السجناء المغاربيون.. إشكالية جديدة في ألمانيا

معظمهم من الشباب المهاجر الذي يعيش بلا أمل ولا هدف

السجناء المغاربيون.. إشكالية جديدة في ألمانيا
TT

السجناء المغاربيون.. إشكالية جديدة في ألمانيا

السجناء المغاربيون.. إشكالية جديدة في ألمانيا

قبل أن تصحو أوروبا من صدمة جريمة نيس الأليمة بجنوب فرنسا، التي اتهم بارتكابها المهاجر التونسي محمد الحويج بو هلال، شن طالب هجرة أفغاني فتي سلسلة اعتداءات بالسلاح الأبيض في قطار قرب مدينة فورتسبورغ الجامعية بجنوب ألمانيا، وسرعان ما أعلن تنظيم داعش المتطرف تبني العملية التي انتهت بقتل الجاني. ويُذكر أن «داعش» وجماعات متطرفة أخرى كانت قد ادعت مسؤوليتها عن عدد من الاعتداءات الدامية، أبرزها في بلجيكا وفرنسا، وعلى أثرها سلط الضوء بالذات على جاليات المهاجرين واللاجئين الآتين من دول شمال أفريقيا وتحديدًا المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا. وخلال الأسبوع الماضي، نشر تقارير صحافي في ألمانيا أفاد بارتفاع كبير في عدد المحتجزين المتحدرين من أصول شمال أفريقيا في السجون الألمانية.

يعتقد معظم الألمان أن مفردة «نافريز» ستفوز بلقب أسوأ مفردة استخدمت في الإعلام سنة 2016. ويرى ألمان آخرون أن كلمة «نافريز» عارٌ بالنسبة إليهم، وأنها أسوأ من مفردة «نيغر» سيئة الصيت المستخدمة في شتم ذوي البشرة السمراء.
كلمة «نافريز» هي مختصر «شمالي أفريقي» بالألمانية (نورد افريكانر)، ويعود الفضل في استخدامها إلى شرطة ولاية الراين الشمالي - وستفاليا، التي أطلقتها على المشتبه بهم بارتكاب أكثر من 650 جناية سرقة واعتداء جنسي على النساء المحتفلات بليلة رأس السنة الماضية بالقرب من كاتدرائية كولون (الدوم) الشهيرة. وللعلم، فإن العرب المقيمين في ألمانيا يصمون ما ارتكبه الشباب اللاجئون العرب قرب «الدوم» – خلال نصف ساعة – في تلك الليلة بـ«العار».
الواقع أنه منذ مطلع العام الجاري 2016 والإعلام والشرطة في ألمانيا يسلّطون الضوء على المخالفات والانتهاكات المسلكية التي يرتكبها طالبو اللجوء السياسي من بلدان شمال أفريقيا، وخصوصًا من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا. كما يستعرضون بالأرقام والحقائق، والتحقيقات والمقابلات الصحافية، كل ممارسات هؤلاء الشباب في السجون ومعسكرات اللجوء وفي الشوارع.. إلخ.
وتشير شرطة مدينة فرانكفورت إلى أن مرتكبي الجنايات المختلفة من طالبي اللجوء من شمال أفريقيا شكّلت معظم الجنايات المرتكبة من قبل طالبي اللجوء. ومن بين 30000 لاجئ متهم بارتكاب جنايات شكل المغاربة ثالث أكبر مجموعة بعدد 3100 متهم، وشكّل المتهمون من شمال أفريقيا 40 في المائة من مجموع المتهمين، علما بأن نسبة طالبي اللجوء من المغاربة لا تشكل أكثر من 1 في المائة من مجموع طالبي اللجوء. ولم تحتسب هنا الخروقات التي يرتكبها طالبو اللجوء بالضد من قوانين اللجوء.
ومن جهة ثانية، ذكرت شرطة كولون أن 40 في المائة من طالبي اللجوء المغاربة، وعددهم الإجمالي 521 شخصًا، وقعوا في قبضة العدالة بتهم اللصوصية والاحتيال والاتجار بالمخدرات والاعتداء الجسدي في العام 2015. ونفس هذه النسبة شملت التونسيين (57 شخصًا) والجزائريين (260).
النائب ينز كانيت، المتحدث باسم حكومة ولاية الراين الشمالي - وستفاليا، وهو من الحزب الديمقراطي المسيحي، نقل عن تقرير للاستخبارات المركزية الأميركية يتحدث عن نسبة عالية من عرب شمال أفريقيا التحقوا بتنظيم داعش في سوريا والعراق. وقال: إن الإحصائية تشير إلى ما بين 6 و7 آلاف تونسي، في حين أن الحكومة التونسية تعترف بـ3000 فقط.

