هل فقد ستيفن سبيلبرغ بصمته؟

«عملاق» المخرج يخطف الفتاة.. ويخسر الجمهور

العملاق والفتاة الصغيرة: لقطة من The BFG - ستيفن سبيلبرغ يخرج مشهد الملكة
العملاق والفتاة الصغيرة: لقطة من The BFG - ستيفن سبيلبرغ يخرج مشهد الملكة
TT

هل فقد ستيفن سبيلبرغ بصمته؟

العملاق والفتاة الصغيرة: لقطة من The BFG - ستيفن سبيلبرغ يخرج مشهد الملكة
العملاق والفتاة الصغيرة: لقطة من The BFG - ستيفن سبيلبرغ يخرج مشهد الملكة

لم يعد خافيًا أن «العملاق الكبير الودود» ((The Big Friendly Giant واختصارًا كما عنوان الفيلم رسميًا «The BFG» سقط في عروضه التجارية منذ افتتاحه في الأسبوع الماضي. وبينما ينتظر صانعو الفيلم نتائج عروضه العالمية، فإن تلك الأميركية انتهت إلى 26 مليون دولار وحل الفيلم رابعًا وراء الفيلم الكرتوني «إيجاد دوري» (المتمرس في المركز الأول منذ ثلاثة أسابيع) و«أسطورة طرازان» الفانتازي، و«التطهير: سنة الانتخابات» المرعب. أمر غير معتاد لفيلم من إخراج ستيفن سبيلبرغ!
كل مخرج له كبوته ولو كان سبيلبرغ، وهذا كان شهد أكثر من كبوة في الواقع. أولها فيلم «1941» سنة 1979، لكن ذلك الفيلم تكلّف 35 مليون دولار بينما تكلف الفيلم الحالي 150 مليونًا بالإضافة إلى نحو 80 مليون دولار للدعاية وشؤون الإعلام والترويج.
إيرادات «توايلايت زون» (1987) و«دائمًا» (1989) و«أميستاد» (1997) كانت بدورها معتدلة للغاية، لكن كلفة الواحد من هذه الأفلام لم تتجاوز الأربعين مليون دولار. فما هو المختلف اليوم عما كانت عليه الحال في تلك الآونة؟
* باعث الأحلام
«العملاق الكبير الودود» فانتازيا مأخوذة عن رواية لرولد دال المنشورة سنة 1982. وهي ليست المرّة الأولى التي يتم تحقيق هذه الرواية فيلمًا للشاشة، بل سبق وأن أقدم البريطاني برايان كوزغروف على تحقيق مسلسل تلفزيوني مأخوذ مباشرة وبأمانة (كحال هذا الفيلم) من تلك الرواية. كما أن عددًا من روايات دال الأخرى تم تحويلها إلى أفلام سينمائية مثل «الساحرات» (1990) و«ماتيلدا» (1996) وخصوصًا روايته الأشهر والأنجح إقبالاً «ويلي وونكا ومصنع الشوكولا» التي أنجزها سنة 1971 الأميركي مل ستيوارت وعاد إليها سنة 2005 تيم بيرتون في نسخة أفضل. كذلك صنع وز أندرسون عملاً جديرًا بالإعجاب سنة 2009 مأخوذ عن رواية دال «فانتاستيك مستر فوكس».
الحكاية تدور حول العملاق الطيب الذي يختطف فتاة صغيرة اسمها صوفي (أهدى دال هذه الرواية إلى ابنته أوليفيا وسمّى بطلتها الصغيرة، صوفي، على اسم حفيدته) إلى حيث يعيش في بعض الجبال العالية. إنه عملاق ودود ولا يأكل البشر على عكس عادة شعب من العمالقة (أكبر حجم منه) وصداقة متينة تنمو بينهما قبل أن تسهل له الفتاة الوصول إلى ملكة بريطانيا التي تتعرّف عليه في قصرها، قبل أن تأمر فتنطلق طائراتها للقبض على تلك الوحوش. طريقة التواصل منذ البداية هي الحلم، فالعملاق يوعز بالأحلام عبر آلة نحاسية (كالترومبيت) وعندما يكتشف أن الفتاة اليتيمة (روبي بارنهل) شاهدته يخطفها ليبقي أمره سرًا. أما تواصله مع الملكة فيتم ببث الحلم أيضًا، قبل أن تقوم صوفي بمهمة التعريف.
كل ما نراه في فيلم سبيلبرغ هو ما قرأناه في هذه الرواية، فالاقتباس أمين إلى حد كبير وقامت به مليسا ماثييسون التي كانت كتبت «إي تي: الخارج عن الأرض» سنة 1982 (السنة التي ظهرت رواية دال هذه). لم تكتب للسينما كثيرًا بعد ذلك لكن علاقتها بفيلم «إي تي» كان من بين الأسباب التي دفعت كثيرًا من النقاد لإجراء مقارنة بين الفيلمين على أساس أنهما يتداولان موضوعًا شبيهًا: مخلوق غريب قد يثير الخوف لكنه في الواقع صديق للصغار. لكن الواقع أن الفيلمين يتباعدان فيما عدا هذا الخط النحيف بينهما.
