تسجيل لمنتظري بعد إعدام الآلاف رميًا بالرصاص: «التاريخ سيقول إن الخميني سفاك ودموي»

انتقد تطرف الحرس الثوري .. وموقعه حذف التسجيل بعد ضغوط المخابرات الإيرانية

المرجع الإيراني حسين علي منتظري (غيتي)
المرجع الإيراني حسين علي منتظري (غيتي)
TT

تسجيل لمنتظري بعد إعدام الآلاف رميًا بالرصاص: «التاريخ سيقول إن الخميني سفاك ودموي»

المرجع الإيراني حسين علي منتظري (غيتي)
المرجع الإيراني حسين علي منتظري (غيتي)

نشر الموقع الرسمي لنائب الخميني المعزول، حسين علي منتظري، تسجيلا صوتيا لانتقادات يوجهها لمسؤولين كبار في القضاء الإيراني خلال أيام تنفيذ إعدامات جماعية رميا بالرصاص شملت آلاف المعارضين في أغسطس (آب) 1998، يحذر فيها من تبعات الإعدامات على «مستقبل الإسلام والنظام وشهادة التاريخ في شخص الخميني» قائلا إن التاريخ سيذكر «الخميني بوصفه شخصا دمويا وسفاكا وفتاكا» كما أن المنفذين سيتعرضون للإدانة بسبب تنفيذ «أكبر جريمة في النظام».
ويعود التسجيل، الذي تبلغ مدته 40 دقيقة، إلى 15 أغسطس 1988، بين المرجع الإيراني منتظري وحاكم الشرع الإيراني، حينها، حسين علي نيري، والمدعي العام مرتضي إشراقي، ومساعد المدعي العام، إبراهيم رئيسي، ووزير العدل في حكومة روحاني (ممثل وزارة المخابرات آنذاك)، مصطفى بور محمدي. ويعرف هذا الرباعي المسؤول عن تنفيذ الإعدامات في إيران بـ«لجنة الموت».
في أثناء الاجتماع يحمل منتظري مخاطبيه(لجنة الموت) مسؤولية تلك الإعدامات، قائلا إنهم ارتكبوا «أكبر الجرائم في تاريخ الثورة الإيرانية» وأضاف أن التاريخ سيذكرهم بين المجرمين كما يوجه انتقادات إلى رئيس القضاء حينذاك عبد الكريم موسوي أردبيلي و«أنصار الإعدامات» بسبب دورهم في تنفيذ الإعدامات «على نطاق واسع». وأوضح التسجيل دور المخابرات الإيرانية، إذ يقول منتظري في تصريحات إنها «كانت تصر على ذلك واستثمرت من أجله»، متهما نجل الخميني، أحمد الخميني، بأنه كان «يسعى منذ أربعة سنوات وراء تنفيذ حكم الإعدام بحق أعضاء منظمة مجاهدين خلق» الإيرانية. وخلال الاجتماع يدافع المسؤولون عن دورهم في الإعدامات بقولهم إن الخميني أصدر أوامر تنفيذها، ويرفض أحد المسؤولين وقف إعدام مائتي سجين سياسي في شهر محرم بسبب نقلهم إلى مكان التنفيذ.
وأثار التسجيل جدلا كبيرا، أمس، بين الإيرانيين كغيره من التصريحات السابقة التي صدرت على لسان المسؤولين الإيرانيين بشأن الإعدامات خلال السنوات الماضية. وكان منتظري، النائب الأول للمرشد الأعلى الأول الخميني بصلاحيات واسعة، وحذف خامنئي المنصب بعد خلافة المرشد الأول. ومن بين لجنة «الموت» يشغل بور محمدي حاليا منصب وزير العدل في حكومة روحاني «المعتدلة» كما تم تداول اسم إبراهيم رئيسي بقوة بصفته مرشحا محتملا يحظى بدعم الحرس الثوري لخلافة المرشد علي خامنئي.
بدورها، قالت المديرة التنفيذية لمؤسسة برومند لحقوق الإنسان، رؤيا برومند لـ«الشرق الأوسط» إنه «إذا ما استندت المحاكم الدولية إلى التسجيل الصوتي بعد التأكد من صحته فإنه سيكون تقدم كبير في التحقيق الدولي وملاحقة المسؤولين في المحاكم الدولية».