نسبة عالية في السجون

من ناحية أخرى، كشف استطلاع أجرته صحيفة «نويه أوسنابروكر تسايتونغ»، أخيرًا، بين وزارات العدل في الولايات الألمانية، أن عدد نزلاء السجون من الشمال قد تضاعف خلال خمس سنوات. إذ قفز عدد السجناء، أو الموقوفين رهن التحقيق، من أبناء الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا من 880 شخصًا في العام 2011 إلى 1922 هذا العام. وتعتقد الجريدة، رغم أنها لم تحدد مصادرها، أن هذا العدد يرتفع إلى 2000. وربما بسبب التباس هويات الكثير من نزلاء السجون بسبب استخدام طالبي اللجوء للهويات المزيّفة، أو لأنهم لم يحملوا معهم عند وصولهم إلى ألمانيا أي أوراق ثبوتية شخصية.
وقبل ذلك بأيام كشف توماس كوتشاي، وزير العدل في ولاية الراين الشمالي - وستفاليا، التي تضم مدينة كولون، أن عدد نزلاء 36 سجنًا في الولاية – الأكبر من حيث عدد السكان – من شمال أفريقيا، ارتفع من 322 إلى 762 خلال السنوات الخمس الماضية. ولم يستبعد أن يكون الرقم أكبر لأن 16500 سجين في سجون الولاية، من مجموع 55 ألفًا، لا يحملون أوراقًا ثبوتية.
في ولاية سكسونيا السفلى، قال اوفه زيلكه، من وزارة داخلية الولاية، بأن عدد الأفريقيين الشماليين في 16 سجنًا من سجون الولاية قفز من 47 في العام 2011 إلى 97 في العام 2015، ومن ثم إلى 112 حتى يونيو (حزيران) من هذا العام. هذا في حين أن عدد السجناء العام في هذه السجون انخفض من 5809 إلى 4953.
وهذه ليست كل مشاكل السجون في الولايتين، بحسب تصريح كوتشاي وزيلكه. وإذ تحدث كوتشاي عن مشكل كبيرة في التعامل مع السجناء العرب من شمال أفريقيا، بينها 23 مشكلة قد تزيد محكومياتهم، قال زيلكه بأن هؤلاء السجناء لا يحترمون موظفي السجن، وخصوصًا النساء، يشتمون، ويبصقون على الأرض بين القدمين، بل ويتعاملون بعنف مع موظفي السجن.
وذكر كوتشاي أن السجناء من المغرب العربي يرفضون القواعد السائدة في السجن ويهينون الموظفين، ولا يعرفون أي لغة غير العربية. هناك صعوبة في التعامل معهم في السجن، وصعوبة في حمايتهم من سطوة الإسلاميين المتشددين في السجون، وصعوبة في إعادة تأهيلهم بعد السجن، لأن معظمهم بلا عوائل في ألمانيا.
ولهذه الأسباب خصصت وزارة الداخلية في نوردراين فيستفاليا مبلغ 7.2 مليون يورو لبرامج دمج المغاربيين في المجتمع. وتم على هذا الأساس تأسيس مركز للتنوير في السجون باسم «القانون والإسلام»، كما تمت الاستعانة بأكثر من 100 إمام من أئمة المساجد لرعايتهم وحمايتهم من الدعاية الإرهابية. وتم رفع عدد المترجمين العرب من 2 إلى 14 مترجمًا، وزيد عدد الموظفين والحراس العرب أيضًا، فضلاً عن ذلك، تم تعيين 26 معلمًا في السجون لتعليم المغاربيين اللغة الألمانية.
والأهم، في إجراءات إدارة سجون الولاية، هو أنها قررت استخدام أجهزة مسح البصمات للتأكد من شخصيات النزلاء بعد أن كثرت في الآونة الأخيرة عمليات تزوير الوثائق. ويمارس هذا التزوير في الأغلب من قبل نزلاء السجون من الشمال الأفريقي.
إلى ذلك رصدت دائرة حماية الدستور الاتحادية (مديرية الأمن العامة) دعوات يطلقها تنظيم داعش على الإنترنت تدعو أعضاءها وأنصارها المعتقلين إلى تحويل السجون إلى مدارس لكسب الشباب العرب للتنظيم. هذا في الأقل ما حصل مع الألماني - الغاني الأصل هاري س. الذي انضم إلى «داعش» في سوريا وأصبح حامل راية أحد الفصائل المتقدمة.
عاد هاري س. إلى بريمن بعد أن رفض طلب «داعش» في الرقة تنفيذ العمليات الإرهابية في ألمانيا. وتكشف مسيرته أن تحوله من لاعب كرة قدم واعد إلى إرهابي، بدأت في العاصمة البريطانية لندن. إذ انتقل مع أمه وأختيه من بريمن الألمانية إلى العاصمة البريطانية لفترة قصيرة وهو شاب، وبدأت صلاته هناك مع الإسلاميين المتشددين. وكان هاري س. ينوي دراسة الهندسة المعمارية في إحدى الجامعات البريطانية، لكنه لم يكمل دراسته. وحكم على الغاني الأصل مرتين في ألمانيا بتهمة السطو والاختطاف، وذكر أمام المحكمة أنه تحول من مسلم معتدل إلى إسلامي متشدد في السجون الألمانية. والتقى في السجن الإسلامي المتشدد، المصنف كمتشدد خطر من قبل رجال الأمن، المدعو رينيه مارك. ويقود مارك منظمة «الثقافة - العائلة» ويطلق أفراد جماعته عليه اسم «أمير غوبلنغن» (نسبة إلى مدينة غوبلنغن التي ينشط فيها). وفي السجن، وتحت تأثير مارك، تحول هاري س. إلى الإسلام المتطرف. وتتهم النيابة العامة هذه الجمعية «الثقافية» بإرسال 13 مقاتلاً إرهابيا إلى الحرب في سوريا والعراق.