وهذا التباعد قد يكون سببًا خفيًا في انحسار الجمهور الكبير الذي أحاط، سابقًا، أفلام سبيلبرغ بإقبال حاشد. لأن الاحتمال الكبير هو أنه لو قام سبيلبرغ اليوم بتحقيق جزء ثان من «إي تي» عوض The BFG لكان استعاد ذلك الجمهور الكبير على الفور. المشكلة بين العملين هي أن الحماس والحوافز الإثارية التي شهدها الفيلم السابق، مفقودة إلى حد بعيد من هذا الفيلم الجديد.
* الحس المفقود
أيامها كانت المؤثرات البصرية ما زالت أكثر تواضعًا وأقل هيمنة على روح الشخصيات، بل وروح المخرج الذي يتعامل معها. العناية الكبرى كانت لا تزال من نصيب الشخصيات البشرية من ناحية وابتداع مواقف يفعّل فيها المخرج دور الكاميرا كعين المشاهد القريبة مما يدور. في هذا الفيلم، العكس هو السائد. كل مشهد في ساعتي الفيلم، هو تذكير بما وصلت إليه الخدع والمؤثرات (تم تصوير شخصية العملاق التي قام بها مارك رايلانس بأسلوب «موشن كبتشر» القائم على تصوير الممثل فعليًا ثم إدخال النتيجة الكومبيوتر وإعادة صنعه بالشكل المرغوب). إلى ذلك، فإن الحوار الكثيف ووقوع معظم الأحداث في مكان واحد أجهز على تلك الروح الأولى التي مارسها سبيلبرغ في أفلامه السابقة (أو معظمها على الأقل).
في كل هذه الفترة السابقة للقاء العملاق الودود بالملكة البريطانية لا يقع الكثير من التنويع ولا توجد أحداث حقيقية باستثناء مداهمة العمالقة الأشرار لمكان العملاق بحثًا عن الفتاة لالتهامها (لماذا لا يلتهمونه هو كونه أصغرهم حجمًا؟). أما الانتقال إلى قصر الملكة وما يقع فيه من أحداث فإنه نقطة منحدرة أخرى حتى على صعيد أعمال سبيلبرغ عمومًا. المشاهد مطوّلة والنبرة كوميدية القصد والمعالجة لكنها لا تُضحك حتى عندما يستنجد المخرج بمشهد تعرض الملكة وكل من حولها إلى غازات معوية نتيجة مشروب دعاها العملاق لشربه.
أين سبيلبرغ السابق الذي كان يعرف ما يختار ويحرص على حس المغامرة وما تتطلبه من تنوّع المفارقات وتعدد الأحداث وقبل ذلك وبعده كيفية إثارة المشاهدين لعالمه المعروض؟ «العملاق الودود» هو فانتازيا تمامًا كحال «جوراسيك بارك» و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» و«إي تي» و«إنديانا جونز» وسواها، لكن من دون الإثارة التي عرفتها كل تلك الأعمال السابقة. الجانب الآخر من أعمال سبيلبرغ هي تلك الواقعية أو الجادة. وهو حقق فيها أيضًا نجاحات كبيرة، كما حال «لائحة شيندلر» (1993) و«إنقاذ المجند رايان» (1998) و«ذا ترمينال» (2004) و«ميونيخ» (2005).
العامل المشترك الموجود بين أفلامه الخيالية (حتى هذا الفيلم) وأفلامه الواقعية هو شغفه العاطفي بمصائر أبطاله، خصوصًا الصغار. هذا موجود في هذا الفيلم إنما لا يكاد يظهر لكل الأسباب الآنفة الذكر، لكنه كان بارزًا ومحوريًا في «إمبراطورية الشمس» (1987) و«إي تي» (1982) وفي مشهد الفتاة الصغيرة الهاربة من الاعتقال النازي في «لائحة شيندلر» (1993) ضمن أماكن أخرى.
جزء من فشل «العملاق الكبير الودود» يكمن في موقف جماهيري حتى من قبل معرفته بتفاصيل العمل والاطلاع عليه. هذه الأسباب السلبية المذكورة هنا كانت ستؤدي لانحسار الإقبال بعد أسبوع أو أسبوعين (كما حدث مع «لينكولن» قبل ثلاثة أعوام مثلاً)، لكن الجمهور الذي لم لا بها مسبقًا اتخذ موقفًا من الفيلم لن تتبلور أسبابه الخاصة ولا تداعياته إلا لاحقًا.
ربما سرعة انتقال الرأي السلبي بين الناس عبر «تويتر» و«فيسبوك» سببًا مهمًا، لكن يبقى أن الكهرباء لم تمس الغالبية وأن الناس لم تتدافع لتكتشف بنفسها، وأن اسم سبيلبرغ لم يكن ضمانة هذه المرّة كما في غالبية المرّات السابقة.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز