الأزمة اليونانية تدخل معركة جديدة مع الدائنين

مع اقتراب الذكرى الأولى لصفقة الإنقاذ

يونانيون أمام الصراف الآلي في مدينة إراكليو اليونانية بعد إعلان تسيبراس إجراء استفتاء (رويترز)
يونانيون أمام الصراف الآلي في مدينة إراكليو اليونانية بعد إعلان تسيبراس إجراء استفتاء (رويترز)
TT

الأزمة اليونانية تدخل معركة جديدة مع الدائنين

يونانيون أمام الصراف الآلي في مدينة إراكليو اليونانية بعد إعلان تسيبراس إجراء استفتاء (رويترز)
يونانيون أمام الصراف الآلي في مدينة إراكليو اليونانية بعد إعلان تسيبراس إجراء استفتاء (رويترز)

في مايو (أيار) من العام الماضي، أرسل الخبير الاقتصادي الأميركي اليساري جيمس غالبريث، رسالة بالبريد الإلكتروني إلى وزير مالية اليونان، يانيس فاراوفاكيس، يرى فيها أن خروج اليونان من منظومة الاتحاد الأوروبي سوف يعود بالفائدة على اليونان.
فمن وجهة نظر غالبريث، الذي عمل فترة مستشارا لفاراوفاكيس، أن استحداث عملة جديدة من شأنه التخلص من ديون العملة القديمة وحل مشكلة القدرة التنافسية لليونان، وفي النهاية سيخلق ما أطلق عليه «مجتمعا جيدا». وعلى الرغم من أن تلك الخطوة لاقت معارضة من أغلب اليونانيين، فإن غالبريث قد أعد خطة طوارئ لليونان يشرف على تنفيذها وزير المالية فاراوفاكيس في حال أجبر الدائنون اليونان على الخروج من منظومة الاتحاد الأوروبي، لكن في النهاية لم نسمع عن «الخروج اليوناني». في نفس الشهر من العام الماضي، وبعد رحيل وزير المالية المزعج عن منصبه، وافقت اليونان على خطة الإنقاذ الثالثة مع أوروبا، وبالفعل قبلت عددا من إجراءات التقشف ثمنًا لجولة جديدة من القروض. وكانت رؤية الاقتصادي غالبريث للمدينة الفاضلة ذات النقابات القوية ومؤسسات الأعمال الصغيرة والتبادل الثقافي قد نشرت في يونيو (حزيران) الماضي، ضمن كتابه الذي حوى عددا من مقالاته وكلماته ومذكراته المتنوعة، والذي صدر عن مطبعة جامعة «يال» بعنوان «مرحبا بالكأس المسمومة»، وتحدث فيه عن الشهور الخمسة التي قضاها بالدائرة المقربة من فاراوفاكيس بوصفه عضوا غير رسمي بفريق عمله.
حوى الكتاب تدقيقا في كل ما قاله وفعله فاراوفاكيس، وتناول فيه مدى الفكر الاقتصادي غير التقليدي، وحتى غير الواقعي، الذي وصل لأرفع مسؤولي الحكومة اليونانية في معركتهم التي خاضوها مع الدائنين الصيف الماضي. ومع اقتراب حلول الذكرى الأولى لصفقة إنقاذ اليونان، طفا على السطح كثير من التقارير والمقالات التي تنتقد وبعنف سياسات صندوق النقد الدولي في أوروبا، إضافة إلى قصة معاناة وعذاب اليونانيين وكفاحهم لتحاشى الوقوع في الإفلاس.
تاريخ اليونان داخل منظومة الاتحاد الأوروبي اقترب من الاكتمال بكل تأكيد، ولا تزال حزمة الإنقاذ المالي قيد الإعداد حاليا. غير أن التقارير تكشف عن عدد من المفاجئات اللاذعة بشأن أزمة شعب تلك الدولة، منها عدد من الأخطاء السياسية الواضحة، والتصرفات الملتبسة، والأجندات الخاصة والمآسي.
استمر ضغط المفاوضات بين اليونان ودائنيها يسير ببطء، في إشارة إلى أن الوصول لاتفاق يسمح لليونان بسداد ديونها من دون خنق اقتصادها، أمر غير وارد في المستقبل القريب.
