الإخوان في مفترق طرق.. والانقسامات تتسع

«الشرق الأوسط» تنشر مراسلات سرية لقادة الإخوان تكشف عن حجم الخلافات والصراعات

مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري
مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري
TT

الإخوان في مفترق طرق.. والانقسامات تتسع

مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري
مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري

أثار القرار الجريء الذي اتخذته حركة النهضة التونسية بفصل الدين عن السياسة تساؤلات عما إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر ستسير على خطى النهضة. إذ يرى المراقبون أن الأزمة الحالية التي تمر بها الجماعة في مصر قد يدفع قادتها إلى التفكير في اتخاذ خطوة مماثلة.
وبينما أشارت بعض القيادات الإخوانية في المنفى إلى دراستهم لفكرة فصل الأنشطة السياسية عن الدينية، في حين رفض آخرون الفكرة باعتبارها غير واقعية وغير قابلة للتطبيق. وبغض النظر عما ستؤول إليه المناقشات الجارية حاليا حول القضية، على افتراض أنه قيد النقاش، فإن الحركة ستواجه الكثير من العقبات التي ستحول دون اتخاذ قرار مماثل لحزب النهضة.
في غضون ذلك، قال خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية إن «الانقسامات داخل صفوف الإخوان ستمتد لأعوام قادمة.. وإن المشهد داخل الجماعة (مفكك) فضلا عن تصارع 4 تيارات». بينما تنشر «الشرق الأوسط» مراسلات سرية لقادة الإخوان حصلت عليها من عدة دول، تكشف عن حجم الخلافات والصراعات، ومطالبات البعض بضرورة وجود حلول سريعة لأحوال الجماعة التي باتت غير واضحة المعالم.
ويشار إلى أن دعوة «فصل الدين عن السياسة» داخل الإخوان ليست بالجديدة، فالكثير من القيادات الإسلامية مثل محمد سليم العوا وطارق البشري وعبد الله النفيسي، حثوا جماعة الإخوان المسلمين على ترك السياسة والتركيز على الدعوة والتربية. وكان السبب الرئيسي وراء انشقاق حزب الوسط عن جماعة الإخوان المسلمين عام 1996 هو تحول الحركة إلى كيان سياسي، إذ قال رئيس حزب الوسط في مقابلة صحافية أجريت معه مؤخرا إن «نشاط الإخوان المسلمين ينبغي أن يقتصر على الدعوة».
ومنذ الأربعينات من القرن الماضي، دست جماعة الإخوان أنفها في كل المناحي السياسية. والمزج بين الدين والسياسة ليس بالأمر الغريب على أعضاء الجماعة، كما قد يبدو للعين الخارجية؛ بل على العكس تماما، فالإخوان تفتخر بمزج الدين والسياسة كجزء من آيديولوجيتها الشاملة، فالإسلام في وجهة نظر حسن البنا المؤسس وأعضاء الإخوان المسلمين دين شامل يغطي كافة مناحي الحياة، بما في ذلك النواحي السياسية.
من جهته، قال د. كمال الهلباوي الأمين العام السابق للتنظيم العالمي لـ«الإخوان» في الغرب عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان حاليا في اتصال هاتفي أجرته معه «الشرق الأوسط» من لندن إن جماعة الإخوان المسلمين، ليس لها أي وجود حاليا في مصر بحكم القانون، موضحا أن الجماعة مصنفة في مصر حاليا تنظيمًا إرهابيًا، ولم يعد لها مقر للقيادة، وجميع مقراتها تخضع للحكومة المصرية.
وصنفت الحكومة المصرية، الإخوان كجماعة إرهابية، وتشير المعلومات إلى تحول قطاع عريض من شباب جماعة الإخوان والتيار الإسلامي الرافض لعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى تبني العنف.
