عناصر من «داعش» مرتبطة بنظام الأسد.. وإيران وراء «خطة أمنية إلكترونية»

«الشرق الأوسط» تنشر الجزء الخامس من «وثائق دمشق السرية»

عناصر من «داعش» مرتبطة بنظام الأسد.. وإيران وراء «خطة أمنية إلكترونية»
TT

عناصر من «داعش» مرتبطة بنظام الأسد.. وإيران وراء «خطة أمنية إلكترونية»

عناصر من «داعش» مرتبطة بنظام الأسد.. وإيران وراء «خطة أمنية إلكترونية»

تنشر «الشرق الأوسط» ضمن سلسلة الوثائق الرسمية السورية المسربة، وثيقة مقدمة إلى رئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك وموقعة باسم العقيد حيدر حيدر، رئيس اللجنة الأمنية في مدينة نبل ومحيطها في حلب، تؤكد، وفق المعلومات الواردة فيها، التنسيق بين النظام والمجموعات الإسلامية المقاتلة، لا سيما «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)».
وتؤكد الوثيقة انضمام مجموعة من العراقيين للقتال إلى جانب النظام عن طريق فرع أمن الدولة في حلب، مشيرة إلى صعوبة إلحاقهم بالتنظيمات الإسلامية بسبب امتلاكهم وثائق شخصية تثبت عدم انتمائهم إلى المناطق والمذهب الديني الذي ينتمي إليه مقاتلو التنظيمات، مما يشير إلى أنهم ينتمون إلى الطائفة الشيعية، فيما يفترض أن ينتمي من يقاتل في التنظيمات الإسلامية إلى الطائفة السنية.
ولتسهيل هذه المهمة، يطلب حيدر في الوثيقة تأمين مجموعة هويات سورية تؤمن انضمام هؤلاء العناصر، الذين قد يبلغ عددهم 2500 شخص إذا جرى تأمين السلاح الكافي لهم، إلى تنظيم «داعش»، وكذلك يطلب بعض الوثائق العراقية لإعطائها للمقاتلين السوريين الذين يتقنون اللهجة العراقية.
ويكشف رئيس اللجنة الأمنية العقيد حيدر حيدر في الوثيقة، عن وجود أكثر من 150 عنصرا مدربين (دورة صاعقة بمستوى عال)، فيما باقي المجموعات التي يزيد عددها على 600 متدرب تتراوح أعمارهم بين 20 و45 عاما وهم من مختلف الاختصاصات، وكانوا قد خضعوا لها أثناء «خدمة العلم»، وقد أرفقت بالوثيقة أسماء 200 مقاتل من منطقة نبل والزهراء.
وأكدت الوثيقة أن هناك عددا كبيرا من المتطوعين الذين أكدوا استعدادهم «للدفاع عن أراضي الوطن»، وأن عددهم مرشح للزيادة إذا جرى تأمين السلاح المطلوب، وأن هؤلاء سيكونون مستعدين للقتال مع التنظيمات الإسلامية وتنفيذ المهام الموكلة إليهم من داخلها، خصوصا بعد النتائج التي تحققت في الفترة الأخيرة بالتنسيق مع الجهات المعنية في المنطقة الشمالية.
ويوضح العقيد حيدر، أن موقع مدينة نبل وبلدة الزهراء الجغرافي يساعد في التحكم في أوتوستراد حلب، وأنه يمكن قوات النظام والمجموعات التي تقاتل إلى جانبه، من دخول الحدود العراقية والخروج منها بالتنسيق مع حلفائهم في الجانب العراقي ونقل المقاتلين والعتاد.
وتشير الوثيقة إلى أن قوات النظام أصبح لديها العديد من العناصر والقيادات القوية ضمن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» في المنطقة الشمالية بشكل عام، الذين يستطيعون تأمين دخول أعداد من المتطوعين الجدد إلى صفوف هذا التنظيم عبر تزكيتهم وضمان عدم إثارة أي شكوك حولهم، مما يؤمن معلومات تفصيلية بشكل دائم عن تحركات المسلحين وأعدادهم وتسليحهم وخططهم. وأشارت المعلومات الواردة إلى أن التنسيق والتواصل مع «داعش» أدى إلى إيقاف عمليات المسلحين ضد مواقع الجيش من خلال سطوة تنظيم «الدولة» ضمن المجموعات المسلحة وتلك الخارجة عن سيطرته، موضحة أنه بذلك، تكون المنطقة الشمالية، أي حلب وإدلب، قاعدة يعود لها الجيش في حال نصب له كمين وتعرض لهجوم عنيف من قبل المسلحين على أن تكون الرقة قاعدة خلفية له في حال التعرض لهجوم عكسي.
وطلب العقيد حيدر من اللواء مملوك، رفع المخصصات المالية وتزويدهم بالأسلحة المختلفة ومركبات دفع رباعي مزودة برشاشات من عيارات مختلفة، ودعم المجموعات التي ترابض على الجبهات لحماية المدن والمواقع الحيوية، بالذخائر، نظرا لقطع الطريق الواصل بين محافظة حلب ومدينة الرقة من قبل المجموعات المسلحة.
وفي وثيقة ثانية موقعة بتاريخ 1 سبتمبر (أيلول) 2013، مرتبطة بالأولى وبتصاعد الاشتباكات حول المنطقتين الشيعيتين في حلب؛ نبل والزهراء، المحاصرتين من قبل الجيش الحر والمعارضة، جرى الكشف عن تشكيل مجلس عسكري من 22 ضابطا متقاعدا في مدينة نبل، ووقعت الوثيقة كذلك باسم العقيد حيدر حيدر.