وتتابع منظمة «برومند» التي تتخذ من واشنطن مركزا لها منذ سنوات قضية السجناء السياسيين ممن يجهل مصيرهم بعد سنوات من السجن، خصوصا ضحايا الإعدامات في 1988، وأوضحت برومند أن الملف المفتوح منذ سنوات أمام المحاكم الدولية يبحث عن مزيد من الدلائل التي تثبت تورط المسؤولين في النظام الإيراني، مضيفة أن «حتى السنوات القليلة الماضية قبل نشر نتائج تحقيق أعدته مؤسسات حقوق إنسان إيرانية بشأن الإعدامات، تلك الفترة لم يكن مسؤولو الدول الأخرى والمنظمات الدولية على علم بارتكاب جريمة القتل الجماعي التي شملت آلاف السجناء».
ونوهت برومند إلى أن «السلطات في تلك السنوات استغلت أجواء الارتياح في المجاميع الدولية في وقف الحرب بين العراق وإيران لتنفيذ تلك الإعدامات». وفي إشارة إلى تراجع أوضاع حقوق الإنسان في وقت كانت تجري الدول الكبرى مفاوضات نووية مع إيران أعربت برومند عن أملها في أن يواصل المقر الأممي الخاص بحقوق الإنسان في إيران مهامه في السنوات المقبلة. كما طالبت المؤسسات الدولية متابعة ملف إعدامات 1988 لمعرفة مصير جثث آلاف الضحايا.
الجدير بذكره أن محكمة الجنايات الدولية في لاهاي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 اعتبرت إعدامات 1988 جريمة ضد البشرية. واستندت المحكمة في قرارها إلى تقارير منظمات حقوق إنسان إيرانية وخبراء دوليين، من ضمنها تقرير مؤسسة برومند وشهادات من سجناء سياسيين وذوي المفقودين.
يشار إلى أن بعض الأجزاء من الانتقادات وردت في يوميات منتظري إلا أنها المرة الأولى التي تنشر بالتفاصيل وبتسجيل من صوته، وهي ما تعتبر تأكيدا واضحا من كبار المسؤولين في النظام آنذاك بشأن إعدامات ما زالت تطالب جمعيات حقوق الإنسان بتعيين لجنة تقصي حقائق في الأمم المتحدة ومعاقبة المسؤولين عن تنفيذها في ذلك الوقت، وإضافة إلى الخميني الذي كان في منصب ولي الفقيه كان المرشد الإيراني الحالي علي خامنئي يشغل منصب رئيس الجمهورية، كما كان علي أكبر رفسنجاني في منصب رئيس البرلمان، كما كان مير حسين موسوي رئيسا للوزراء.
هذا، وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن إيران نفذت حكم الإعدام رميا بالرصاص في حق ما يقارب ستة آلاف من السجناء السياسيين في فترة زمنية لا تتجاوز 45 يوما بين أغسطس وسبتمبر (أيلول)، في حين يقول منتظري في مذكراته إن العدد يتراوح بين 2800 و3800 سجين سياسي، وبعد كل هذا ما زالت طهران ترفض الإفصاح عن العدد الحقيقي لتلك الأيام التي شهدت أكبر عدد من الإعدامات كما ترفض الكشف عن مصير المعدومين أو مكان دفنهم. لكن المنظمات الحقوقية ترجح أن تكون مناطق في جنوب شرقي طهران يسيطر عليها الحرس الثوري مكان المقابر الجماعية للمعدومين.
