الولايات المتحدة تستهدف مليار دولار من الأصول في قضية الاختلاس الماليزية

المدعون الفيدراليون: الأموال المنهوبة من الصندوق السيادي مولت إنتاج فيلم «ذئب وول ستريت»

لقطة من فيلم «ذئب وول ستريت» الذي يدعي المحققون أنه مول من الأموال المنهوبة من ماليزيا (رويترز)
لقطة من فيلم «ذئب وول ستريت» الذي يدعي المحققون أنه مول من الأموال المنهوبة من ماليزيا (رويترز)
TT

الولايات المتحدة تستهدف مليار دولار من الأصول في قضية الاختلاس الماليزية

لقطة من فيلم «ذئب وول ستريت» الذي يدعي المحققون أنه مول من الأموال المنهوبة من ماليزيا (رويترز)
لقطة من فيلم «ذئب وول ستريت» الذي يدعي المحققون أنه مول من الأموال المنهوبة من ماليزيا (رويترز)

شقة فاخرة يبلغ سعرها 30.6 مليون دولار تقع في تايم وارنر سنتر في حي مانهاتن الشهير بنيويورك، وتطل على حديقة سنترال بارك. وقصر فسيح في لوس أنجليس هيلز يبلغ 39 مليون دولار. ثم قطعة أرض للأغراض السكنية في بيفرلي هيلز يبلغ سعرها 17.5 مليون دولار. قد بيعت كلها بصورة مجهولة، كما أن مصدر التمويل غير معروف.
يوم الأربعاء، وجهت وزارة العدل الأميركية الاتهامات بشأن تلك الممتلكات الفخمة والتي كانت من بين عدة أصول في الولايات المتحدة تبلغ قيمتها الإجمالية أكثر من مليار دولار قد تم شراؤها بأموال مسروقة من صندوق الثروة السيادية في ماليزيا بواسطة أشخاص مقربين من نجيب رزاق، رئيس الوزراء الماليزي الذي تحاصره اتهامات الفساد.
ظهرت التقارير الإخبارية المتعلقة بالثروات المفاجئة وحالات الإنفاق البذخ من جانب أشخاص مقربين من رئيس الوزراء الماليزي مرات تلو المرات على مدى العام الماضي، في خضم تزايد وتيرة الاستياء من حكومته وتحقيقات الفساد الجارية في الداخل والخارج، ولكن المدعين الفيدراليين قدموا النسخة الأكثر تفصيلا عندما تقدموا بشكوى للاستيلاء على الأصول لدى إحدى المحاكم الفيدرالية في ولاية كاليفورنيا.
ووفقا للشكوى المرفوعة، فإن ابن الزوجة، والأصدقاء المقربين، وبعض من مساعدي رئيس الوزراء الماليزي قد حولوا أكثر من 3 مليارات دولار من صندوق الثروة السيادية الماليزي، والمعروف باسم (1MDB)، وجاء بعض من هذه التحويلات المالية من صفقة نفطية عالمية، وبعضها جاء من صفقات لسندات كانت تحت إدارة مؤسسة غولدمان ساكس الأميركية.
بعد ذلك، وكما تقول الشكوى الفيدرالية، قام المذكورون بتحويل أكثر من مليار دولار من الأموال المختلسة إلى الولايات المتحدة باستخدام شركات وهمية وحسابات مصرفية تتبع بعض العملاء لدى مؤسسة شيرمان آند ستيرلنغ القانونية الكبيرة، ثم اعتلوا وبسرعة لافتة للأنظار السلم الاجتماعي الأميركي، وأنفقوا الأموال الكثيرة على الحفلات الفاخرة، ومشتريات الممتلكات العقارية الفخمة، وتمويل إنتاج الأفلام السينمائية على غرار فيلم «ذئب وول ستريت»، وشراء الأعمال واللوحات الفنية لفنانين عالميين مثل بيكاسو ومونيه.
تقول ليزلي آر. كولدويل، مساعدة المحامي العام التي ترأس الشعبة الجنائية بوزارة العدل الأميركية، في مقابلة شخصية «كان مصدر الأموال هو صندوق الثروة السيادية الماليزي وكان من المفترض أن تستخدم في استثمارات من شأنها أن تعود بالنفع على الشعب الماليزي، وما حدث بدلا من ذلك كان فساد المسؤولين الكبار داخل صندوق (1MDB) الماليزي، وغيرهم ممن ضخوا نسبة كبيرة للغاية من الأموال التي بلغت حد 3 مليارات دولار واستخدموها في طرق وأساليب لا تعود بأي نفع يُذكر على الشعب في ماليزيا بخلاف أنفسهم».