نسبة عالية بين القاصرين

أصبح انتشار آيديولوجيا الإرهاب بين القاصرين مشكلة شائكة بالنسبة لوزارة الداخلية، وخصوصًا بعد أن طعنت مغربية قاصرة شرطيًا في هانوفر (وكانت عائدة من الحدود التركية السورية)، ومساهمة قاصرين اثنين (من أصول مغربية أيضًا) في تفجير معبد السيخ في مدينة ايسن، ومن ثم حادثة الاعتداء بالفأس من قبل أفغاني على راكبي القطار قرب فورتسبورغ في ولاية بافاريا.
وكانت دائرة حماية الدستور في ولاية الراين الشمالي - وستفاليا قدّرت عدد الإسلاميين المتشددين تحت سن 18 سنة بنحو 2700، وذكرت أن 600 منهم تم تصنيفهم كقاصرين مستعدون لممارسة العنف، مع نسبة ترتفع إلى الثلث من المستعدين لارتكاب جنايات خطيرة.
جاء في تقرير لدائرة الإحصاء المركزية الألمانية أن عام 2013 شهد قدوم 6600 قاصر (دون 18 سنة) إلى ألمانيا دون رفقة أحد الوالدين، أو معية أحد الأقارب. وذكر التقرير أن نسبة القاصرين العرب بين هؤلاء الأطفال تضاعفت لأول مرة في ألمانيا منذ عام 2011. وكانت سوريا وليبيا والعراق، وغيرها من البلدان العربية المبتلاة بالحروب والاضطرابات، أكبر مصادر هجرة القاصرين إلى ألمانيا. يضاف إليهم القاصرون من الصومال وإريتريا ومصر وأفغانستان.
ولاحظ التقرير أن عدد القاصرين الوافدين إلى ألمانيا من دون ذويهم تضاعف ثماني مرات عام 2013 عنه في العام 2008. وكان عدد القاصرين الذكور بين هؤلاء الأطفال يبلغ نحو 5900 (89 في المائة)، فيما كان عدد الإناث 700 (11 في المائة). شكل القاصرون من سن تزيد عن 17 سنة 69 في المائة، وكانت نسبة الأطفال دون 16 سنة تبلغ 31 في المائة. وتبلغ حصة العرب من هؤلاء الأطفال ربع المجموع، وأغلبهم من بلدان شمال أفريقيا وسوريا والعراق.
وذكر تيمو شيونبيرغ، من دائرة الهجرة في ولاية هيسن، أن ما يسمى «الربيع العربي» هو مصدر الموجة الجديدة من المهاجرين القاصرين القادمة من البلدان العربية، وخصوصًا من ليبيا وسوريا والصومال. وهم أطفال يرسلهم ذووهم بمفردهم لإنقاذ حياتهم، وبسبب عدم القدرة على تمويل سفر كامل العائلة، أو أنهم أيتام فقدوا ذويهم في الحروب وهاموا على وجوههم في بلدان البحر الأبيض المتوسط.
ومشكلة القاصرين «المختفين» مشكلة أخرى تواجه السلطات الألمانية، رغم علمها بأن بعضهم غادر ألمانيا إلى بلدان اللجوء الأخرى، أو اختفى من دور اللجوء ليختفي في بيوت مواطنين من بلده. وتحدثت وزارة الداخلية الألمانية عن 10 آلاف قاصر اختفى من معسكرات اللاجئين في بلدان الاتحاد الأوروبي، منهم نحو 5000 في ألمانيا. وتستقبل دور الشباب في ألمانيا حاليًا 52 ألف لاجئ دون عمر الـ18 سنة.
وتنتهي جهود رعاية القاصرين المهاجرين بنسبة 79 في المائة بإيوائهم في دور رعاية القاصرين، وتنجح الدوائر في توفير عوائل لحضانة اليافعين جدًا منهم في 18 في المائة من الحالات، وتنال نسبة الـ3 في المائة المتبقية رعاية خاصة مختلفة.
جدير بالذكر أن القاصرين الأفارقة (ضمنهم العرب) يشكلون ربع القاصرين الذين يصلون سويسرا. ورغم أن سويسرا تستقبل أعدادًا أقل بكثير من ألمانيا، ولا إحصائية لها حول أعدادهم وأعمارهم، فإن مدينة بريغ السويسرية استقبلت وحدها 51 قاصرا، بحسب تصريح مارغريت هسلمان، من دائرة الشباب في المدينة. وكان بينهم 15 صوماليًا و17 سوريًا و4 تونسيين.