وكشف التسجيل عن انتقادات وجهها منتظري إلى السلطة القضائية بعد تنفيذ إعدامات «في وقت كانت إيران تمر بأوضاع هادئة»، معتبرا تصرف القضاء «من دون مبرر»، فضلا عن ذلك، يشير منتظري إلى أن الخميني مطالب بالرد على أسر المعدومين «الذين يطالبون بالكشف عن مصير أبنائهم»، معتبرا تنفيذ تلك الإعدامات «خلافا للشرع». وخلال انتقادات، يذكر منتظري أن تنفيذ آلاف الإعدامات لا يضمن بقاء النظام كما يعتقد بعض المسؤولين، مشددا على أن «وجود بريء واحد بين المعدومين كفيل بهزيمة الثورة».
في هذا السياق، يقول منتظري للمسؤولين أن عدد الاغتيالات والإعدامات تجاوزت في السنوات الأولى من الثورة عدد ما نفذه نظام بهلوي. كما ينوه منتظري خلال اللقاء إلى أنه كتب رسائل إلى الخميني يحذر فيها من تطرف أعضاء الحرس الثوري والمبالغة في مصادرة أموال المعارضين للنظام.
من جانبها، قالت أسرة منتظري أن توقيت نشر التسجيل يأتي نظرا لعودة قضية الإعدامات إلى النقاش في الساحة السياسية الإيرانية وأوضح موقع منتظري الرسمي الذي ينشر التسجيل بعد سنوات طويلة أن «معرفة الحقيقة من حق الشعب الإيراني»، وأضاف أنه «ينشر بحفظ الأمانة ومن دون تدخل». في هذا الصدد، قال نجل منتظري، في تصريح لوسائل الإعلام، إن التسجيل يؤكد ما ورد في مذكرات منتظري من معلومات حول الإعدامات، كما أنه «بمثابة رد من أسرة منتظري على المؤرخين»، في إشارة إلى ما يعتبره أنصاره «تشويه صورته وتوجيه التهم الباطلة من قبل أجهزة النظام»، وأضاف أن مناقشة الإعدامات في الساحة الدولية والبحث عن الدلائل والمستندات حول ملابسات الإعدامات الجماعية شجعت على نشر التسجيل الذي يعتبر وثيقة مهمة حول مسؤولية النظام عن تنفيذها في 1988.
بعد ساعات من نشر التسجيل، قال نجل منتظري، أحمد منتظري، أمس، عبر حسابه في شبكة تيليغرام، إن دائرة المخابرات في قم طلبت منه حذف التسجيل، مهددة إياه بملاحقة قضائية بسبب نشره قبل أن يختفي التسجيل من الموقع في وقت لاحق. وعقب حذف التسجيل نقل موقع «زيتون» المقرب من منتظري أن المخابرات تمارس ضغوطا على أسرة المرجع الإيراني لنفي صحة انتساب التسجيل إلى منتظري. في المقابل، انتقد مكتب الخميني نشر التسجيل واعتبره استهدافا لسمعة الخميني، وفقا ما نقل موقع «جماران»، المنبر الإعلامي الناطق باسم مكتبه، معتبرا نشر التسجيل من أسرة منتظري «محاولة لإحياء منظمة مجاهدين خلق».
وكان الخميني في 1988 عزل منتظري من منصب نائبه الأول بسبب معارضته الإعدامات وسياسات أخرى في النظام الإيراني. يشار إلى أن منتظري أبرز من اقترح تبني النظام فكرة «ولاية الفقيه» والاعتراف بها دستوريا كأساس للنظام في 1979. وعاش منتظري سنواته الأخيرة من حياته 1997 تحت الإقامة الجبرية بأوامر من خامنئي. وفي 2009 قبل شهور من وفاته، أصدر منتظري فتوى ضد قمع المحتجين على الانتخابات الرئاسية.
في سبتمبر 2015 دافع وزير العدل الإيراني، مصطفي بور محمدي، عن الإعدامات وقال إنها استهدفت مجموعات حاولت «الإطاحة بالثورة لأغراض انفصالية». وقال بور محمدي، خلال تصريحات حذفتها المواقع الرسمية بعد ساعات من نشرها آنذاك، إن الإعدامات «لم تكن بمعزل عن أحداث حرب الخليج الأولى». وكانت الإعدامات استهدفت معارضين سياسيين أبرزهم أعضاء في الأحزاب الكردية والمعارضة الإيرانية (مجاهدين خلق).