وأضاف الهلباوي أن قيادات الجماعة إما في السجون أو هاربون للخارج، ولا أحد يقود الشباب في مصر، لافتا إلى أن قيادة الجماعة وهو محمود عزت غير معروف محل إقامته، ويقال: إنه هارب في الخارج، في تركيا أو غزة، وقال ردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» أين محمود عزت، بأنه سؤال أمني في المقام الأول لا يستطيع الإجابة عنه، موضحا أن قادة الجماعة تتركز صراعاتهم حاليا على الاستئثار بالسلطة والإعلام والمال من جهة تبرعات أعضاء الجماعة، والنفوذ والعلاقات الخارجية حيث يوجد الإخوان في الغرب وإسطنبول وقطر. وعن المال قال الهلباوي: «نعم هناك أموال بيد القيادات في الخارج، وهناك صراع أيضا للاستحواذ عليها».
ونوه بأن قيادة الإخوان لم تكن سرية طوال تاريخها، ولا تعمل من الخارج، مشيرًا إلى أن الصراعات على المناصب والأموال تضرب الجماعة الآن، لا سيما في ظل انشطارها إلى ثلاث مجموعات، مؤكدا أن جميعهم يبتعدون عن منهج الإمام المؤسس حسن البنا؛ بل ربما يتمسحون به من أجل إضفاء الشرعية ومحاولة الاستئثار بالسلطة.
وأوضح أن المجموعة الأولى هي الأقوى بحكم أنها تضم القيادات التاريخية، وتتحكم في أموال الجماعة، وتضم المرشد العام الجديد محمود عزت، ومحمود حسين الأمين العام للجماعة، والقيادات التي تعمل في لندن.
فيما قال أحمد بان الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط»، إن الانشقاقات التي تشهدها جماعة الإخوان في مصر وتركيا وسوريا تدل على انتقال الجماعة من حالة التماسك الفكري والوحدة التنظيمية إلى حالة من حالات التململ من طول الجمود الفكري والتنظيمي، والتعاطي مع الواقع المتغير في كل هذه الدول، بالشكل الذي يكاد ينتج مدارس فكرية وتنظيمية جديدة تختلف تماما عن الشكل القديم الذي عرفنا به جماعة الإخوان عبر عقود، مضيفا: أن الجماعة تعرضت لأكثر من زلزال تنظيمي، فقدت الحكم بعدما وصلت إليه في بعض البلدان، شاركت في الحياة السياسية وحصلت على ثقة الناخبين في بلدان أخرى، ودخلت الحكومة في بلدان.. هذا التباين في التجربة أنتج هذا التشظي أو الانقسام الذي لا أظن أنه سوف يتوقف؛ بل قد تمتد حالة السيولة في الانقسام لأعوام قادمة، قبل أن يحدث التجدد المعنوي والسياسي والتنظيمي والتفاعل مع الواقع بصيغة جديدة.
وتشهد جماعة الإخوان حالة من الانقسام والصراع داخليا، بالتزامن مع تعرضها لضربات أمنية وسياسية قاسية في مصر والدول العربية، لا سيما مع تصنيفها تنظيما إرهابيا في نهاية العام 2013 في مصر، واتخاذ دول الإمارات والمملكة العربية السعودية القرار نفسه لاحقا.
ومع اشتداد الضربات الأمنية ضد الإخوان، وتعرض غالبية القيادات للسجن، ولا سيما المرشد العام محمد بديع، وخيرت الشاطر، ومحمد البلتاجي، ورشاد البيومي نائب المرشد ومهدي عاكف المرشد السابق بالإضافة إلى الرئيس المخلوع محمد مرسي، والآلاف من الأعضاء، تترنح الجماعة وصارت تعاني الانقسامات، خاصة أنها تقع تحت قيادة محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام، وهو شخصية غير محبوبة في أوساط شباب الجماعة، ويحمّلونه مسؤولية انهيارها. وانقسمت الجماعة إلى جماعتين أساسيتين، هما الجماعة التي يقودها محمود عزت، وهي الجماعة الأكبر والأكثر عددًا، بسبب سيطرة عزت على أموال الجماعة، واستخدامها في تقريب الشباب إليه.
ويقود الجماعة الثانية، محمد كمال ومحمد منتصر، وتضم هذه الجماعة غالبية الشباب الرافضين للمسلك الحالي للجماعة، لكنهم ليسوا في قوة ونفوذ جماعة محمود عزت.
غير أن القاسم المشترك بين المجموعتين، أن قياداتهما هاربون للخارج، ويقيمون ما بين تركيا وقطر ودول أوروبا مثل بريطانيا والنمسا.