وشكوى المصادرة الأميركية، والمرفوعة من قبل وحدة في وزارة العدل تعرف باسم «مبادرة استعادة الأصول الكليبتوقراطية»، تمثل أكبر قضية من نوعها ترفعها وزارة العدل الأميركية، وهي تأتي في وقت مفعم بالقلق المتزايد حول السرية، والشركات الوهمية، والأموال غير المشروعة التي تتدفق في جميع أنحاء العالم.
وفي فصل الربيع الماضي، سلطت تسريبات بنما الشهيرة الأضواء على حسابات شركات الأوفشور السرية والتي تمتلكها حفنة من كبار السياسيين والأثرياء من مختلف دول العالم. وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت مؤخرا أنها بصدد مطالبة البنوك الأميركية بتحديد العملاء الذين يستخدمون الشركات الوهمية في أعمالهم التجارية. وشرعت الوزارة بالفعل في تنفيذ برنامج اختباري خلال هذا الربيع تطالب من خلاله الناس الذين يبتاعون العقارات الباهظة في نيويورك وميامي عن طريق الدفع النقدي والشركات الوهمية بالإبلاغ عن هوياتهم الحقيقية للسلطات.
كانت الولايات المتحدة، إلى جانب حكومات أخرى، بما في ذلك ماليزيا، وسنغافورة، وسويسرا، قد أجرت التحقيقات بشأن صندوق (1MDB) السيادي الماليزي. ولقد بدأت التحقيقات في العام الماضي على خلفية تقرير استقصائي نشر في صحيفة «نيويورك تايمز» بهذا الصدد. وكجزء من تحقيق موسع حول استخدام الشركات الوهمية في مشتريات العقارات الراقية في الولايات المتحدة، تتبعت صحيفة «التايمز» مشتريات بلغت قيمتها نحو 150 مليون دولار من الممتلكات السكنية في مدينة نيويورك ولوس أنجليس، إلى جانب الكثير من الأعمال الفنية، إلى أقارب ومساعدي نجيب رزاق.
ولقد ذكرت وزارة العدل الأميركية أسماء ثلاثة من أولئك الأشخاص في شكواها المرفوعة إلى المحكمة. وأحدهم هو رضا عزيز ابن زوجة نجيب رزاق ومن أحد منتجي الأفلام في هوليوود. والثاني هو ممول يدعى جهو لاو، ومن قدامى أصدقاء عزيز وعائلته. والثالث هو محمد بدوي الحسيني، وهو مسؤول سابق في صندوق حكومي في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، والذي شارك في صفقات مع صندوق الثروة السيادية الماليزي. وأشار المدعون الأميركيون إلى شخصية خادم القبيسي، الذي كان مسؤولا في صندوق ذي صلة في الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب شخصية أخرى من المقربين للاو.
لم توجه الاتهامات بحق الشخصيات المذكورة أسماؤهم في الشكوى الفيدرالية. والمتهمون في قضية مصادرة الأصول هي الممتلكات التي تسعى الحكومة الأميركية للاستيلاء عليها. ولكن شكوى الأصول المرفوعة لا تحول دون توجيه الاتهامات الجنائية.
وأعلنت شركة «ريد غرانيت بيكتشرز» التابعة لعزيز في بيان لها أنها واثقة أنه عندما تظهر الحقائق سوف يكون من الواضح أن رضا عزيز وشركته لم يرتكبا أي أخطاء قانونية.
ولم يستجب لاو، والحسيني والقبيسي لطلبات التعليق من جانب الصحيفة. وفي الماضي، أقر ممثلون عن عزيز ولاو بأن عملاءهم يمتلكون عقارات في الولايات المتحدة ولكنهم أضافوا أنهم لم يفعلوا أشياء غير لائقة.
ولم تأت الشكوى الفيدرالية على ذكر نجيب رزاق، ولكنها تذكر صراحة «المسؤول الماليزي الأول»، في إشارة واضحة إلى مسؤول حكومي رفيع المستوى ذلك الذي أشرف بنفسه على الصندوق السيادي ومن أوثق أقارب عزيز.
