كيري في الرباط: سنجري تقييما لمفاوضات السلام وبحث «ما هو ممكن»

التقى الملك محمد السادس وأكد أن واشنطن لن تفرض على المغرب شيئا لا يريده

العاهل المغربي الملك محمد السادس لدى استقباله جون كيري في الدار البيضاء امس (ماب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس لدى استقباله جون كيري في الدار البيضاء امس (ماب)
TT

كيري في الرباط: سنجري تقييما لمفاوضات السلام وبحث «ما هو ممكن»

العاهل المغربي الملك محمد السادس لدى استقباله جون كيري في الدار البيضاء امس (ماب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس لدى استقباله جون كيري في الدار البيضاء امس (ماب)

استقبل العاهل المغربي الملك محمد السادس أمس بالقصر الملكي في الدار البيضاء، جون كيري وزير الخارجية الأميركي، وذلك عقب ترؤسه، رفقة نظيره المغربي صلاح الدين مزوار، الدورة الثانية للحوار الاستراتيجي بين البلدين التي عقدت أمس في الرباط.
وأفاد بيان للديوان الملكي بأن زيارة كيري للمغرب تندرج في إطار الرئاسة المشتركة لأشغال الدورة الثانية لـ«الحوار الاستراتيجي» بين البلدين الذي يعد شقا مهما من الشراكة الاستراتيجية الاستثنائية التي تربط بين البلدين. كما تندرج هذه الزيارة أيضا في إطار تتبع مسار الزيارة الملكية لواشنطن، والمبادرات المكثفة والمتنوعة التي جرى تبنيها، بهذه المناسبة، بين الملك محمد السادس والرئيس باراك أوباما.
وأوضح البيان ذاته أن العاهل المغربي أكد خلاله لقائه رئيس الدبلوماسية الأميركية تشبثه العميق بهذه الشراكة الاستراتيجية، عادًّا إياها نتاج تحالف عريق ومتعدد الأبعاد مع الولايات المتحدة، التي تستمد عمقها من الثقة والتضامن والقيم المشتركة، ومن الترابط والدفاع عن المصالح المشتركة، وهي شراكة تمكنت من التأقلم والتطور والتجدد من أجل الاستجابة لانتظارات البلدين، ومواكبة تحولات السياق الإقليمي والدولي.
وذكر البيان أن كيري أشار إلى أن الزيارة الملكية لواشنطن، يوم 22 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مكنت من فتح آفاق جديدة للارتقاء بهذه الشراكة الاستراتيجية، وذلك بإغناء أجندتها بشكل جوهري، وفتح آفاق أكثر طموحا أمامها.
ودعا البيان المشترك، الذي جرى اعتماده بمناسبة زيارة كيري، إلى التشاور بشأن القضايا الاستراتيجية، وتسطير سبل جديدة للتعاون، وتكييف الآليات القائمة وتطوير أخرى متنوعة، مع تكريس المكتسبات وترسيخ أسس التحالف التاريخي بين المغرب والولايات المتحدة.
من جهة أخرى، ذكر الملك محمد السادس أن السياق الإقليمي والدولي الراهن يعزز صواب وعمق هذه الشراكة، المدعوة إلى التوسع والمساهمة في الاستقرار والأمن المستدام، والازدهار الاقتصادي المشترك والتنمية البشرية للقارة الأفريقية.
بدوره، جدد كيري تشبث الرئيس أوباما بتعميق الشراكة الاستراتيجية المتفردة مع المملكة المغربية، كما أكد حرص الولايات المتحدة على مواصلة العمل مع المغرب، من أجل تعزيز السلام والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وفيما يتعلق بالقارة الأفريقية، ثمن كيري الالتزام القوي والدائم للملك محمد السادس بخدمة قضايا الاستقرار والتنمية في أفريقيا، مجددا الدعوة له للمشاركة في قمة الولايات المتحدة - أفريقيا، المزمع عقدها في واشنطن خلال شهر أغسطس (آب) المقبل.
وأشاد كيري كذلك بالدور البناء والمساهمة الفعالة للملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس، في الجهود الرامية للتوصل إلى تسوية عادلة ونهائية وشاملة للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، على أساس دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في أمن واستقرار، طبقا لقرارات الأمم المتحدة.