وتلقت الجماعة ضربة داخلية جديدة زادت من انقسامها، بإعلان محمد كمال، القيادي في الجماعة، وقائد المجموعة الشبابية، استقالته من كافة مواقعه داخل الجماعة، لا سيما أنه عضو في مكتب الإرشاد.
وقال كمال في تسجيل صوتي: «أدعو اللجنة الإدارية العليا لإعفائي من مهامي»، مضيفا: «وأعلن عدم التقدم لأي منصب في الإدارات المقبلة».
وكشف كمال للمرة الأولى أن الجماعة تعاني خلافات ومشاكل كثيرة، وقال: «لم أكن يومًا حريصا على موقع، بل كنت أريد الدفاع عن مؤسسية الجماعة وتصحيح أوضاع خاطئة وممارسات أضرّت بالجماعة وسمعتها وجارت على مبادئها»، داعيا القائم بأعمال المرشد محمود عزت إلى «التراجع خطوة للوراء وتسليم الراية للشباب فرسان الميادين»، على حد قوله.
وأضاف أن «كافة المبادرات التي تم طرحها لحل أزمة الصراع داخل الجماعة أوصت بتقديم الشباب وتراجع القيادات السابقة»، وقال: إن «عجلة الإصلاح بدأت في الدوران».
وفي الرسالة الأولى التي تنشرها «الشرق الأوسط» بالإضافة إلى عشرات من المراسلات الخاصة، التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» والتي تم إرسالها إلى قيادات إخوانية خارج مصر تقول من شخص يدعى مدحت الحداد وهو مسؤول المكتب الإداري لـ«الإخوان» المصريين بتركيا المحسوب على جبهة القائم بأعمال المرشد محمود عزت، «أرى أن إخواني قد تجاوزوا كافة الخطوط الحمراء بلا استثناء، وأضاعوا كل فرص إيجاد حلول لجمع الصف؛ بل تمادوا في إجراءات شق الصف بلا هوادة.. فعلى المسؤول الذي حمله الله هذه المسؤولية إما أن يكون قادرا على حسم هذه الأمور ووقف هذا العبث بمقدرات الأمة ووضع الحدود الفاصلة لهذه المهاترات، وإما أن يترك مكانه لمن هو أقدر على الحسم».
وحول مصالحات مع الإخوان في مصر، قال الدكتور خالد الزعفراني الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ليس هناك أي مصالحات مع الإخوان ولا حتى نية مصالحات سواء من الدولة المصرية أم من الإخوان، لافتا إلى أن الدولة لا تستطيع أن تبدي أي مصالحة مع الإخوان بسبب رفض كثير من الشعب لذلك، فضلا عن الانشقاقات الموجودة داخل الإخوان والمزايدات، ولا يستطيع أي فصيل في الجماعة حتى الفصيل الأساسي الذي يتزعمه عزت نائب المرشد ومحمود حسين وإبراهيم منير لا يستطيع أن يأخذ قرارا لأن فيه مزايدة على الطرف الآخر في الجماعة وهو طرف قوي وهو محمد كمال، موضحا أن الإخوان لا يستطيعون أخذ أي قرار في هذا الشأن ولا الدولة المصرية نفسها تستطيع أن تأخذ أي قرار.
وقال الزعفراني إن كل ما يحدث من كلام عن المصالحات ليس له أي أساس، لافتا إلى أن المشهد داخل الجماعة الآن مفكك، وأصبحت أربعة أقسام، قسم ضخم وهو يقف يتأمل ومجمد موقفه وما زال ينتمي للجماعة لكنه لا يقوم بأي فعاليات ويرى أن الجماعة أخطأت في أشياء كثيرة؛ لكنه ليس لديه استعداد للابتعاد عن الجماعة، وقسم ثانٍ وهم الجماعة الأساسية وهو متمسك بكل شيء وعلى رأسه محمود عزت وهو قسم ضخم وهو الأكبر، أما الثالث فهو محمد كمال ومعهم مجموعة من الشباب صاحب الفكر الثوري وهؤلاء عمرهم قصير وسوف ينقسمون على بعض لأنه لا يوجد فكر واحد يجمعهم وعدد كبير منهم «ملوث» بالأفكار التكفيرية والجهادية أما المجموعة الرابعة وهي التي قررت الابتعاد عن الإخوان وهي مجموعة كبيرة.