و في نفس السياق، تظهر وثيقتان سوريتان مسربتان حجم الاختراق الذي حققه نظام الرئيس السوري بشار الأسد في صفوف تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام «داعش»، والذي وصل إلى حد اعتبار مناصري النظام منطقة الرقة التي يسيطر عليها التنظيم «قاعدة خلفية»، ضمن حملة لمواجهة المعارضة السورية والجيش السوري الحر الذي تقدم في شمال البلاد خلال الأشهر الماضية. كما تظهر الوثائق التنسيق الكبير مع النظام العراقي الذي يسمح للمقاتلين بالتحرك عبر الحدود المشتركة. وبالتوازي مع التحرك الميداني للنظام السوري والموالين له، فتح النظام السوري جبهة ضد المعارضة عبر الإنترنت للتأثير على الرأي العام العالمي. وتظهر وثائق مسربة الدور الإيراني في عملية تشويه صورة المعارضة عبر خطة مبرمجة ودقيقة اتبعها النظام السوري خلال المرحلة السابقة.
وتنشر «الشرق الأوسط» الوثيقتين اللتين حصلت عليهما من مركز «مسارات» السوري المعارض، الذي سينشرهما السبت المقبل ضمن سلسلة «وثائق دمشق»، أولاهما وثيقة مقدّمة إلى رئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك وموقعة باسم العقيد حيدر حيدر، رئيس اللجنة الأمنية في مدينة نبل ومحيطها في حلب، تؤكّد وفق المعلومات الواردة فيها الروابط بين النظام السوري وبعض العناصر المقاتلة في المجموعات الإسلامية المقاتلة لا سيما الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
وتؤكد الوثيقة انضمام مجموعة من المسلحين العراقيين للقتال إلى جانب النظام عن طريق فرع أمن الدولة في حلب، مشيرة إلى صعوبة إلحاقهم بالتنظيمات الإسلامية بسبب امتلاكهم وثائق شخصية تثبت عدم انتمائهم إلى المناطق، والمذهب الديني الذي ينتمي إليه مقاتلو التنظيمات المسلحة المتشددة. وتشير الوثائق والأوراق الثبوتية إلى أن هؤلاء ينتمون إلى الطائفة الشيعية، فيما يفترض أن ينتمي من يقاتل في التنظيمات الإسلامية إلى الطائفة السنية، طالبة تزويدهم بوثائق لتسهيل مهمتهم.
ويكشف حيدر في الوثيقة أن موقع مدينة نبل وبلدة الزهراء الجغرافي يساعد في التحكم بأوتوستراد حلب، ويمكّن قوات النظام والمجموعات التي تقاتل إلى جانبه من دخول الحدود العراقية والخروج منها بالتنسيق مع حلفائهم في الجانب العراقي، وتقديم التسهيلات لنقل المقاتلين والعتاد. وتشير الوثيقة إلى أن التنسيق والتواصل مع العملاء في تنظيم «داعش» أدى إلى إيقاف عمليات المسلحين ضد مواقع الجيش من خلال سطوة تنظيم الدولة ضمن المجموعات المسلحة وتلك الخارجة عن سيطرته، موضحة أنه بذلك تكون المنطقة الشمالية، أي حلب وإدلب، قاعدة يعود لها الجيش في حال نصب له كمين وتعرّض لهجوم عنيف من قبل المسلحين، على أن تكون الرقة قاعدة خلفية له في حال تعرّض لهجوم عكسي.
وبينما تقدم تلك الوثيقة تفاصيل عن القتال الميداني، هناك حرب إلكترونية يقودها الجيش السوري الإلكتروني التابع للنظام السوري، ويبدو أنه يتلقى توجيهات من عناصر أمنية إيرانية. ويفيد محضر اجتماع بين مسؤولين سوريين وإيرانيين مدى التنسيق بين الطرفين، سعيا لتشويه صورة المعارضة السورية من خلال صفحات مفبركة أنشئت بمسميات مختلفة، ومن خلالها جرى تمرير أخبار مغلوطة تخدم توجهات النظام السوري السياسية

