إيران: فضيحة الرواتب تعود للواجهة.. والحكومة تحمل النظام مسؤولية {النووي}

المدعي العام يكشف قائمة 1600 مسؤول مشتبه بتورطهم في فضيحة الفساد

الرئيس الإيراني حسن روحاني برفقة رئيسي القضاء والبرلمان ورئيس مجلس صيانة الدستور أحمد جنتي
الرئيس الإيراني حسن روحاني برفقة رئيسي القضاء والبرلمان ورئيس مجلس صيانة الدستور أحمد جنتي
TT

إيران: فضيحة الرواتب تعود للواجهة.. والحكومة تحمل النظام مسؤولية {النووي}

الرئيس الإيراني حسن روحاني برفقة رئيسي القضاء والبرلمان ورئيس مجلس صيانة الدستور أحمد جنتي
الرئيس الإيراني حسن روحاني برفقة رئيسي القضاء والبرلمان ورئيس مجلس صيانة الدستور أحمد جنتي

بينما كشف المدعي العام الإيراني محمد جعفر منتظري عن تحقيق قضائي يشمل 1600 مسؤول إيراني يشتبه بتورطهم في فضيحة الرواتب الفلكية، رفض مدير مكتب الرئيس الإيراني محمد نهاونديان الانتقادات التي تعرضت لها الحكومة خلال الأسبوع الماضي بسبب توقيع الاتفاق النووي، قائلا إن «الاتفاق النووي من المفاوضات إلى قبوله وتنفيذه وراءه قرار النظام الإيراني».
وقال منتظري أمس إن القائمة تأتي تجاوبا مع مطالب مسؤولين كبار بشأن ملاحقة المتورطين في الفساد الإداري في النظام بعدما تحولت قضية الرواتب إلى قضية رأي عام أحرجت النظام، مؤكدا أن حساسية إزاء الرواتب غير المتعارفة في الشارع الإيراني «دفعت المسؤولين إلى متابعة القضية بجدية» وفق ما نقلت عنه وكالة «إيسنا».
ونوه منتظري إلى أن القضاء الإيراني «يتحمل جزءا من التحقيق» في قضية الرواتب. وهزت فضيحة الرواتب الفلكية البلاد منذ شهر يونيو (حزيران) بعد تسريب مجهولين وثائق تظهر تلقي مسؤولين ورؤساء بنوك رواتب فلكية خارج نطاق القانون. وكانت مخابرات الحرس الثوري قبل أسبوعين أعلنت عن اعتقال مسؤولين كبار أقالتهم حكومة روحاني في وقت سابق بتهم الفساد. وارتبط مكتب روحاني وشقيقه حسين فريدون بالفضيحة بسبب علاقات الوثيقة بثلاثة مسؤولين كبار موقوفين لدى مخابرات الحرس الثوري بتهمة «العضوية في شبكة فساد».
وتعد المرة الثالثة التي يتحدث فيها مسؤول إيراني عن قائمة تشمل مئات المسؤولين للاشتباه في تلقي أموال خارجة على القانون. في هذا الصدد، كشف منتظري عن إجراءات جديدة، موضحا أن السلطة القضائية بصدد تأسيس مجموعة عمل من أجل تحقيق والبحث في ملابسات دفع الرواتب الضخمة. وأوضح أن مجموعة العمل التي بدأت عملها مكونة من ممثلين من الادعاء العام، والمساعد الأول لرئيس القضاء، ومنظمة التفتيش، ومساعد قانوني في القضاء.
واللافت في قضية الرواتب، كثرة التباين في المواقف وتصريحات المسؤولين، في حين أكد أغلبهم خلال الفترة الماضية الشفافية وتقديم تقرير للرأي العام الإيراني الذي يشعر بخيبة أمل متزايدة بعد تفجر فضيحة في وقت يعاني المواطن تراجع مستوى المعيشة وتزايد الفقر في المجتمع. على هذا المنوال، طمأن المدعي العام الإيرانيين أمس بتواصل البحث في القضية بدقة عالية و«إن تطلب فترة زمنية طويلة»، مؤكدا «ملاحقة المجرمين وإعادة الأموال إلى بيت المال».
في نفس الوقت، أكد منتظري أن القضاء تسلم قوائم مختلفة من ديوان المحاسبات ومنظمة التفتيش والوزارات المختلفة، لكنه في الوقت نفسه رفض تأكيد التهمة بحق 1600 وردت أسماؤهم في القوائم.
ففي البداية، قال المتحدث باسم الحكومة محمد رضا نوبخت، إن القائمة تشمل 40 مسؤولا كبيرا، وأعلن لاحقا إقالة 13، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال زيارته منتصف يوليو (تموز) كرمانشاه تورط بين 100 إلى 400 مسؤول رفيع. ولم يختصر التباين على الحكومة إنما امتد إلى جهات فتحت تحقيقا حول الرواتب الفلكية. ففي بداية يوليو تحدث رئيس لجنة المادة 90 البرلمانية (مسؤولة عن الفساد) داود محمدي عن تورط 950 مسؤولا رفيعا في الرواتب.
ومع ذلك، نفى رئيس منظمة التفتيش العام في إيران، ناصر سراج، وجود قائمة تشمل 950 مسؤولا رفيعا متورطا بالفساد، منتقدا وسائل الإعلام لوصف المشتبهين بأوصاف مثل الفاسدين واللصوص. وتعد منظمة التفتيش الجهة الثالثة إلى جانب القضاء واللجنة البرلمانية التي تحقق في الفضيحة قبل إعلان المخابرات الحرس الثوري اعتقال متورطين.