مقتل 14 عنصراً من «الحرس الثوري» الإيراني جراء انفجار بقايا قنابل

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)
TT

مقتل 14 عنصراً من «الحرس الثوري» الإيراني جراء انفجار بقايا قنابل

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)

قُتل 14 جندياً إيرانياً، خلال عمليات تفكيك ذخائر غير منفجرة في محافظة زنجان بشمال غربي إيران، وفق ما أفادت وسائل إعلام محلية، الجمعة.

ونقلت وكالة «فارس» عن «الحرس الثوري» قوله: «عقب غارات جوية للعدو باستخدام قنابل عنقودية وألغام جوية، تلوّثت أجزاء من محافظة زنجان، بما في ذلك نحو 1200 هكتار من الأراضي الزراعية، بالقنابل».

وأضافت أن خبراء من «الحرس الثوري» كانوا يعملون على تنظيف هذه المناطق، وتمكّنوا من إبطال مفعول أكثر من 15 ألف قطعة ذخيرة.

وأشارت إلى أنه «خلال إحدى هذه المهمات، اليوم، استُشهد 14 وأُصيب اثنان بجروح».

واتهمت إيران، في وقت سابق، الولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام ذخائر عنقودية، وهي قنابل تنفجر في الجو وتُطلق ذخائر صغيرة قد لا ينفجر بعضها، ما يخلّف خطراً قد يستمر لعقود.

في المقابل، اتهمت إسرائيل إيران باستخدام هذا النوع من الذخائر في ضرباتها الصاروخية على مدن إسرائيلية.

ولم تنضمّ إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى أكثر من 100 دولة وقّعت اتفاقية عام 2008 تحظر استخدام الذخائر العنقودية ونقلها وإنتاجها وتخزينها.


خيارات ترمب بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً: اختبار دستوري وصراع مستمر

ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

خيارات ترمب بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً: اختبار دستوري وصراع مستمر

ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دخلت المواجهة الأميركية - الإيرانية مرحلة أكثر التباساً من الحرب نفسها. فبعد أكثر من شهرين على الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، لم يعد السؤال في واشنطن مقتصراً على ما إذا كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب قادرة على فرض شروطها على طهران، بل بات يشمل أيضاً ما إذا كانت قادرة على مواصلة الضغط العسكري والبحري من دون تفويض جديد من الكونغرس.

فمهلة الستين يوماً التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب، تحولت إلى اختبار دستوري وسياسي، بينما تحاول الإدارة تقديم وقف إطلاق النار باعتباره فاصلاً قانونياً يوقف العدّاد، أو نهاية لمرحلة قتالية يمكن بعدها إطلاق عملية جديدة باسم آخر.

لكن محللين يرون أن هذا التخريج لا يلغي جوهر الأزمة: الحرب لم تنته سياسياً، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً أو معطلاً، والحصار البحري مستمر، والمفاوضات لا تتقدم. وبين من يرى أن النظام الإيراني لن يتراجع إلا بضربة عسكرية جديدة، ومن يعتقد أن ترمب فقد اهتمامه بالحرب ويفضل خنق طهران اقتصادياً بعيداً عن العناوين اليومية، تبدو الخيارات الأميركية مفتوحة على 3 مسارات: إعادة تسمية العملية، تثبيت الحصار، أو استئناف الضربات.

وقف النار كحيلة قانونية

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تقول إدارة ترمب إن وقف إطلاق النار الذي بدأ في 7 أبريل (نيسان)، ثم جرى تمديده، يعني عملياً أن الأعمال القتالية التي بدأت في 28 فبراير قد انتهت. وبذلك، لا ترى الإدارة نفسها ملزمة بطلب تفويض فوري من الكونغرس أو بتقديم مبررات لتمديد العمليات 30 يوماً إضافية.