كما حصلت «الشرق الأوسط» على محضر اجتماع بين رؤساء أجهزة أمن في النظام السوري وخبراء أمنيين إيرانيين. وجاء في ملخص محضر الاجتماع الموقع من قبل رئيس الفرع 279 والموجه إلى مدير إدارة أمن الدولة مقترحات جرى التوافق عليها مع «الجانب الصديق» من أجل تشويه صورة الحراك الشعبي السوري.
ويحمل محضر الاجتماع الاقتراحات الآتية:
- إشاعة أنباء حول عمليات نقل السلاح عبر لبنان بالتعاون مع «تيار المستقبل» و«جماعة الشهال» (أي داعي الإسلام الشهال) و«الجماعات الإسلامية» في طرابلس.
- اتهامات بوجود مراكز لتدريب المتطوعين لما يسمى «الجيش الحر» في تركيا والأردن ولبنان وتوفر السلاح بكل أنواعه.
- نشر معلومات من شأنها تكذيب الانتصارات التي يحققها «الجيش الحر».
- نشر مقاطع فيديو وصور تشير إلى النشاط المسلح للمعارضة، ما يتناقض مع شعار «السلمية» الذي يتسلحون به.
- تكثيف نشر مقاطع الفيديو التي تتضمن مشاهد عن المجازر وعمليات القتل والتقطيع والتمثيل بجثث الأبرياء من مدنيين وعسكريين.
- زيادة عدد الحسابات التي تعمل بإشرافنا تحت أسماء وشعارات «المخربين» و«المجموعات المسلحة» والعمل على إدخال أكبر عدد ممكن كمشرفين على «صفحات المخربين».
- كتابة ونشر شعارات تدعو إلى الجهاد وحمل السلاح، الأمر الذي يحدث خوفا ونفورا لدى الرأي العام من انتشار الأعمال الإرهابية.
- إنشاء حسابات وصفحات تعمل على توضيح سوء أخلاق الناشطين الإعلاميين والسياسيين التابعين للمعارضة تحت شعارات مكافحة الفساد.
- نشر المقالات والأخبار التي تسقط عن أعمال العنف والإرهاب والتخريب التي يشهدها القطر صفة «الثورة» التي يدعونها مع محاولة استحضار النموذج الليبي أمام الرأي العام السوري.
- تسليط الضوء على دعوات المعارضة للتدخل الخارجي والاستعانة بـ«الناتو» وغيره لإسقاط النظام، الأمر الذي يشير إلى ارتباط هذه المعارضة بالخارج وبمشاريع مشبوهة.
- الإشارة إلى غياب القضية الفلسطينية ومقاومة المشروع الأميركي - الإسرائيلي في المنطقة عن مطالب المعارضة السورية واختصار أهدافهم في الوصول إلى السلطة واستعادة الخلافة.
- تشويه صورة ما يسمى «الجيش السوري الحر» من خلال اختطاف رهائن وقيامهم بعمليات نهب وسلب للمواطنين والممتلكات وذلك لتمويل عملياتهم ضد الجيش النظامي.
- القيام بحملات مضادة تستهدف الناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي وإعداد «بعض الفبركات» عن ارتباطهم بالأجهزة الأمنية.
- التشكيك في قيمة المنشورات التي تظهر قوة عمل ما يسمى «الجيش الحر» دون وجود إثباتات.
- التشكيك في مدى قدرة ما يسمى «الثورة» على الاستمرار في ظل تماسك النظام ووجود دعم دولي كبير.
- محاولة إعاقة عمل الصفحات والمجموعات الكبيرة من خلال التعتيم على الأخبار الحديثة بإعلانات من صفحات أخرى أو أخبار كاذبة.
- طرح أسماء متعددة لمظاهرات يوم الجمعة ومواعيد مختلفة للتظاهر والمناسبات، ما ينتج حالة ارتباك في صفوف المعارضة.
- ترشيح بعض الأشخاص «من قبلنا» للعمل «أدمن» (مؤسس الصفحة) في بعض الصفحات التي تطلب مشرفين، ما يخدم بشكل كبير إعاقة عملها.
- التركيز على تشتت المعارضة السورية وعدم قدرتها على قيادة المرحلة المقبلة وإظهار الجانب النفعي والاستغلالي لكل طرف منها.
- التشكيك بنزاهة مجلس إسطنبول (الائتلاف الوطني السوري) من خلال تسلمهم لأموال المساعدات واستغلالها لأهداف شخصية.
- طرح شعارات الدولة المدنية بعيدا عن الدين تزامنا مع طرح شعارات الدولة والخلافة الإسلامية التي تحول سوريا إلى أفغانستان أخرى.
- إعداد صفحات تتبنى أفكار «القاعدة» ونشر فيديوهات عليها تظهر بعدها عن الجانب الإنساني من خلال ما تمارسه من عمليات قتل بعيدة عن الإسلام.
- إعداد خطط لإحباط ما سمي بـ«ساعة الصفر» وموعد انطلاقها وخط سيرها في كل محافظة.
- زيادة حدة الخلاف ما بين الأكراد والمعارضة (مجلس إسطنبول).
- التأكيد على الدور المشبوه للأكراد وارتباطهم بإسرائيل في إقليم كردستان العراق.
- تقديم أرقام خيالية عن المعونات والمساعدات التي تصل إلى المعارضة السورية من دول الخليج.



.

لقراءة سلسلة "وثائق دمشق السرية" اضغط هنا



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.