مجرمون وضحايا في آن واحد

تخشى السلطات الألمانية أن يقع القاصرون ضحية للإسلاميين المتشددين الذين يقدمون لهم المساعدات والعمل، أو ضحية لعصابات الجريمة المنظمة التي تعمل في تجارة البشر والمخدرات والسلاح. ولكن ما سبب كثرة الميول الإجرامية والتطرف الديني بين شباب بلدان الشمال الأفريقي؟ تحدثت ايزابيلا فيرنفيلز، من معهد العلوم والسياسة في المغرب، عن 30 ألف قاصر مشرّد في المغرب، و20 ألفًا في الجزائر. ومعظمهم أبناء غير شرعيين يتعايشون في الشارع مع المجرمين ويتعلمون منهم أساليب السرقة والاحتيال، ومن المحتمل أن نسبة من هؤلاء القاصرين وصلوا إلى أوروبا أيضًا بمساعدة هذه العصابات. ويتحول هؤلاء القاصرون بدورهم إلى ضحايا في أوروبا يرسلون 100 - 200 يورو في الشهر إلى إخوتهم وأقاربهم في الوطن.
العالمة النفسانية الأميركية آن سبيكارد قالت لصحيفة «دي فيلت» الألمانية المعروفة (17-7 الماضي)، بأنها قابلت الكثير من الشباب في حي مولينبيك بالعاصمة البلجيكية في بروكسل، وأجمع كلهم على أنهم بلا أهداف ولا مستقبل. وقالوا: إن «داعش» يمنحهم الأمل والهوية واللحمة والجنس.
يقول رالف ييجر، وزير داخلية الراين الشمالي - وستفاليا، بأن أهالي الأطفال يعرفون ماذا يفعلون، وخصوصًا من الشمال الأفريقي، لأنهم يعرفون أن ألمانيا صنّفت بلدانهم كبلدان آمنة، ولا تمنح حق اللجوء لهم، لكنهم يعرفون أيضًا أن ألمانيا لن تبعد قاصرا.
ويربط خبير الإرهاب الألماني غيدو شتاينبيرغ، من معهد العلوم والسياسة الألماني، بين أعداد العرب، من شمال أفريقيا، في ألمانيا وفرنسا، وظاهرة تعرض فرنسا إلى العمليات الإرهابية أكثر من ألمانيا. ويقول شتاينبيرغ بأن أحد الأسباب يكمن في عدد الملتحقين بتنظيم داعش، لأن عددهم من فرنسا (1700) يزيد عن ضعف عددهم من ألمانيا (700).
وينظر شتاينبيرغ بقلق إلى مشكلة اندماج الأجانب، وخصوصًا من بلدان الشمال الأفريقي، الذين يعيشون شبه مهمشين في ضواحي باريس، وذكر أن ألمانيا تعاني أقل من مشكلة الاندماج، كما أن عدد الأجانب من الجزائر والمغرب وتونس أقل. وللعلم، فإن عدد المقيمين في ألمانيا من بلدان الشمال الأفريقي، وفق إقامات دائمة أو تجنس، كما يلي: المغرب 72 ألفًا، تونس 31 ألفًا، الجزائر 21 ألفًا، وليبيا 13 ألفًا. وهذه الأرقام مأخوذة من دائرة الإحصاء المركزية وحتى نهاية العام 2015.