وقال تنكو سفير الدين السكرتير الصحافي لنجيب رزاق في بيان صادر في وقت مبكر من يوم الخميس، أن ماليزيا سوف تتعاون مع أي تحقيقات قانونية، وإذا ثبت ارتكاب أي مخالفات قانونية: «سوف يتم تطبيق القانون من دون استثناء». وقال أيضا بأن الصندوق السيادي الماليزي كان قيد الكثير من التحقيقات داخل البلاد وأن السلطات لم تعثر على أي جرائم مرتكبة.
يعد الأثر الفوري لإجراءات وزارة العدل الأميركية هو تجميد التعامل على الأصول المذكورة. وعملية المصادرة من العمليات المطولة. أولا، يجب على المحكمة التأكد أنه ليس هناك طرف معني آخر يملك حق المطالبة بتلك الأصول. وبمجرد تحديد الملكية الحقيقية للأصول، يجب على المحكمة أن تقرر ما إذا كانت الأموال المستخدمة في شراء تلك الأصول كانت، في حقيقة الأمر، قد تم الحصول عليها بصورة غير مشروعة. وعند هذه المرحلة فقط يمكن للحكومة الأميركية الاستيلاء على تلك الأصول بشكل دائم.
وعلى المدى القريب، قد تسبب الإجراءات الحكومية الأميركية المزيد من الضغوط على كاهل نجيب رزاق، والذي استخدم صلاحياته السلطوية في إيقاف التحقيقات الداخلية بشأن صندوق الثروة السيادي الماليزي وأزاح عن طريقه مسؤولين عاملين في الحزب الحاكم كانوا قد وجهوا الانتقادات إليه من قبل.
أنشئ صندوق (1MDB) السيادي في عام 2009 باعتباره «شركة تنمية استراتيجية» لاستثمار الأموال العامة الماليزية، أي الثروة النفطية في المقام الأول، وفي مشروعات تعود بالنفع على البلاد. ولقد ساعد لاو في إنشاء نسخة مبكرة من الصندوق.
وذكرت صحيفة «التايمز» العام الماضي أن لاو كان ضالعا بصورة سرية في معاملات كبيرة مع شركة نفطية صغرى تحمل اسم «بتروسعودي الدولية» والصندوق السيادي الماليزي، والذي كان تحت قيادة نجيب رزاق بوصفه رئيس وزراء البلاد. ثم ساعد لاو في وقت لاحق ابن زوجة رئيس الوزراء في شراء العقارات داخل الولايات المتحدة باستخدام الشركات الوهمية وتمويل شركته للإنتاج السينمائي.
ووثق تحقيق صحيفة «التايمز» نقل الملكيات العقارية ما بين لاو وعزيز، بما في ذلك أحد العقارات في طريق هيلكريست في بيفرلي هيلز والذي أبرمت صفقته تحت ستار إحدى الشركات الوهمية، ومن غير نقل للممتلكات مسجل في السجلات العامة الأميركية، إلى جانب الدور الذي لعبه لاو في للمساعدة في تمويل شركة الإنتاج السينمائي الخاصة بعزيز.
وكانت تلك المعاملات واحدة من عدة معاملات أخرى جرت باستخدام الشركات الوهمية والتي أفردت تفاصيلها في شكوى وزارة العدل الأميركية.
وأرخت الشكوى الرسمية الأميركية وبدقة لأحداث قضية الاختلاس الكبرى، من حيث تدفقات الأموال من الخارج، وحتى حالات الإنفاق الباذخة داخل الولايات المتحدة.
وذكر المدعون الفيدراليون الكثير من المعاملات المهمة التي تتضمن صندوق (1MDB) السيادي، بما في ذلك المعاملة المتعلقة بشركة «بتروسعودي الدولية». وفي تلك المعاملة تحديدا، كما ذكرت الشكوى الفيدرالية، سرق مسؤولو صندوق (1MDB) السيادي ومساعدوهم ما يقرب من مليار دولار من الأموال التي كان من المفترض أن تستخدم في التنقيب عن النفط. وبالإضافة إلى ذلك، تم سرقة ملياري دولار أخرى عن طريق عروض السندات للصندوق السيادي في عام 2012 وعام 2013 والتي كانت تحت إدارة مؤسسة غولدمان ساكس الأميركية، كما ذكرت الشكوى.
ثم، ووفقا لأعضاء النيابة العامة الأميركية، كان لاو وآخرون ضالعين في عملية الاختلاس عن طريق تحويل ملايين الدولارات إلى حسابات الضمانات الخاصة بمؤسسة شيرمان أند ستيرلنغ القانونية. والبنوك في العموم لا تطبق العناية الواجبة حيال العملاء من المؤسسات القانونية ومكاتب المحاماة، حيث يتركون تنفيذ هذه الخطوة إلى المؤسسات القانونية نفسها.