وقال بولستين، مراسل سابق لصحيفة «واشنطن بوست» ومؤلف كتاب «داخل الأزمة التي هيمنت على أوروبا وصندوق النقد الدولي» المقرر صدوره في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، إن «غبار الحرب يتصاعد هنا بشكل يعوق اتخاذ قرارات سياسية حكيمة»، مضيفا: «ليس هناك أشرار، فقط هناك بعض المتعاركين في ناصية الشارع، وقد أخذوا في إلقاء العلب على قارعة الطريق».
إضافة إلى عمل غالبريث، نشر فاراوفاكيس، وجورج باباكونستانتينو، خلال الأيام الأولى للملحمة البطولية، كتابين أيضًا. ونشر نيك باباندريوس، شقيق رئيس الوزراء اليوناني السابق جورج باباندريوس، مقالا شخصيا لاذعا عن الهجوم الذي شنته الصحافة اليونانية على عائلته، إضافة إلى مجموعة قصائد بعنوان «إجراءات التقشف» التي تناول فيها أزمة بلاده. ومن دون شك، جاء الامتحان الأشمل في بعض الأوراق التي اشتمل عليها تقرير أعده «مكتب التقييم المستقل»، وهو بمثابة المراقب الداخلي لصندوق النقد الدولي. وكشف التقرير كيف أن موظفي صندوق النقد الدولي عملوا خارج القنوات الرسمية، واحتفظوا بأوراق حساسة في ملفات سرية، وحجبوا وثائق هامة عن المراقب الداخلي للصندوق، ولم يطلعوا مجلس إدارة الصندوق عن كل تفاصيل الأزمة.
فبحسب أعضاء مجلس إدارة الصندوق، كانت السرية تسير بشكل عجيب، فأحيانا كانت المعلومات التي تصل إليهم بشأن اليونان من خلال الإعلام أكثر من تلك التي تأتيهم عن طريق العاملين معهم بالصندوق.
ولصندوق النقد الدولي تفويض للقيام بدور المقرض بوصفه ملاذا أخيرا للدول ذات الاقتصاديات الضعيفة. ويوضح تقرير المراقب الداخلي للصندوق، الذي يشرف أيضًا على الأزمة في آيرلندا والبرتغال، مدى الصعوبة التي يواجهها الصندوق لإنجاز مهمته في الدول الأوروبية النامية، على عكس الدول الناشئة التي يعمل فيها الصندوق عادة.
لم يتوقع خبراء الاقتصاد بصندوق النقد الدولي حدوث الأزمة في أوروبا - من انفجار البنوك في إسبانيا وآيرلندا إلى الإفلاس السيادي في اليونان - وذلك بسبب «التفكير الجماعي والجمود الفكري»، وفق التقرير.
يدار صندوق النقد الدولي، على الرغم من كل شيء، بواسطة الأوروبيين، وأغلب كبار مسؤوليه التنفيذيين قدموا من إيطاليا وإسبانيا، وفرنسا، والبرتغال، وجميعهم لديهم ثقة كبيرة في قداسة وقوة اليورو.
فقد أشار المراقب الداخلي للصندوق إلى أنه حتى منتصف عام 2010، عندما وصلت الأزمة اليونانية لذروتها، تقبل خبراء الصندوق ولأول مرة فكرة أن تكون مبالغة الدول الصغيرة في الاقتراض باستخدام اليورو – كما في حالتي اليونان وآيرلندا – قد تتسبب في عدم استقرار لعملة اليورو.
ومرة تلو أخرى، أوضحت عملية المراجعة عدم رغبة الصندوق في تحدي المسؤولين الأوروبيين، وهو ما مثل خللاً مستمرًا في سياساته، الأمر الذي أدى في النهاية إلى القرار المثير للجدل بالموافقة على إقراض اليونان عام 2010، على الرغم من أن الاقتصاديين بالصندوق كانوا على يقين بأن تلك الدولة التي أصبحت على شفا الإفلاس ليس أمامها سوى فرصة ضئيلة للسداد.