وسلم الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، لكيري ملفا بخصوص مختلف الخروق الإسرائيلية المرتكبة في مدينة القدس الشريف، التي تهدف إلى طمس هويتها الدينية وطابعها المعماري الأصيل.
حضر الاستقبال عن الجانب الأميركي، دوايت إل. بوش، سفير الولايات المتحدة لدى المغرب، وبريم كومار المدير العام للشؤون الخارجية المكلف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والأمن القومي، وجونتان فاينر نائب رئيس الديوان، وعن الجانب المغربي المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، وصلاح الدين مزوار وزير الخارجية.
وكان كيري أعلن أن واشنطن ستجري تقييما لمفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مشيرا إلى أنه سيبحث مع الإدارة الأميركية والرئيس أوباما «ما هو ممكن وما هو غير ممكن»، و«أين نقف اليوم وأين سنذهب».
وأوضح كيري، الذي كان يتحدث أمس بالرباط، في مؤتمر صحافي مقتضب مشترك مع نظيره المغربي، عقب ترؤسهما افتتاح أشغال الدورة الثانية للحوار الاستراتيجي بين البلدين، أن كلا الطرفين يؤيدان الاستمرار في المفاوضات، «بيد أن العملية لن تبقى مفتوحة، لقد آن الأوان لإجراء تقييم لنعرف ما هي الخطوات المقبلة التي يتعين علينا اتخاذها».
وردا على سؤال حول ما إذا كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يخبراه بقراريهما الأخيرين، في إشارة إلى إعلان عباس عن توقيع طلبات الانضمام إلى 15 منظمة ومعاهدة دولية، وتعليق إسرائيل الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين، وما إذا كانت الإدارة الأميركية أضاعت وقتها في رعاية هذه المفاوضات، أوضح كيري أن الطرفين قاما بخطوات غير ملائمة. وأضاف: «لم نضيِّع أي وقت، بل قمنا بتضييق هوة الخلافات بين الطرفين».
وأشار كيري إلى أنه في أي مكان يذهب إليه يسأل عن عملية السلام في الشرق الأوسط، لأنها أضحت مصدر قلق عالمي. وأضاف: «لدينا جدول أعمال كبير، والكثير من القضايا التي يتعين التعامل معها، مثل المباحثات مع الروس بشأن أوكرانيا والوضع في سوريا، والملف النووي الإيراني».
وفي موضوع منفصل، قال كيري إن انعقاد الدورة الثانية من الحوار الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة يعد خطوة مهمة للارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى جديد وفي مرحلة مليئة بالتحديات، مشيرا إلى أن بلاده «تؤمن بالقدرات الهائلة التي يتوفر عليها المغرب، وتشجع الإصلاحات الجذرية التي قام بها لمواجهة المستقبل».
وأشار كيري خلال افتتاح الدورة الثانية للحوار الاستراتيجي، إلى أن الأمن من أبرز الالتزامات بين البلدين، مشيرا في هذا الصدد إلى المناورات العسكرية المشتركة التي أجريت أخيرا في أغادير، وقال إنه سيجري توسيعها لإدخال شركاء آخرين في أفريقيا من أجل تعزيز الاستقرار في المنطقة. كما نوه بالجهود التي يبذلها المغرب وانخراطه في المبادرات الدولية في مجال محاربة الإرهاب، وقال إنه يلعب دورا «قياديا» في هذا المجال.
وأوضح رئيس الدبلوماسية الأميركية أن بلاده «لا تفرض على المغرب أي شيء لا يريده» بل تدعمه لتنفيذ الإصلاحات.
وفي الجانب الاقتصادي، أقر كيري بضعف مستوى الاستثمار الأميركي في المغرب الذي لا يتجاوز ثمانية في المائة، وهو ما يتعين تطويره في المستقبل، وهو ما تراهن عليه الرباط كذلك من خلال الحوار الاستراتيجي.