ويقول مراقبون إن ثمة عقبة ثانية تتمثل في التلقين الآيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين، فعلى النقيض من الجماعات الإسلامية المسكينة تتبنى جماعة الإخوان المسلمين برنامجا مسيسا إلى حد كبير يضمن تفاعل الأعضاء إلى حد كبير مع الحياة السياسية بشكل يومي. وتروج برامج التلقين في الجماعة إلى بعض القيم التي تتجاوز الدين وتساعد في خلق هوية سياسية. علاوة على ذلك، فإن جماعة الإخوان لا تقتصر على تدريب أعضائها ليكونوا دعاة فقط، بل أيضا يشمل التدريب إعداد ناشطين اجتماعيين وسياسيين. ومن ثم، فإن التخلي عن السياسة سوف يعني تغييرًا جذريًا في برامج التلقين والتنشئة الاجتماعية الخاصة بالإخوان المسلمين، وهو ما تستطيع الجماعة تحمل القيام به.
وتابع الخبراء أما بالنسبة للمعضلة الثالثة، فتتمثل في الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، فلطالما تلقت الجماعة ألوان المديح على تماسك وانضباط هيكلها، الذي مكنها من البقاء على قيد الحياة في مواجهة قمع النظام لها لعقود من الزمان. ومع ذلك، فيمكن لهذا الهيكل أن يفضي إلى نتائج عكسية. ففي أعقاب ثورة يناير 2011. أنشا الإخوان «حزب الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، جميع أعضائه من الإخوان ولا يوجد ثمة دليل على انضمام أعضاء من خارج الجماعة إلى عضويته. وقد اعتمد الحزب الناشئ بشكل كبير على هيكل الإخوان المسلمين وتكتيكات التجنيد والحشد التي تنتهجها الجماعة.
فإن قررت جماعة الإخوان المسلمين أن تصبح جماعة دينية فقط، فسوف تفقد تميزها في السوق الدينية. وعندما كتبت عن الجماعة عام 2007. رفض الكثير من قياداتها فكرة اقتصارها على الدور الديني فحسب، بينما أعرب بعضهم عن امتعاضهم من فكرة فصل الدين عن السياسة واعتبروها شكلا من أشكال العلمانية. وقد انضم هؤلاء الأعضاء إلى جماعة الإخوان المسلمين بسبب طابعها الشمولي، وبالتالي فإن فصل الدين عن السياسة سينفر كثير من الأعضاء، وخاصة في المناطق الريفية والضواحي.
ولكن اليوم تواجه الجماعة مزيدا من الخلافات والانشقاقات بين قادتها، رغم أن معظم قادة الجماعة في السجن، والكثيرون منهم يواجهون حكم الإعدام، وكثيرون هربوا لدول متعاطفة معهم مثل قطر وتركيا.
وأشار الهلباوي إلى أن المجموعة الأولى تعرف تتصارع على السلطة الآن، وكشف أن هذه المجموعة تتحدث وتقود ما تصفه بـ«الحراك الثوري». ونبه إلى أنهم «لا يؤمنون بالثورة، بل يؤمنون بالعنف، ويستهدفون ضباط الشرطة والجيش والمؤسسات المختلفة، ويسعون إلى إسقاط الدولة».
وذكر أن المجموعة الثانية يقودها شخصان هما محمد منتصر ومحمد كمال، وهي المجموعة التي تتصارع مع مجموعة محمود عزت على المناصب والأموال، وتحاول كل مجموعة منهما استقطاب الشباب إليها.
ولفت الهلباوي إلى أن المجموعة الثالثة تقف حائرة بين المجموعتين الأولى والثانية، وتسمي نفسها «جماعة التوقف والتبين»، مشيرا إلى أنهم يرفضون العنف والصراع على السلطة، وتضم عشرات الآلاف من الشباب، وهذه المجموعة تتعرض لضغوط هائلة من السلطة في مصر وقيادات الإخوان في الوقت نفسه.