وزير الحرب بيت هيغسيث، ذهب أبعد من ذلك، حين قال أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ إن فهمه هو أن وقف إطلاق النار «يوقف أو يعلّق» ساعة الستين يوماً.

هذا الطرح أثار اعتراضاً حاداً من الديمقراطيين وتشكيكاً من بعض الجمهوريين. فالمسألة، في نظر المعارضين، ليست ما إذا كانت القنابل تسقط يومياً، بل ما إذا كانت القوات الأميركية لا تزال منخرطة في أعمال عدائية.

والحصار البحري، وفق القانون الدولي، عمل حربي. لذلك اعتبر السيناتور الديمقراطي تيم كين، أن وقف إطلاق النار لا يعني غياب الأعمال العدائية، ما دامت البحرية الأميركية تمنع السفن من دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها.

أما السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي انضمت إلى جهود تقييد صلاحيات ترمب، فشددت على أن مهلة الستين يوماً «ليست اقتراحاً، بل مطلباً».

إزاء ذلك، يبدو أن البيت الأبيض لا يريد مواجهة تصويت صريح على الحرب، لكنه لا يريد أيضاً أن يظهر كمن تراجع. ولذلك يحاول تحويل النزاع من حرب مفتوحة إلى عملية ضغط مستمرة، بما يسمح له بالقول إن المرحلة الأولى انتهت، من دون أن يتخلى عن أدوات القوة.

تسمية جديدة

رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين في جلسة استماع بالكونغرس 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أحد الخيارات المطروحة داخل الدوائر الجمهورية هو إطلاق عملية جديدة باسم جديد، منفصلة عن «الغضب الملحمي»، بحسب ريتشارد غولدبيرغ، الذي شغل منصب مدير مكافحة أسلحة الدمار الشامل الإيرانية في مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترمب الأولى.

الفكرة هنا ليست شكلية فقط، فإذا أعلنت الإدارة أن الحرب الأولى انتهت بوقف إطلاق النار، فيمكنها أن تقدم أي تحرك لاحق باعتباره مهمة جديدة لـ«الدفاع عن النفس» أو لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، لا استمراراً للحرب السابقة.

يقول مراقبون إن هذا المسار يمنح ترمب مساحة مناورة قانونية وسياسية. فهو يستطيع القول إن الهدف لم يعد إسقاط القدرات الإيرانية أو فرض استسلام نووي شامل، بل فتح ممر دولي حيوي ومنع طهران من ابتزاز سوق الطاقة العالمية.

لكن هذا الطرح يحمل أخطاراً واضحة: الكونغرس قد يرى في تغيير الاسم محاولة التفاف على قانون صلاحيات الحرب، لا تحولاً حقيقياً في طبيعة المهمة. فإذا كان الحصار مستمراً، وإذا كانت القوات الأميركية تشتبك أو تستعد للاشتباك، فإن تغيير اللافتة لا يغير مضمون الصراع.

مع ذلك، يرى هؤلاء أن البيت الأبيض قد يجد في هذه الصيغة مخرجاً مناسباً. فهي تسمح بتهدئة الجبهة القانونية مؤقتاً، وتخفف الضغط على الجمهوريين المترددين، وتمنح الإدارة فرصة لإعادة تعريف أهدافها بعد أن تبين أن الحرب السريعة لم تنتج استسلاماً إيرانياً، ولا فتحت هرمز، ولا أسقطت النظام.

الحصار بحراً أقل كلفة سياسياً

السفينة الأميركية القتالية «غابرييل غيفوردز» (أرشيفية - أ.ب)

الخيار الأكثر انسجاماً مع ترمب هو الحصار. فالرئيس الأميركي طالما فضّل أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات والخنق المالي، على الحروب الطويلة ذات الكلفة البشرية والسياسية. وهنا يكتسب تعليق باراك بارفي، الباحث في معهد «نيو أميركا» أهمية خاصة.