ونوه كيري بزيارة الملك محمد السادس إلى عدد من الدول الأفريقية، والاتفاقيات التي وقعت معها، كما تحدث عن الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى واشنطن في نوفمبر الماضي، ولقائه الرئيس أوباما، وقال إنها ساعدت على تعزيز الروابط بين الدولتين في جميع المجالات.
من جهة أخرى، ذكر كيري بالأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورات في بلدان الربيع العربي، والمرتبطة بغياب فرص العمل، مقابل ارتفاع نسبة الشباب، وسرد قصة محمد البوعزيزي بائع الفواكه التونسي المتجول، وقال إنه كان يريد أن يعيش حياته لكن شرطية ضربته ومنعته العمل، فأشعل النار في جسده. وأضاف قائلا: «في مصر أيضا الشباب هم من خرجوا للتظاهر في ميدان التحرير وليس (الإخوان)، ضد نظام لم يوفر لهم فرص العمل».
يذكر أن كيري بدأ حديثه بالإشادة بالأطباق المغربية التي قدمت له، كما عبر عن إعجابه وانبهاره بمكتب صلاح الدين مزوار الذي عقد فيه لقاؤهما الثنائي قبل الاجتماع، وقال إنه زار عدة مسؤولين مغاربة لكنه لم ير مكتبا يطل على منظر طبيعي رائع مثله، وقال له: «أتساءل كيف تنجز عملك؟». وأضاف أنه سيتذكر ذلك المنظر الجميل كلما اتصل بمزوار.
من جانبه، تطرق مزوار، في افتتاح أشغال الدورة الثانية من الحوار الاستراتيجي الذي حضره عدد كبير من المسؤولين المغاربة، إلى عدة قضايا من بينها نزاع الصحراء، باعتباره أولوية الدبلوماسية المغربية.
وقال مزوار إن «استقرار المنطقة والساحل يمر وجوبا عبر التسوية النهائية للنزاع الإقليمي حول الصحراء»، معربا عن تقدير المغرب للدعم المستمر الذي تقدمه الولايات المتحدة لجهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي لإيجاد حل سياسي نهائي ومقبول من قبل أطراف هذا النزاع، على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي. وذكر أن الإدارة الأميركية تعد هذه المبادرة مبادرة «جدية وواقعية وذات مصداقية».
وبشأن العلاقة مع أفريقيا التي يتطلع المغرب إلى أن يصبح فاعلا رئيسا فيها، بالتعاون مع الشريك الأميركي، قال مزوار إن القمة الأميركية - الأفريقية المقرر عقدها يومي الخامس والسادس من أغسطس المقبل، تمثل «إشارة قوية عن التزام الإدارة الأميركية لصالح تنمية القارة».
وأعرب مزوار عن قناعة المغرب بقدرة البلدين على بناء شراكة قوية موجهة للفضاء الأفريقي، وذكر في هذا الإطار بالجولات التي قام بها الملك محمد السادس إلى الكثير من الدول الأفريقية وقال إن «السلطة الروحية التي يتمتع بها العاهل المغربي باعتباره أميرا للمؤمنين، تضطلع بدور طلائعي في محاربة التطرف، وإشاعة التدين الوسطي والمعتدل، والتعاون مع الدول الأفريقية الصديقة في المجال الديني».
واستعرض مزوار مختلف الإصلاحات التي باشرها المغرب في مختلف المجالات، وعلى رأسها مجال حقوق الإنسان باعتباره ملفا يجري استغلاله من قبل خصوم بلاده السياسيين للتأثير على مسار نزاع الصحراء. وعدَّ الإصلاحات «ضمانات قدمها المغرب لمواطنيه ولشركائه، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وهي إصلاحات تكرس فرادة التجربة المغربية ضمن سياق إقليمي ما زال ينشد الاستقرار».
على صعيد آخر، استقبل الملك محمد السادس أمس بالقصر الملكي في الدار البيضاء، دوايت إل. بوش سفير الولايات المتحدة الجديد، وعصمان أمادو سفير جمهورية مالي، اللذين قدما له أوراق اعتمادهما سفيرين مفوضين فوق العادة لبلديهما لدى المملكة المغربية. كما استقبل العاهل المغربي سفير جمهورية غامبيا لامين كابا باجو، الذي جاء لتوديعه في أعقاب انتهاء مهامه بالمملكة. وبهذه المناسبة، وشحه الملك محمد السادس بالوسام العلوي من درجة قائد.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.