ويرى المراقبون أن ما زاد الأمور تعقيدا هو اختلاف الإخوان المسلمين حول من يتحدث باسمهم، حيث إنه في نهاية العام الماضي، عزل عدد من قادة الجماعة المتحدث الصدامي، واسمه المستعار هو محمد منتصر، فيما رفض آخرون القرار، الذي قالوا: إنه مخالف للتعليمات.
فيما يعتقد خبراء الجماعات الأصولية أن «الخلاف بين قادة الإخوان هو عرض لنزاع عميق داخل الجماعة، حول القيادة والأولويات، حيث إنه بعد 88 عاما من النشاط الديني والسياسي والاجتماعي، الذي ألهم بإنشاء جماعات مماثلة في المنطقة، فإن الجماعة تمزق نفسها».
وعن التضارب الذي يحدثه محمود عزت نائب المرشد (الهارب) في مصر وتصريحاته التي يتحدث فيها أنه المرشد وهل لهذا تأثير على الشباب في الجماعة، أضاف أحمد بان لـ«الشرق الأوسط» نحن أمام انقسام تنظيمي في مصر مثلا يتعزز يوما بعد يوم بين مجموعتين، مجموعة تعبر عن الحرس القديم داخل الجماعة، وهذه المجموعة ربما يحركها هاجس الحفاظ على التنظيم أكثر من أي شيء آخر، مقارنة بمجموعة أخرى أقرب إلى جيل الشباب تحركه دوافع الثأر ويبدو مقتنعا بأن النمط الإصلاحي الذي درجت عليه جماعة الإخوان لم يعد مناسبا وأن الجماعة يجب أن تكون جماعة ثورية في أفكارها ووسائلها وأساليبها، هذا التباين يتعزز يوما بعد يوم، والقطيعة تتسع بين الفريقين، حتى أن قضية المصالحة والحوار مع الدولة المصرية لا تكاد تجد لها فريقا محددا بسبب هذا التنازع.
في ذات السياق، يقول القيادي الإخواني عمرو دراج، وهو أحد القياديين الذين يعيشون في إسطنبول، وهو يقف مع جناح المواجهة، قوله إن «جمود» الجماعة، في ظل القيادة القديمة، عامل يدفع الشباب نحو العنف، مشيرا إلى أن هناك من يتهم الحرس القديم بالتفاوض مع النظام، وهي تهمة ينفيها قادته.
وعن المراجعات التي قد تتم مع شباب الإخوان من قبل الدولة المصرية، قال الدكتور خالد الزعفراني لـ«الشرق الأوسط» إن هذه المراجعات يقوم بها مجموعة من العلماء المتخصصين ونحن نطالب بها، وهذه المراجعة للشباب عن الفكر التكفيري وفكر العنف والأفكار البعيدة عن الإسلام الوسطي، لافتا إلى أن هذه المراجعات التي بدأ منها شيء بسيط؛ لكن ليس هناك مراجعات جدية حتى الآن، والدولة المصرية مقصرة تماما في موضوع المراجعات.
فيما قال أحمد بان إن المراجعات قد تنجح إذا انطلقت من دوافع ذاتية داخل الجماعة وتوفرت لها الأجواء المناسبة تنتج أثرها، لكن حتى الآن لا توجد بيئة حاضنة لقضية المراجعة بشكل واسع وشامل داخل الجامعة وداخل الدولة المصرية أيضا.
من جهته، أكد إبراهيم منير نائب المرشد العام لـ«الإخوان»، الأمين العام للتنظيم العالمي للغرب في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» أنه على الرغم من أن الجماعة فكرها واحد وأدبياتها واحدة واتجاهها واحد؛ لكن هناك اختلافات في العمل السياسي، لكن قنوات الحوار والاتصالات لم تنقطع أبدا.