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «عندما تصمت المدافع لفترة طويلة يصبح من الصعب إحياؤها. ترمب لا يزيد القوات، بل يسرّحها. لقد فقد الاهتمام بالحرب. لكنه وجد عصا يضرب بها إيران في شكل الحصار. خنق خصومه اقتصادياً أكثر جاذبية من قصفهم، وينقل الصراع خارج العناوين».

هذا التقدير يضيء جانباً مهماً في تفكير الإدارة؛ فالحصار يضغط على إيران يومياً، ويكلفها مئات ملايين الدولارات، ويمنح ترمب ورقة تفاوضية، من دون أن يفرض عليه الظهور كرئيس ينزلق إلى حرب شرق أوسطية جديدة. كما أنه يسمح له بالقول إنه لا يشن حرباً، بل يحمي حرية الملاحة ويمنع إيران من إعادة بناء قوتها.

لكن الحصار وحده قد لا يكفي؛ فالنظام الإيراني أثبت في تجارب سابقة قدرته على تحمّل كلفة اقتصادية عالية إذا كان بقاؤه السياسي على المحك. كما أن إطالة الحصار قد تضرب الاقتصاد العالمي، وتبقي أسعار الطاقة تحت الضغط، وتزيد غضب الحلفاء إذا فشلت واشنطن في فتح هرمز.

وهنا يصبح الحصار أداة استنزاف مزدوجة: يرهق إيران، لكنه يرهق أيضاً الإدارة الأميركية إذا لم ينتج تسوية.

العودة إلى الضربات

مشهد للأضرار التي لحقت بمبنى سكني إثر تعرضه لقصف في طهران 29 مارس (د.ب.أ)

لذلك، يدفع بعض الصقور في الإدارة الأميركية نحو استئناف العمليات العسكرية، وحجتهم أن النظام الإيراني لا يتفاوض تحت الضغط الاقتصادي فقط، وأن الحصار لا يهدد بقاءه بما يكفي.

ووفق مارك ثيسن، كبير كتّاب الخطابات الأسبق للرئيس جورج دبليو بوش، تحتاج واشنطن إلى «جولة أخيرة» من الضربات تستهدف من تبقى من القيادة العسكرية والقدرات الصاروخية والبحرية، قبل إعادة فتح مضيق هرمز من موقع قوة.

ويرى محللون أن هذا الطرح يبدو جذاباً لمن يريد «نصراً حاسماً»، لكنه محفوف بالأخطار. فإذا استأنف ترمب الضربات من دون تفويض واضح، فسيعمّق الأزمة الدستورية مع الكونغرس. وإذا ردت إيران باستهداف منشآت الطاقة في الخليج أو القوات الأميركية، فقد تتوسع الحرب مجدداً.

وإذا فشلت الضربات في إجبار طهران على التراجع، فستجد الإدارة نفسها أمام حرب أطول مما وعدت به، وكلفة مالية وسياسية أكبر.

لذلك قد يكون الخيار المرجح مزيجاً من المسارات الثلاثة: إعلان قانوني بانتهاء الأعمال القتالية الأولى، إطلاق مهمة جديدة لحماية الملاحة، وتوسيع الحصار مع إبقاء التهديد العسكري قائماً.

وبهذا يستطيع ترمب تجنب تفويض صعب في الكونغرس، ومواصلة الضغط على إيران، والحفاظ على صورة الرئيس الذي لم يتراجع.


حرب إيران... بين التصعيد وطاولة التفاوض

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

حرب إيران... بين التصعيد وطاولة التفاوض

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران، يوم الجمعة، فيما يتواصل التصعيد على الأرض في ظل الحشود العسكرية واستمرار الحصار البحري وإغلاق مضيق هرمز.

وقالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا): «قدّمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، مساء الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية». كما أشارت مصادر إلى وجود مؤشرات على تقدم المفاوضات رغم استمرار حالة الغموض.

