا نتفق مع الولايات المتحدة على كثير من القضايا، وبالنسبة إلينا هذه ليست مشكلة كبيرة. يمكن أن يكون هناك اختلاف في وجهات النظر مع الدول الصديقة، كما هو حاصل مع الإمارات العربية المتحدة بشأن الملف المصري، والآن نحن نبذل جهدنا من أجل تحسين العلاقات مع الإمارات، على الرغم من الموقف المتباين في شأن الملف المصري، لأننا نقف بالمبدأ ضد الانقلابات، وليس لأننا نقف مع الإخوان المسلمين. ففي تونس دعمنا «النهضة»، لكن لما أتى التحالف الجديد دعمناه أكثر. نحن نعتقد أن الحوار أساسي بين الدول، وهذا ما نعمل عليه في علاقاتنا.
* هل نتوقع تغييرا في سياستكم حيال سوريا بتأثير من العلاقات المتحسنة مع روسيا؟
- نحن نؤيد الانتقال السياسي، ونعتقد أن الحل الأمثل هو الحل السياسيين وهذا لا داعي لتغييره. نحن نعتقد بوحدة الأراضي السورية وبسيادة الدولة على أراضيها، وهذا أيضا لا داعي لتغييره. كنا دائما نطالب بمحاربة التنظيمات المتطرفة على الأرض السورية، ونحن لطالما طالبنا باستراتيجية أفضل لمحاربة هؤلاء ومحاربة فكرهم. أعتقد أنني أفهم من سؤالك هو أنك تريد أن تعرف ما إذا كان موقفنا من الأسد سيتغير، والجواب هو كلا.. كلا. وهنا نحن نتحدث من الجانب العملي، وليس العاطفي أو الشخصي. الأسد قتل أكثر من 600 ألف شخص؛ ولهذا لا نعتقد أن أيا من القوى السورية المعارضة ستقبل ببقائه وحضوره في العملية الانتقالية يمكن أن تتوحد حوله، بمن فيهم منظمة «بي واي دي» التي لديها أجندة مختلفة عن المعارضة السورية...هذا أمر غير ممكن. وعندما أنظر إلى القوى الرئيسية كالسعودية وقطر وغيرهما، أجد أيضا أنهم يطالبون برحيل الأسد. ولهذا كله نحن نصر على أنه لبدء العملية الانتقالية لا بد للأسد من أن يرحل. وإذا كانت أي شخصية أخرى قادرة على إقناع المعارضين السوريين، والدول الأخرى، بأنه يجب أن يبقى في السلطة فهذه قصة أخرى..لكني مجددا أقول إنني لا أرى إمكانية لذلك. لا أعتقد أن أي أحد قادر أن يقنع المعارضة السورية ببقاء الأسد في السلطة، فلهذا السبب هناك حرب أهلية في سوريا منذ نحو ست سنوات.
* السؤال هو متى يجب أن يرحل؟...لقد سمعنا الكثير من التسريبات التي قالت إن تركيا تقبل ببقاء الأسد لفترة قصيرة...ستة أشهر مثلا.
- كلا، لم نقبل بذلك أبدا. فإذا كان (الأسد) موجودا، لن تكون هناك عملية انتقالية. وكيف يمكن أن يكون هناك انتقال شامل؛ فالمعارضة لن تقبل بأن تكون في الحكومة بالتأكيد، ومن دونها لن يكون هناك حل.
* إذن على الأسد أن يرحل فورا..
- نعم عليه أن يرحل فورا، وأن تكون حكومة شاملة لا تستثني أحدا.
* لقد أحدثت التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء التركي حول سوريا الكثير من الالتباس. فهو تحدث عن حلول قريبة وأيام جميلة مقبلة...إلام يستند في كلامه؟
هو كان يعبر عن آماله وتطلعاته حول سوريا التي نريدها، وعن الجهود التي يجب أن نبذلها جميعا من أجل الانتقال السياسي الذي يمكن أن يتم خلال ستة أشهر. هذه الفترة ستكون كافية من أجل تعديل الدستور وإجراء الإصلاحات المطلوبة للانتقال السياسي. هذه التصريحات هي إشارة إلى عزمنا المساهمة في الحل السياسي، وليست إشارة إلى تغيير في موقفنا السياسي. وفي نهاية المطاف الأمر هو بيد السوريين، ونحن يمكن فقط أن ندعم ونساعد.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...