ولم توجه الشكوى الاتهامات بارتكاب أي مخالفات بحق شركة «بتروسعودي الدولية» النفطية، أو مؤسسة غولدمان ساكس، أو مؤسسة شيرمان أند ستيرلنغ القانونية. ولم تستجب تلك المؤسسات إلى طلبات التعليق الصادرة من قبل صحيفة «التايمز» يوم الأربعاء. ولم توجه الاتهامات أيضا بحق صندوق (1MDB) السيادي بارتكاب أي مخالفات، وقال الصندوق في بيان رسمي إنه كان يتعاون بالكامل مع جهات التحقيق.
ووفقا للشكوى المرفوعة، في الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) عام 2009 وحتى يونيو (حزيران) عام 2010، كان قد أنفق أكثر من 85 مليون دولار من الأموال المسروقة على لعب القمار في مدينة لاس فيغاس، واستئجار الطائرات الخاصة، واليخوت، ومدفوعات إلى أناس آخرين.
وقالت الشكوى أيضا إن 150 مليون دولار قد استخدمت في شراء العقارات الفاخرة في نيويورك وكاليفورنيا جاءت من صفقة أبرمت مع شركة «بتروسعودي الدولية»، كما جاء 44.8 مليون دولار من نفس الشركة لشراء فندق في بيفرلي هيلز، و35.4 مليون دولار لشراء طائرة خاصة.
والأموال الناتجة عن صفقات السندات الخاصة بمؤسسة غولدمان ساكس، كما يقول المحققون الفيدراليون، قد استخدمت في شراء ما قيمته 130 مليون دولار من الأعمال الفنية المعروضة في المزادات، إلى جانب الاهتمام بشراء الحقوق الموسيقية في شركة «إيمي» البريطانية للتسجيلات الموسيقية. كما ساعدت تلك الأموال أيضا في تمويل إنتاج فيلم «ذئب وول ستريت»، كما قالوا.
ووفقا للشكوى، كانت أموال عروض السندات توضع في حساب لشركة وهمية في جزر فيرجن البريطانية ثم يتم تحويلها بعد ذلك إلى بشكل جزئي إلى شركة «ريد غرانيت بيكتشرز». ولقد قال عزيز والحسيني من قبل لصحيفة «التايمز» إن تمويل إنتاج الفيلم جاء من الأموال الشخصية للحسيني، كما ذكرت الشكوى، على الرغم من أن مصدر الأموال بالأساس هو صندوق (1MDB) السيادي الماليزي.
وفي مدينة نيويورك، كان تمويل شراء الشقة الفاخرة في تايم وارنر سنتر قد نشأ عن صندوق (1MDB) السيادي، وتم تمرير الأموال عبر صفقة شركة «بتروسعودي الدولية»، كما قالت الشكوى. ولقد تم نقل الأموال عن طريق حسابات في الكثير من الدول ولكنها استقرت في نهاية المطاف في حساب مؤسسة شيرمان أند ستيرلنغ القانونية للعميل الذي يحمل رقم «37103 – الشؤون الاستثمارية المتفرقة».
ولقد رفعت وزارة العدل الأميركية دعاوى كليبتوقراطية أخرى بحق أبناء رؤساء دول، بما في ذلك إحدى الدعاوى التي تتعلق بكريمة رئيس أوزبكستان. وفي كثير من الحالات، وجد مسؤولو وزارة العدل الأميركية أن الشركات الوهمية قد سهلت كثيرا تدفق الأموال غير المشروعة وجعلت الأمر بإيقافها أكثر صعوبة. أما القضية الماليزية فلا تعتبر من الاستثناءات بحال كما قالت كولدويل.
وتابعت كولدويل تقول: «تعتبر هذه القضية من الأمثلة الممتازة على كيفية استخدام الشركات الوهمية من جانب المجرمين والفاسدين وغيرهم في سرقة أو إخفاء أو غسل الأموال، وتجعل من الصعوبة للغاية إنفاذ القانون ومعرفة من يسيطر على تلك الأموال. وإنها لمشكلة كبيرة على مستوى العالم كما أنها مشكلة معتبرة داخل الولايات المتحدة كذلك».

* خدمة {نيويورك تايمز}



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.