وأفاد موقع «أكسيوس» بأن إيران سلّمت الوسطاء في باكستان مقترحاً جديداً لعرضه على واشنطن. كما نقلت شبكة «سي إن إن» الأميركية عن مصادر باكستانية، أن إيران قدّمت مقترحاً معدلاً للسلام، موضحة أن الوسطاء الباكستانيين طلبوا من إيران مقترحاً جديداً بعدما رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب المقترح السابق الذي ركّز على فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري، وتأجيل قضية النووي إلى مرحلة لاحقة.

من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن باكستان ستبقى الوسيط الرسمي للمحادثات مع أميركا. وأضاف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أنه من غير الواقعي توقع نتائج سريعة من المحادثات، مشيراً إلى أن طهران تسعى إلى الوصول إلى مسار يمكن من خلاله «التأكيد على انتهاء خطر الحرب بشكل كامل».

ترمب: إيران تريد اتفاقاً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب على أسئلة الصحافة خلال حفل توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وفي واشنطن، أكد الرئيس الأميركي أن «إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق» مع الولايات المتحدة، معتبراً أن «الإيرانيين يتفاوضون من موقف ضعف، وأن القيادة الإيرانية في وضع سيئ للغاية». وقال ترمب لصحافيين في البيت الأبيض إن «الحصار على إيران يخنقها... فهي لا تجني أي أموال من النفط نتيجة الحصار، وإن الاقتصاد الإيراني ينهار».

وأضاف ترمب: «لدينا مشكلة لأنه لا أحد يعرف من هم القادة في إيران... نحن نتعامل مع الصف الثالث في طهران بعد مقتل قادة الصفين الأول والثاني. أنا وعدد قليل من يعلم تفاصيل المحادثات مع إيران».

وفي مقابلة مع «نيوز ماكس»، أكد ترمب أن بلاده انتصرت بالفعل في إيران، لكنها تريد الفوز بفارق كبير، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن المكاسب العسكرية غير كافية وحدها، وأنه يجب الحصول على ضمانات من طهران بعدم امتلاك النووي أبداً. كما جدد الرئيس الأميركي التأكيد على أن إيران باتت ضعيفة للغاية عسكرياً واقتصادياً، وستحتاج نحو 20 عاماً لإعادة البناء.

خطط عسكرية طموحة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

وبالموازاة، قال مسؤولان أميركيان لموقع «أكسيوس» إن الرئيس الأميركي تلقى إحاطة حول خطط عسكرية جديدة ضد إيران. وأوضح المسؤولان أن قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة قدّما لترمب لمدة 45 دقيقة، تفاصيل عن الخطط الجديدة المحتملة لعمليات في إيران.

ومع انتهاء مهلة الستين يوماً التي حددها البيت الأبيض، كشفت تقارير مطلعة عن عزم إدارة الرئيس ترمب المضي قدماً في خطة عسكرية واقتصادية طموحة لتوسيع نطاق الحصار البحري في منطقة الخليج، في خطوة تهدف إلى ممارسة «الألم الأقصى» لإجبار طهران على قبول شروط وقف إطلاق النار، وفقاً لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

وتتمحور الاستراتيجية الجديدة حول تحويل «الاعتراض الجزئي» للسفن إلى إغلاق تام ومستدام «لمضيق هرمز أمام الملاحة الإيرانية، مع التركيز على توسيع نطاق الحظر الذي لن يقتصر على ناقلات النفط فحسب، بل تشير الخطط إلى نية واشنطن اعتراض كافة السفن التجارية المتجهة من الموانئ الإيرانية وإليها، لضمان قطع شريان الإمدادات بالكامل.