وحول دور الشباب في المرحلة الحالية والمقبلة في مسيرة الجماعة، قال منير، إنه رغم وجود شيوخ الجماعة وراء القضبان؛ فإنه لا يمكن التقليل من أهميتهم، فمهدي عاكف المرشد السابق فوق الـ90 عاما وبديع المرشد الحالي فوق الـ75 عاما، وحكم عليه حتى الآن بنحو 4 أحكام إعدام والسجن لما يزيد عن 400 عام، فضلا عن رشاد البيومي 83 عاما وهو نائب المرشد، ويعانون الحبس في السجون المصرية، ومجال الدعوة مفتوح لمن يستطيع أن يبذل فيه من جهود بالنسبة للشباب، والمسؤولية في الجماعة منذ القدم بالانتخابات من أصغر مسؤولية إدارية حتى أعلى مستوى من المناصب، حتى اختيار المرشد بالانتخاب وله دورتان فقط، ولا أحد يسعى إلى تولي مسؤولية، إنما المسؤولية تسعى إلى الناس، بحسب الانتخابات التي تجرى داخل الجماعة، بحسب اللوائح وحسب الطاقة الموجودة لدى أعضاء الجماعة.
وأوضح منير أن مكتب الإرشاد مكون من 17 لمن هم فوق الثلاثين عاما وبالانتخاب بحسب لائحة الجماعة، ولا يمكن التقليل أيضا من دور الشباب، وليس هناك مجالات مغلقة أمام الشباب، وأمام نصائح مشايخ الجماعة المتبقين خارج السجون.
واعتذر إبراهيم منير نائب المرشد العام لجماعة الإخوان في لقائه مع «الشرق الأوسط» عن تصريحاته أمام مجلس العموم البريطاني، التي حمل فيها الجماعة الإسلامية مسؤولية العنف خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وذلك لبحث تأثير نشاط الإخوان على المصالح البريطانية.
وقال منير: «لعله كان من الواجب لحظتها الإشارة إلى أن الأمر بالنسبة للجماعة الإسلامية قد حدث بعد اغتيال المتحدث الإعلامي باسمها الدكتور علاء محيي الدين عام 1990 بدم بارد، وقبل المراجعة الشرعية التي قامت بها الجماعة الإسلامية وإعلانها نبذ أي مظاهر للعنف من خلال مراجعتهم المشهورة، ثم مشاركتهم العمل السياسي بعد عام 2011 من خلال حزب سياسي قانوني».
وذكر منير، أنه في منتصف الثمانينات خلال فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك كانت هناك أزمة اقتصادية واجتماعية، وبدأت الجماعة الإسلامية العنف وكاد النظام يسقط فعلا، والكثيرون دفعوا الإخوان، وتساءلوا: لماذا لا تشاركون في هذه الأمور فهي فرصة لإسقاط النظام العسكري؟، ومع ذلك رفض الإخوان المشاركة، لأنه ضد مبادئهم، حتى لو كان مبارك يظلمهم. وأثارت تصريحات منير، ردود فعل غاضبة داخل الجماعة الإسلامية مما دفعها وحزبها السياسي «البناء والتنمية»، لإصدار بيانات استنكار وإدانة لها.
وفي إحدى الرسائل التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» جاءت من شخص يدعى إسلام الغمري، وقال فيها «قدر محبتنا لكم، ولكن التصريحات التي جاءت عن الدكتور إبراهيم منير عن الجماعة الإسلامية أثارت حالة من السخط في أوساط إخوة الجماعة الإسلامية وغيرهم، وقد طلب الإخوة مني إيصال احتجاج الإخوة عندنا على هذه التصريحات، وطلب التوضيح من دكتور محمود حسين الأمين العام حرصا منا على دعم أواصر المحبة والأخوة بيننا ودفعا لنزغ الشيطان».
