فصائل المعارضة السورية تجتاز نصف الطريق نحو تحرير حلب

مصدر في الجيش الحر أكد السيطرة على أجزاء في الراموسة ومحاصرة مناطق النظام

مقاتلون من {جبهة فتح الشام} ({النصرة} سابقا) بعد تحريرهم إحدى المناطق جنوب مدينة حلب أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون من {جبهة فتح الشام} ({النصرة} سابقا) بعد تحريرهم إحدى المناطق جنوب مدينة حلب أمس (أ.ف.ب)
TT

فصائل المعارضة السورية تجتاز نصف الطريق نحو تحرير حلب

مقاتلون من {جبهة فتح الشام} ({النصرة} سابقا) بعد تحريرهم إحدى المناطق جنوب مدينة حلب أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون من {جبهة فتح الشام} ({النصرة} سابقا) بعد تحريرهم إحدى المناطق جنوب مدينة حلب أمس (أ.ف.ب)

حققت فصائل المعارضة السورية مزيدًا من التقدم في معركة فكّ الحصار عن المناطق الشرقية لمدينة حلب، وتمكنت أمس من السيطرة على مواقع استراتيجية للنظام السوري والميليشيات الموالية له جنوب وغرب المدينة.
وكشف مصدر في الجيش الحر، أن «مناطق سيطرة النظام هي التي باتت محاصرة، وفقدت طرق الإمداد مع المحافظات الأخرى، باستثناء معبر الكاستيلو»، مؤكدًا أن «فكّ الحصار عن المناطق الشرقية مسألة ساعات، وأن الثوار اجتازوا نصف الطريق نحو تحرير المدينة بالكامل». ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن، أن «فصائل مقاتلة ضمن تحالف (جيش الفتح) سيطرت على كلية التسليح، وعلى الجزء الأكبر من كلية المدفعية في جنوب غربي مدينة حلب»، مشيرًا إلى أن «المعارك مستمرة في الأجزاء القليلة المتبقية من كلية المدفعية والكلية الفنية الجوية إلى الشمال منها».
ومع التقدم السريع وتضييق الخناق على مواقع النظام وحلفائه، أكد مصدر في الجيش السوري الحرّ لـ«الشرق الأوسط»، أن «إعلان فك حصار حلب لن يتأخر، وقد يحصل بين ساعة وأخرى». وقال إن «الهدف الأول هو فكّ الحصار عن المناطق الشرقية، أما الهدف الثاني فهو تحرير كامل حلب». وأشار إلى أنه «بمجرّد السيطرة على عقدة الراموسة يتجه الثوار نحو منطقة العامرية التي يسيطر عليها النظام وخلفها منطقة الشيخ سعيد، لكن بمجرد سقوط الراموسة، سينسحبون (قوات النظام) إلى منطقة صلاح الدين».
ويقود معركة حلب التي وصفت بـ«المصيرية»، تحالف «جيش الفتح» وعلى رأسه حركة «أحرار الشام» وجبهة «فتح الشام» (جبهة النصرة سابقًا). وبعد تثبيت مواقعها في الكليات العسكرية، يفترض أن تواصل الفصائل تقدمها شرقًا باتجاه حي الراموسة المحاذي، والذي من شأن السيطرة عليه أن يمكنها من فتح طريق إمداد نحو الأحياء التي تسيطر عليها في شرق وجنوب شرقي حلب من جهة، وقطع طريق الإمداد إلى الأحياء الغربية بالكامل.
وبدا مقاتلو المعارضة أكثر تفاؤلاً بحتمية حسم المعركة لمصلحتهم، حيث أعلن المصدر في الجيش الحرّ، أن «الثوار اجتازوا 90 في المائة من خطة فكّ الحصار عن المناطق الشرقية، وأكثر من نصف الطريق نحو تحرير حلب بالكامل». وقال: «إذا سقطت الأكاديمية العسكرية المطلّة على مجمع مباني الـ1070 التي تسمّى بـ(المباني الروسية) التي تتحصّن فيها قوات النظام وقيادة الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية، وتعمل ضمن غرفة العمليات الإيرانية، فهذا يعني عمليًا سقوط مناطق سيطرة النظام بكاملها».
من جهته، أوضح الناشط المعارض في حلب عبد القادر علّاف، أن «جيش الفتح بدأ صباح اليوم (أمس) هجوما واسعًا للسيطرة على الكلّية الجوية، التي تطلّ على عقدة الراموسة، وتبعد عنها مائتي متر فقط». وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «مجرّد السيطرة على الكلية الجوية، معناها أنّه تمّ فكّ الحصار عن حلب الشرقية».
ويبدو أن تحرير الراموسة بات هدفًا إلزاميًا للعبور منها إلى مناطق أخرى، حيث أعلن علاف أن «القسم الذي تمت السيطرة عليه من منطقة الراموسة، لم يدخله (جيش الفتح)، إنما دخلته القوات المحاصرة في شرق حلب». وقال: «الأحداث متسارعة جدًا، وهناك انهيار معنوي وعسكري لدى جيش النظام والميليشيات التابعة له»، مشيرًا إلى أن «مناطق سيطرة النظام باتت محاصرة، لكنها لا تزال مفتوحة على طريق الكاستيلو، وصولاً إلى عفرين والزهراء وماير، لكن بوابة حلب الجنوبية والغربية فأغلقت على النظام تمامًا».