من جهة أخرى، أعلن رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي، يوم الجمعة، أن طهران لا تزال منفتحة على إجراء محادثات مع الولايات المتحدة، لكنها لن تقبل أن «تملى» عليها سياسات تحت التهديد. وقال إيجئي في مقطع فيديو نشره موقع ميزان، التابع للسلطة القضائية: «لم تتهرب الجمهورية الإسلامية قط من المفاوضات... لكننا قطعاً لا نقبل الإملاءات». وأضاف: «نحن لا نريد الحرب بأي شكل من الأشكال. لا نريد الحرب، ولا نريد استمرارها»، لكنه شدّد على أن إيران «ليست مستعدة على الإطلاق للتخلي عن مبادئها وقيمها في مواجهة هذا العدو الخبيث من أجل تجنب الحرب أو منع استمرارها».

وشدّد محسني إيجئي على أن الولايات المتحدة لم تحقق «أي شيء» خلال الحرب، مضيفاً أن طهران لن «تتنازل» في المفاوضات. وأتى موقف رئيس السلطة القضائية غداة الرسالة التي كتبها المرشد مجتبى خامنئي، التي قال فيها إن الولايات المتحدة تكبدت «هزيمة مخزية» في الحرب. وأضاف خامنئي أن القدرات «النووية والصاروخية» للجمهورية الإسلامية تشكل «ثروة وطنية يجب حمايتها».

التخلي عن «الشروط العشرية»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

وتراهن واشنطن على أن توسيع الحصار سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من البنية التحتية التجارية الإيرانية، خاصة في ظل انقطاع الاتصالات والأزمات الاقتصادية الداخلية، ما سيجعل طهران مضطرة للتخلي عن شروطها في «الخطة العشرية» التي قدّمتها إلى واشنطن في جولة المفاوضات السابقة، وقبول المطالب الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي والنشاط الإقليمي.

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.

في الأثناء، أعلن مسؤول كبير ​في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت متأخر من مساء ‌الخميس، ​أن ‌الأعمال القتالية ⁠بين ​الولايات المتحدة ⁠وإيران، التي بدأت في فبراير قد «انتهت»، وذلك ⁠لأسباب تتعلق بقانون ‌صلاحيات ‌الحرب. وقال المسؤول، شارحاً وجهة نظر الإدارة: «فيما يتعلق بقانون صلاحيات الحرب، فإن الأعمال ‌القتالية التي ‌بدأت يوم السبت 28 فبراير قد ​انتهت».

مسيرات فوق إيران

دخان قصف يتصاعد في سماء طهران يوم الأول من أبريل (أ.ف.ب)

قالت السلطات الإيرانية إن أنظمة دفاعها الجوي تصدّت، فوق العاصمة طهران، مساء الخميس لمسيّرات وطائرات صغيرة لم يُعلن عن مصدرها، وذلك عشية انتهاء مهلة الستين يوماً التي يتوجّب بعدها نظرياً أن يطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تفويضاً من الكونغرس لمواصلة الحرب.

وقال وكالتا «تسنيم» و«فارس» الإيرانيتان إن «أصوات الدفاع الجوي توقفت بعد نحو 20 دقيقة من التصدي لأجسام جوية صغيرة».

من جهة أخرى، أفاد مسؤول أميركي ومصادر مطلعة بأن إيران تستغل وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة لإخراج أسلحتها المخبأة. وذكرت المصادر أن النظام كثّف جهوده لاستخراج الصواريخ والذخائر الأخرى التي كان قد أخفاها تحت الأرض، أو تلك التي طمرت تحت الأنقاض جراء الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، وفقاً لما ذكرت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية. وتعتقد الولايات المتحدة أن النظام يسعى لإعادة بناء قدراته في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ سريعاً، ليكون مستعداً لشن هجمات في أنحاء الشرق الأوسط في حال قرّر الرئيس ترمب استئناف العمليات العسكرية.

وكان وزير الدفاع الأميركي، بيت هيجسيث، قد قال في وقت سابق، إن لدى واشنطن مؤشرات على محاولات إيرانية لترميم قدراتها العسكرية، موجهاً حديثه لطهران من البنتاغون: «نحن نعلم ما هي الأصول العسكرية التي تنقلونها، وإلى أين تنقلونها».