عدن تتحدى الصعوبات المالية والإدارية بمجلس اقتصادي

المحافظ يكشف لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل وأهداف وخطوات الإصلاح المرتقب

جانب من مدينة عدن التي استعادتها الشرعية منذ عام وتسعى الحكومة لإنعاشها اقتصاديا (رويترز)
جانب من مدينة عدن التي استعادتها الشرعية منذ عام وتسعى الحكومة لإنعاشها اقتصاديا (رويترز)
TT

عدن تتحدى الصعوبات المالية والإدارية بمجلس اقتصادي

جانب من مدينة عدن التي استعادتها الشرعية منذ عام وتسعى الحكومة لإنعاشها اقتصاديا (رويترز)
جانب من مدينة عدن التي استعادتها الشرعية منذ عام وتسعى الحكومة لإنعاشها اقتصاديا (رويترز)

تعكس الأجواء الساخنة التي تعيشها مدينة عدن، ونقص الكهرباء الحاد، مدى حاجة المواطن اليمني إلى دفعة اقتصادية تنعشه قليلا. ولا تعدو هذه الملاحظة إلا انعكاسا لما يصبو إليه المواطنون الذين للتو أنهوا سنة واحدة بعد سيطرة الانقلاب على محافظتهم.
وتتحرك الحكومة اليمنية في الاتجاهات كافة التي قد تحدث فارقا أفضل، وأجرت عشرات اللقاءات والاجتماعات، إلى جانب الخطوات المبدئية لإنقاذ الوضع في المناطق المحررة، ولعل أبرزها، استحداث المجلس الاقتصادي في محافظة عدن.
حيال ذلك، كشف اللواء عيدروس الزبيدي محافظ عدن، لـ«الشرق الأوسط» عن جملة أهداف ورؤى متعلقة بالمجلس، وفصل في حديث خاص، أبرز نقاط التركيز التي سيتخذها المجلس الاقتصادي في عدن، برئاسته.
الزبيدي يؤكد بأن تشكيل مجلس اقتصادي للعاصمة المؤقتة عدن يأتي للمساعدة في حل الأزمات الاقتصادية المفتعلة من قبل الانقلابين، وتحسين مستوى الدخل الإيرادي، لافتًا إلى أن اجتماع المجلس سيكون بشكل دائم لمواجهة التحديات الاقتصادية كافة التي تواجه العاصمة عدن على حد قوله.
وتتمثل مهام المجلس الاقتصادي، في الإشراف العام على نشاط المؤسسات الاقتصادية في العاصمة المؤقتة عدن، ورفع مستوى أداء المؤسسات وتنمية مواردها وضمان حسن استخدامها، إلى جانب عمل آلية تضمن تدفق موارد المؤسسات بانتظام إلى الحسابات المصرفية المعتمدة ومنها حساب السلطة المحلية.
وأوضح محافظ عدن أن قرار إنشاء المجلس الاقتصادي في هذه المرحلة الحرجة يأتي بعد أن دمرت المؤسسات والمكاتب الإيرادية تدميرا ممنهجا، وقال: «أصبحت المؤسسات مليئة بالفساد».
ولأن الاقتصاد والتنمية من العوامل المهمة في تطوير وبناء العاصمة عدن من خلال الإيرادات وتحسين أداء هذه المكاتب وتقديم الدراسات التي من شأنها أن تنهض بعدن بشكل كبير وسريع، قال الزبيدي إن المجلس يضع في أبرز أهدافه تحقيق ذلك.
واستطرد المحافظ بالقول إن المرحلة التي تعقب مرحلة تثبيت الأمن والاستقرار لعدن والتي بذلت فيها السلطة المحلية جهودا كبيرة وحققت من خلالها إنجازات ملموسة في استتباب الأمن والاستقرار، وجب أيضا أن يولى العامل الاقتصادي أهمية مماثلة في هذه المرحلة، ولتحقيق المهام الاقتصادية وتحسين الإيرادات ولإشراك كل الكفاءات والمختصين جاءت أهمية تشكيل المجلس الاقتصادي لانتشال عدن من وضعها الاقتصادي المتدهور جراء الحرب الظالمة التي شنتها ميليشيا الحوثيين وقوات المخلوع صالح على عدن والجنوب.
ولفت الزبيدي إلى مهام أخرى للمجلس، ومنها إقرار آلية عمل منظمة للصرف من الميزانيات التشغيلية للجهازين المدني والأمني في عدن، فضلا عن عمليات الرقابة على مستوى أداء كل مؤسسة، إلى جانب رفع التقارير الدورية للحكومة على النمط الذي يقره المجلس.
وسيستعين المجلس بعدد من المختصين الأكفاء في سبيل إنجاز مهامه على أكمل وجه، وفقا للزبيدي، الذي جدد تأكيده بأن قرار تشكيل المجلس الاقتصادي لعدن جاء بعد سلسلة لقاءات مع الجهات الإيرادية ذات الاختصاص، آخرها الاجتماع الموسع الذي عقده المحافظ الزبيدي «الأحد» الماضي مع مديري ورؤساء المكاتب والهيئات والمؤسسات والمصالح الإيرادية في عدن والذي خرج بقرار تشكيل المجلس الاقتصادي لإدارة العملية الاقتصادية والتنموية والإيرادية والتغلب على الصعوبات والتحديات التي تعيشها العاصمة المؤقتة والحيلولة دون تفاقمها واتساعها.