وهناك رسالة أخرى أرسلها الدكتور عاشور الحلواني أمين حزب الحرية والعدالة بالمنوفية في مصر، قال فيها «أثبتت التجارب أن هذه الجماعة ليست مرتبطة بأشخاص مهما كان قدر الأشخاص قيمة وقامة وفضلا»، مضيفا: «آلمني وآلم كل حر متجرد للحق أن جماعتنا تمر بمنعطف خطير ومحنة غير مسبوقة ومؤامرة كبرى داخلية وخارجية، وتزداد المسألة صعوبة لهول الصدمة وغياب المؤسسات المتوافق عليها الفاعلة القادرة على حل هذه الخلافات، وهذه المؤسسات ما غابت بإرادتنا ولكن بتغييب أعضائها في المعتقلات أو المطاردات أو حتى الموت.. وقسم الصف الإخوان إلى فريق مستبشر بنصر الله وثابت على الحق يؤدي واجبه داخل السجن وخارجه يدعو لوحدة الكلمة ووحدة الجماعة مشغول بأوراده داعيا لإخوانه أن يجمع الله شملهم، وفريق آخر أصابه الاكتئاب العام والحزن على ما آلت إليه الأمور وإن أظهر أنه منتظم في أداء واجباته المطلوبة منه ومعظم هذا الفريق خارج السجون أصابه الفتور وقعد عن العمل المثمر الفعال، فيما هناك فريق ثالث مشغول لأذنيه بالاختلافات بين القيادات وترديد أقوال ونشر أخبار قد تكون صحيحة أو لا تكون وقد يظهر أنه ملكي أكثر من الملك في تبريره هذه الأقوال أو الأفعال أو حتى اختلاق شائعات للأسف الشديد».
وتابع الحلواني في رسالته: بعض القيادات قادت الجماعة في طريق خطأ وأدت إلى كوارث وتجاوزت الصلاحيات وتجاوزت القيادة الشرعية وتريد شق الجماعة أو اختطافها وهناك شكوك حول بعض الأفراد فيها وأن محمد منتصر والفريق الإعلامي معه «يدغدغون» العواطف على غير الحقيقة ويتعمدون الكذب ونشر وتسريب المعلومات المغلوطة أو المجتزأة وعلى الجميع السمع والطاعة للقيادة الشرعية، مقترحا في نهاية رسالته التي تضمنت عبارات تتعلق بعودة مرسي ولقاءات تتم بين عناصر لـ«الإخوان»، مقترحا تشكيل مكتب يضم إبراهيم منير القائم بعمل المرشد مشرفا، وحلمي الجزار رئيسا، وعمرو دراج نائبا، وعضوية عبد الموجود الدرديري، وجمال حشمت، ويحيى حامد، وأحمد عبد الرحمن، وأشرف بدر الدين، وأحمد عبد العزيز، وأحمد عبده، وصلاح عبد المقصود (وزير الإعلام الأسبق).
وتواجه جماعة الإخوان المسلمين بمصر (تأسست عام 1928)، حاليًا خلافات داخلية متصاعدة، وصلت ذروتها خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عقب إعلان مكتب الإخوان المسلمين في لندن، إقالة الشاب محمد منتصر (اسم حركي مقيم داخل مصر)، من مهمته كمتحدث إعلامي باسم الجماعة، وتعيين طلعت فهمي (55 عامًا) متحدثًا جديدًا بدلاً منه.
وتلا ذلك تدشين موقع إلكتروني جديد للجماعة، واستمرار إصدار بيانات مضادة بين قيادات بالجماعة، ومكاتب تنفيذية بها، حول إدارة التنظيم، وشكل الثورة التي ينتهجونها ضد السلطات المصرية الحالية.
ودفعت أزمة الخلاف الداخلي المتصاعد في جماعة الإخوان المسلمين في مصر، الجماعة الإسلامية (حليفها الأبرز) لأن تُصدر بيانا تحذر فيه من أثر هذا الخلاف على التحالف الوطني الداعم لشرعية الرئيس محمد مرسي والرافض للانقلاب، كما تضمن البيان تهديدا غير مباشر بالانسحاب من التحالف بإشارتها إلى أن ذلك «قد يدفع قوى إلى مراجعة الموقف إزاء الاستمرار في التحالف».
وظهرت أزمة جماعة الإخوان للعلن في منتصف 2015، على خلفية تباين وجهات النظر بين قادة الجماعة.
وقالت الجماعة الإسلامية في بيانها إن هذا الموقف «يأتي في ظل استغراق أطراف الخلاف في دوامة الأزمة وتعقيدات جذورها وفروعها»، لافتة إلى أن ما تحمله الأزمة من مخاطر قد تؤثر سلبا على المصالح العليا للوطن.
وأكدت أن تداعيات الأزمة ستؤثر على علاقة الإخوان بالتحالفات التي تجمعها مع غيرها من القوى الفاعلة في المشهد المصري، والتي قد تدفع هذه القوى إلى إعادة النظر ومراجعة مواقفها من الاستمرار في تلك التحالفات.