وفرضت قوات «فتح حلب» حصارًا على أحياء حلب الغربية بعد سيطرتها على طريق دمشق حلب في منطقة الراموسة جنوب المدنية. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن قائد عسكري في قوات «فتح حلب» قوله إن «قواتنا أصبحت تسيطر على حي الراموسة وقطعت طريق حلب دمشق، وبذلك تكون الأحياء الغربية من مدينة حلب الواقعة تحت سيطرة النظام محاصرة بالكامل». وأضاف أن «قوات فتح حلب شنت هجومًا عنيفًا فجر اليوم (أمس) عبر 5 سيارات مفخخة، وانهارت كل دفاعات قوات النظام والحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له، وتمكنت قوات الفتح من السيطرة على كلية التسليح بالكامل بعد قصف مدفعي عنيف».
واضطرت قوات نظام الأسد إلى استقدام مزيد من التعزيزات عسكرية الضخمة إلى جبهات ريف حلب الجنوبي الغربي أمس، بعد تمكن فصائل المعارضة المسلحة من فك الحصار عن أحياء حلب الشرقية وقطع طريق، حلب ـ دمشق، والسيطرة على عدد من المواقع الاستراتيجية، فيما واصل الطيران الحربي الروسي غاراته الجوية على مواقع المعارضة في بلدات جنوب غربي حلب. وأشارت المصادر إلى أن أكثر من مائتي غارة شنتها طائرات حربية سورية وروسية، وأن المعارك تجري عند باب الكلية الشرقية بعد وصول آلاف المقاتلين وأن سقوط كلية المدفعية أصبح مسألة وقت حيث تتعرض لهجوم من جهتين. ولفتت المصادر إلى أنه تم رصد بدء قوات الأسد الانسحاب من الكلية، وأن المئات من القتلى والجرحى سقطوا في صفوف الجانبين، وذلك عبر التقاط إشارات الاتصال اللاسلكي بين مقاتلي الأسد. وبهذا تدخل معركة حرب مرحلتها الرابعة مع اقتراب فك الحصار الكامل عن مناطق سيطرة المعارضة وفرض الحصار على مناطق سيطرة النظام. وتدمير الخطوط الدفاعية لقوات الأسد والميلشيات الداعمة لها.
وكان جيش الفتح قد تمكن يوم الجمعة الماضي من بسط سيطرته على كلية المدفعية والتسليح، بعد استهداف تجمعات قوات النظام بالعربات المفخخة وأطلقوا على العملية وعلى كلية المدفعية اسم إبراهيم اليوسف.
ويأتي تقدم مقاتلي «جيش الفتح» رغم الغارات الجوية الروسية التي طالت مواقع المعارضة في تلال الجمعيات والمشيرفة والقراصي ومحيط كلية المدفعية، موقعة عددًا من الإصابات بصفوف مقاتلي المعارضة الذين تابعوا هجومهم رغم كل هذا القصف الجوي. وأشار القائد العسكري في حديثه للوكالة الألمانية، إلى أن «أكثر من مائتي غارة شنتها طائرات حربية سورية وروسية، وأن المعارك تجري عند باب الكلية الشرقية بعد وصول آلاف المقاتلين»، مؤكدًا أن «سقوط كلية المدفعية بالكامل أصبح مسألة وقت، وهي تتعرض للهجوم من جهتين». وتابع: «رصدنا عبر أجهزة اللاسلكي بدء قوات النظام بالانسحاب من الكلية، وأن المئات من القتلى والجرحى سقطوا في صفوف الجانبين». وقال: «إذا نفذت الخطة المرسومة للمعركة، سوف تستطيع قواتنا كسر الحصار عن أحياء حلب المحررة، بل سوف تحاصر الأحياء التي يسيطر عليها النظام وسوف نحرر كل أحياء حلب».
وشن مقاتلو «جيش الفتح» بعد ظهر الجمعة الماضي أعنف الهجمات، ضمن المرحلة الثالثة لكسر الحصار عن حلب، حيث بدأ الهجوم نحو تجمعات قوات النظام المتمركزة في كلية المدفعية وكلية التسليح، وهما من أكبر قلاع النظام العسكرية بالشمال السوري. واستهلّ «جيش الفتح» هجومه باستهداف مدخل كلية المدفعية بعربة مفخخة يقودها مقاتل من جبهة «فتح الشام»، ما تسبب بوقوع خسائر بشرية كبيرة بصفوف قوات النظام، تخللها دخول عشرات الانغماسيين من «جيش الفتح» داخل كلية المدفعية.
وتشهد مدينة حلب منذ صيف عام 2012 معارك مستمرة وتبادلا للقصف بين قسميها الشرقي، حيث يعيش نحو 250 ألف شخص، والغربي الذي يسكن فيه نحو مليون شخص. وباتت الأحياء الشرقية محاصرة بالكامل منذ 17 يوليو (تموز). وأعرب سكان الأحياء الشرقية عن فرحتهم بعد سماعهم الأنباء الآتية من الجبهات. وقال مصطفى بريمو (26 عاما) من سكان حي بستان القصر لوكالة الصحافة الفرنسية: «المساجد تقوم بالتكبير». ويضيف «أنا سعيد بهذا التقدم وسوف أقوم بذبح خروف وتوزيع لحمه على الفقراء في حال فتح الطريق». واختصر رامي عبد الرحمن بدوره التطورات في منطقة حلب بالقول: «من يفوز بهذه المعركة سيفوز بحلب»، مضيفا «إنها معركة تحديد مصير».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.