بدوره، وصف الدكتور سعودي علي عبيد أستاذ الاقتصاد بجامعة عدن تشكيل المجلس الاقتصادي في عدن الخطوة الضرورية والمهمة على طريق إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والإدارية والخدمية في عدن والتي تضررت كثيرًا بسبب الحرب التي أشعلها تحالف صالح والحوثيين، وتسببت بتدمير كثير من البنية التحتية والمؤسسات، وتم تعطيل فاعلية مؤسسات أخرى على حد قوله.
واستطرد في حديث لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: بسبب استمرار الحرب، وبسب المركزية الإدارية والمالية التي كانت متبعة، فقد أثر ذلك كثيرًا على المناطق المحررة ومنها عدن، موضحًا بأن صعوبات كثيرة ما زالت تعاني منها عدن حتى الآن، وخاصة في الجوانب الاقتصادية والإدارية والخدمية.
وأكد عبيد بأن تشكيل المجلس الاقتصادي في عدن يعتبر خطوة هامة، مشيرا إلى أن أبرز المهام التي تنتظر المجلس هي الإسراع في إعادة تشغيل المؤسسات الاقتصادية والخدمية وكذا ضرورة إعادة تقييم المؤسسات الاقتصادية في عدن، إلى جانب تصحيح الوضع القيادي في إدارات المؤسسات الاقتصادية والخدمية وإعادة تأهيلها، وكذا دراسة الطرق الممكنة التي من خلالها يتم تفعيل نشاط أهم المؤسسات الاقتصادية الإيرادية من أجل تحسين النشاط الاقتصادي، وزيادة الإيرادات المالية للمؤسسات الاقتصادية، بالإضافة إلى العمل على إقامة وإنشاء مؤسسات اقتصادية جديدة قادرة على المساهمة الفاعلة في رفد ميزانية عدن بالإيرادات المالية الضرورية.
ويضم المجلس الاقتصادي الذي تشكل برئاسة المحافظ عيدروس الزبيدي نخبة من الخبراء الاقتصاديين وأكاديميين من جامعة عدن وكفاءات متمكنة تعمل بعدد من المرافق والمكاتب الإيرادية في المدينة وتمتلك خبرات اقتصادية طويلة، حيث يهدف تشكيل المجلس إلى مواجهة التحديات الاقتصادية المفتعلة من قبل الميليشيات الانقلابية من تحالف الحوثيين والمخلوع صالح.
المتخصصة في الإدارة والاقتصاد الدكتورة ليلى قائد أكدت في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الأزمات المفتعلة في عدن على حد قولها خلقت أجواء ساخطة وزادت من معاناة المواطنين في مجالات الحياة المختلفة، مضيفة: نحن إذ نقول أزمات مفتعلة كونها لم تكن حاضرة بهذه الحدة في الماضي القريب وإبان حرب الحوثي العفاشي الظالمة على عدن والجنوب، كما أضافت: نحن نؤيد ونبارك الخطوة الفاعلة في تشكيل مجلس اقتصادي للعاصمة عدن للمساعدة في حل الأزمات الاقتصادية المفتعلة من قبل دعاة الحرب وتحسين الدخل الإيرادي كون عدن والجنوب زاخرة بالموارد الاقتصادية والكوادر الاقتصادية النزيهة، مشيرة إلى أن ذلك يأتي من أجل تحسين المستوى المعيشي وتحقيق الحياة الكريمة لأبنائنا، وسعيا وراء تحقيق الهدف المنشود في استعادة دولة الجنوب العربي لأننا أصحاب الأرض والعرض.
وأردفت ليلى قائد وهي أستاذة جامعية بكلية العلوم الإدارية جامعة عدن بالقول: من جملة الأزمات المفتعلة في عدن والجنوب يمكننا تلخيص عدد من المعالجات تتمثل في تدعيم المجلس الاقتصادي بالخبراء والمستشارين والأكاديميين الاقتصاديين المشهود لهم بالنزاهة، وتزويد جهاز الاستخبارات بأحدث الأجهزة التقنية الاستخباراتية وبقيادات وكوادر جنوبية مؤهلة، وأيضًا توريد جميع الإيرادات إلى خزينة البنك المركزي في عدن في ظل سلطة محلية منفصلة عن السلطة المركزية في صنعاء.
كما شددت على إعادة التعيينات الإدارية والمالية في المرافق وفق معايير وضوابط مهنية، وكذا تعيين رئيس جامعة عدن كونها الصرح الأعلى في بناء القاعدة العلمية التي تخدم التنمية في بلادنا، ودعت إلى إنشاء صندوق مالي لدعم النظافة التي تعكس ملامح الحضارة للبلاد، مؤكدًا على ضرورة إجراء مسح بالعينة للأسرة في الجنوب لمعرفة جملة الخصائص الديموغرافية الخاصة فيها ومنها معرفة حجم ومعدل البطالة ليتم معالجته واستغلال الطاقات المهدورة لشبابنا، وكذلك إعادة تفعيل الأجهزة القضائية والرقابية والمحاسبية والإحصائية وغيرها بعيدا عن السلطة المركزية في صنعاء.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.