ليلة «عار» رأس السنة في كولون

أما فيما يتعلّق بليلة «العار»، التي سبقت الإشارة إليها، فعادة يتجمع مئات الآلاف سنويًا على ضفة الراين، بالقرب من كاتدرائية كولون المعروفة بـ«الدوم»، للاحتفال بقدوم العام الجديد بالألعاب النارية. وهذا العام شارك المئات من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين العرب في عمليات السلب والاعتداء الجسدي والتحرّش الجنسي ضد النساء. لقد كانت ليلة قاتمة بالنسبة لسكان ألمانيا من العرب بعدما ارتفعت قضايا التحرش الجنسي ضد النساء إلى أكثر من 600 خلال بضعة أيام.
حوادث مماثلة حدثت في مدينتي هامبورغ وإيسن وغيرهما، وإن بشدة أقل، لكن الشرطة الاتحادية تحدثت لاحقًا عن أكثر من 900 شاب شاركوا في هذه العمليات المسيئة في هذه المدن، وكانت حصة كولون منها أكثر من 600. ومن ثم، تحول تساهل الشرطة في التصدي للاعتداءات الجنسية إلى قضية سياسية، وطالبت المعارضة المسيحية باستقالة وزير داخلية الولاية الاشتراكي، لا سيما أن الاعتقالات التي أعقبت ليلة رأس السنة بقيت بحدود اعتقال 183 في كولون فقط. وكانت تركيبة المعتقلين، المتهمين بالاعتداءات، كالآتي «55 مغربيًا و53 جزائريًا و22 عراقيًا و14 سوريًا و14 ألمانيًا (عرب يحملون الجنسية الألمانية)، بالإضافة إلى آخرين من جنسيات أخرى بينهم 73 طالب لجوء، 36 منهم يعيشون في ألمانيا بشكل غير شرعي، و11 فقط لديهم إقامة في ألمانيا. وكان الآخرون قد قدموا من بلدان قريبة مثل هولندا وبلجيكا».
ويحلل تقرير شرطة كولون شخصيات المتهمين كالآتي: كلهم تقريبًا من الشباب الذين وفدوا إلى ألمانيا في صيف 2015، ويعرف معظمهم بعدم وجود حظوظ لهم في البقاء في ألمانيا وأن التسفير سيكون مصيرهم. لقد خاض كلهم مصاعب جمة وخطيرة في الوصول إلى ألمانيا في قوارب اللاجئين وعبر الحدود الأوروبية. وكلهم تقريبًا من أصحاب السوابق في بلدانهم، ومثلوا أمام القضاة في ألمانيا أيضًا رغم فترة إقامتهم القصيرة. ثم إن معظمهم وفدوا إلى ألمانيا من دون عوائل، وجلّهم من الباحثين عن مستقبل اقتصادي أفضل، ولا تنطبق قوانين اللجوء إلا على بعض السوريين والعراقيين منهم. واعترف معظم المتهمين بأنهم يعانون من مشاكل إدمان كحول ومخدرات، وأنهم يكدحون في ألمانيا كي يرسلوا شيئا من النقود إلى ذويهم في الوطن.

... لا تهاون

هذا، وقبل بضعة أشهر شنّت شرطة ولاية الراين الشمالي - وستفاليا حملة على بيوت المغاربة والجزائريين وكشفت عن العشرات من القاصرين الذين يعيشون لا شرعيًا في البيوت. وأشار متحدث باسم شرطة الولاية إلى اعتقال 9 أفراد بتهم التجاوز على القانون وتهم أخرى. ووضع 471 لاجئًا من المغرب والجزائر في حافلات تحركت بهم في الحال باتجاه أقرب مركز حدودي لاستقبال اللاجئين، وبنية إعادتهم إلى البلدان التي وفدوا منها إلى ألمانيا، أو إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. ونشير هنا أنه سبق لوزير الداخلية الاتحادي توماس دي ميزيير أن زار المغرب والجزائر واتفق مع السلطات هناك على أن يستقبلوا طالبي اللجوء من مواطنيهم، الذين رفضت طلبات لجوئهم.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.