وبكلمات صريحة، كتبت سوزان شادلر، مسؤولة سابقة بصندوق النقد الدولي، أن الصندوق كان يتحكم فيه مسؤولون أوروبيون، وأنهم جادلوا بأن عدم إقراض اليونان، أو حتى مطالبتها بإعادة جدولة ديونها، سوف يتسبب في حالة ذعر منظمة في الأسواق.
وفي رد فعل على تقرير المراقب الداخلي للصندوق، اعتبرت كريستين لاغارد، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، ما قام به الصندوق في أوروبا نجاحا مستحقا، مضيفة أن مشكلات اليونان كانت فريدة من نوعها، وأن الحل الأخير هو أن يستمر اليونان داخل منظومة الاتحاد الأوروبي.
لكن للسيدة شادلر رأي آخر، فهي ترى أن القرار والطريقة السرية التي اتُخذ بها قد أضر بسمعة الصندوق. «فبعدم اتباع نهج منفتح وشفاف، تسبب الصندوق في أن يفهم الناس أن قرارا قد اتخذ في أوروبا وفرض عليهم»، بحسب تقرير شادلر.
ويحلل تقرير أعده جورج باباكونستانتينو، وزير المالية اليوناني وقت الأزمة، أسباب موافقة الصندوق على إقراض اليونان عام 2010. نشر باباكونستانتينو مقالاته تحت عنوان «انتهت اللعبة: قصة الأزمة اليونانية من الداخل» كرواية سياسية مثيرة، ويعتبر سرده قيما لمن يريد معرفة «من قال ماذا» في الوقت الذي انقسمت فيه اليونان.
يتمنى الإنسان لو أنه نسي كم كان الوضع المالي لليونان سيئا عندما تولى هذا الوزير منصبه. فعلى سبيل المثال، اعتاد وزير المالية اليوناني إنفاق 35 ألف يورو شهريا لشراء الصحف فقط.
وهناك بعض التفاصيل الأخرى الصغيرة، مثل التحذير الذي تلقاه من جان كلود تريكيت، الذي كان يشغل حينها رئيس البنك المركزي الأوروبي، الذي قال فيه إن إعادة هيكلة ديون اليونان سوف يكون لها نفس تأثير سقوط مؤسسة «ليهام براذرز» على الأسواق الأوروبية.
ويحكي باباكونستانتينو كذلك، كيف أنه كان كبش فداء لعلل اليونان، فقد وُجه له نقد شخصي بسبب إجراءات التقشف وقُدم للمحاكمة لما اتضح لاحقا أنها اتهامات زائفة بسبب معالجته لملفات حساسة تتعلق بدافعي الضرائب اليونانيين.
ويغطي مقال نشره باباندريوس في أبريل (نيسان) الماضي نفس المنظور، وقد نشره بعنوان «ترويض كلاب الحرب» والذي تحدث عنه في مؤتمر صحافي خصص للضغوط التي يمارسها رجال الأعمال والحكومة على الإعلام.
ويحكى باباندريوس كيف أن الصحف اليونانية والتي يسطر عليها رجال أعمال نافذون هاجمته وشقيقه، رئيس الوزراء السابق، وكيف أنهم اتهموه بتكديس الأموال خارج البلاد للدرجة التي دفعته للتفكير في الانتحار.
للسيد فاراوفاكيس أيضًا كتاب تساءل فيه قائلاً: «والضعيف يعاني، ماذا تنتظر؟». ولمن يتوق لما سيقوله عن تجاربه في العراك مع الأوروبيين ومسؤولي صندوق النقد الدولي حول ديون اليونان، فلن تجد ما تنشده في هذا الكتاب.
سوف يحتفي أنصار فاراوفاكيس بانتقاداته النارية لصناع السياسات الاقتصادية من الأوروبيين والأميركان، لكن غيرهم من القراء سيفضلون الانتظار حتى الصيف القادم لحين نشر شهادته في كتاب ليستمتعوا بتفاصيلها ضربة بضربة.
* خدمة «نيويورك تايمز»



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.