في 19 يوليو الماضي طالب منتظري، وزير العمل الاقتصاد والخزانة علي طيب نيا بتقديم قائمة عن المسؤولين الذين تسلموا الرواتب الفلكية، واعتبرت خطوة القضاء حينها إعلانا رسميا لملاحقة المسؤولين المتورطين بالفضيحة بعدما تبادل الأطراف السياسية في إيران الاتهامات في التباطؤ بمعالجة قضية الرواتب.
وأكد حينئذ منتظري، أن الرواتب الفلكية «أموال باطلة وغير مشروعة يجب إعادتها وفق الموازين الدستورية» وجاء طلبه بعد أسبوعين على أول تعليق للمرشد الأعلى علي خامنئي منذ تسريب الوثائق. وعلى الرغم من محاولات خامنئي التقليل من أهمية الفضيحة فإنه طالب الجهات المسؤولة بالتصدي لـ«الظاهرة». كما أوصى المسؤولين بضرورة «عزل وإقالة وإعادة الأموال الحكومية التي خرجت بطريقة غير مشروعة».
من جانبه، روحاني الذي تحملت حكومته ضغوطا غير مسبوقة جعلت عددا من الوزراء مهددين بسحب الثقة، نفى أن تكون قضية الرواتب الفلكية مختصرة بالحكومة قائلا: إنها تشمل جميع الدوائر والأجهزة في الدولة الإيرانية. خلال هذه الفترة تحولت فضيحة الرواتب إلى دوامة في الأزمة السياسية التي يشهدها الداخل الإيراني مؤخرا، فضلا عن مسؤولين كبار في المؤسسة المالية ووزارة الصحة وشركات الحكومة، حاول روحاني أن يمد ألسنة اللهب التي نالت من حكومته إلى القضاء، وكذلك الحرس الثوري والمؤسسات التابعة للمرشد علي خامنئي.
في هذه الأثناء، ربط تيار روحاني توقيت نشر الوثائق والضغط على الحكومة الذي تزامن العام الأخير لرئاسة روحاني بالانتخابات الرئاسية المقبلة. ويميل أنصار إلى أن الضغوط الحالية تستهدف روحاني على الصعيد الاقتصادي بسبب وعوده الكبيرة المؤجلة بهذا الخصوص، ويتوقع أن يتحول الوضع الاقتصادي في إيران الساحة الأكثر إثارة للجدل في المنافسة الانتخابية.
إلى ذلك، رد رئيس مكتب روحاني، محمد نهاونديان بشدة على موجة الضغط الجديدة التي تتعرض لها الحكومة الإيرانية بشأن الاتفاق النووي، ملقيا بمسؤولية توقيع وتنفيذ الاتفاق النووي على عاتق كبار المسؤولين في النظام، رافضا أن تكون حكومة روحاني الجهة الوحيدة المسؤولة عن الاتفاق النووي، وقال نهاونديان إن «الاتفاق النووي والموافقة عليه وتنفيذه بقرار من النظام».
كثيرون بعد إعلان الاتفاق النووي اعتبروا مواقف خامنئي وتعليقاته غير الصريحة محاولة لإلقاء المسؤولية على عاتق روحاني والفريق المفاوض النووي، ورغم ذلك حاولت حكومة روحاني الأسبوع الماضي طالب عدد من منتقدي روحاني محاكمته بتهمة الخيانة وتوقيع الاتفاق النووي، جاء ذلك على لسان رئيس «مركز دراسات التاريخ ودائرة معارف الثورة الإيرانية» حميد روحاني الذي قارن بين «خيانات روحاني وبني صدر» كما اعتبر اتجاهات روحاني «أخطر من الأعداء الأجانب».
وعلى السياق نفسه، وصف ممثل خامنئي في مشهد أحمد علم الهدى روحاني بالساذج. وكان التلاسن غير المباشر بين خامنئي وروحاني حول منافع وأضرار الاتفاق لإيران السبب في عودة النقاش عن الاتفاق والهجوم على الحكومة.
أول من أمس تناقلت مواقع إيرانية ثالث هجوم من نوعه على روحاني في غضون أسبوع بعدما رد على تصريحات خامنئي التي وصف فيها الاتفاق النووي بـ«تجربة بلا فوائد» لإيران متهما البيت الأبيض التخلي عن وعوده. وقال خطيب جمعة طهران كاظم صديقي خلال مؤتمر في وسط البلاد إن الفريق المفاوض النووي بتوقيع الاتفاق «سمح بدخول المفتشين إلى كل أسرار النظام»، منتقدا التنازل عن برامج الصواريخ والتسلح «الدفاعي».
وجاء تعليق نهاونديان أمس خلال تصريح لوكالة «ايسنا» رافضا اتهام الحكومة في تأخير مكاسب اتفاق فيينا الموقع بين إيران والدول 5+1 في يوليو 2015. وقال نهاونديان، في إشارة إلى خصوم روحاني إن «من عرقل توقيع الاتفاق في البداية لم يكف بعد عن محاولاته لعرقلة تنفيذه». وأضاف، أن الاتفاق النووي «أزال الموانع من طريق الاستثمار في البلاد، لكن المستثمر الداخلي والأجنبي يقدم على الاستثمار فقط في حال الثقة. وتتهم أطراف داخلية سطوة الحرس الثوري ودخول نشاطه الاقتصادي بالوقوف وراء عزوف المستثمرين من ضخ الأموال في سلة الاقتصاد الإيراني الذي يعاني فراغا.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.