في غضون ذلك، وعن تلويحات بعض المسؤولين في الحكومة المصرية بوجود اتجاه للتصالح مع الجماعة، قال أحمد بان، وهو قيادي منشق عن الجماعة، لا أحد يعلم من الذي يستطيع تسويق هذا الانقسام بين فريقي الجماعة.
وعن مزاعم وجود لقاءات من مسؤولين بمصر بأعضاء من الإخوان للتصالح، أكد بان، أتصور أن الحوار يجري ربما بشكل سري منذ فترة وأتصور أن هناك بالفعل تواصلا ما بين الجماعة وأطراف داخل الدولة المصرية، لافتا إلى أن هذه الاتصالات لأعضاء من الجماعة داخل وخارج مصر.
وهاجر العشرات من أعضاء جماعة الإخوان إلى سوريا أثناء حكم مرسي، وانضموا إلى تنظيم جبهة النصرة، ثم تحولوا إلى «داعش» لاحقًا، وشغلوا مواقع قيادية في التنظيم.
وعن سير الإخوان على خطى راشد الغنوشي بإبعاد الدين عن الدولة، قال بان «للدقة راشد الغنوشي لم يقل بإبعاد الدين عن الدولة أو بفصل الدين عن الدولة، فقط يدعو للفصل الوظيفي بمعنى أن تتخصص مجموعة من الجماعة للعمل السياسي وتتخصص مجموعة أخرى للعمل الدعوي دون المزج بينهما»، مضيفا: أتصور أن إخوان مصر رغم حديثهم عن هذا الأمر إلا أنه ينسف أساس الفكرة الإخوانية التي تعتمد على قضية الشمول وقضية العالمي، ومن ثم هم بعيدون عن هذا الأمر.
وقال الزعفراني إن فصل الدين عن الدولة في الإخوان، مستبعد نهائيا عند جماعة الإخوان، وظني أن الجماعة مستقبلها غير طيب في مصر، وأنها مع الأيام سوف تزداد بعدا عن الشعب المصري.
وحول حال الإخوان الآن في مصر، قال بان هي حالة من حالات التشاور الفكري والتنظيمي وعدم القدرة على تصميم بناء فكري وتنظيمي يلائم الواقع، وبالتالي هي حالة فشل قد تقود إلى حالة من حالات المراجعة بالشكل الذي نستطيع أن نتحدث فيه عن صيغ و«بنى» جديدة لأفكار الإخوان تختلف أو ليست وثيقة الصلة بالبنى التي اعتمدت عليها الجماعة عبر تاريخها.
من جهته، قال الدكتور خالد الزعفراني الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية والقيادي المنشق عن الإخوان، كان متوقعا أن تحدث مثل هذه الانشقاقات التي تشهدها صفوف الجماعة في مصر وسوريا ولندن وإسطنبول لأن الإخوان أنفسهم سمحوا لخطاب غريب عن الخطاب التقليدي للجماعة التي كانت عليه في سبعينات وتسعينات القرن الماضي، وهو الخطاب الذي كان في ميدان «رابعة العدوية» بمصر (اعتصام أنصار مرسي عقب عزله شرق القاهرة) وكان من أشخاص ينتمون إلى تنظيمات الجهاد ومن التكفيريين وأصبحوا من الأبواق التي كانت تخطب في «رابعة» وقد سمعهم كثيرون من شباب الإخوان وهذا قد أحدث تغيرا كبيرا في فكر كثير من شباب الإخوان، مضيفا: ممارسات الإخوان في مصر عملت في وقيعة كبيرة بين الإخوان كتنظيم والشعب المصري، فالشعب أصبح هناك عداء مع الإخوان وعدم ثقة كبيرة في الإسلام السياسي، والخطاب التكفيري والجهادي أثر كثيرا على الإخوان في مصر، فأصبحت جبهة محمد كمال ومحمد منتصر، مخالفة للخط التقليدي الخاص بالجماعة، هي جماعة كانت تتبع الأسلوب الهادئ وأسلوب عدم التكفير وعدم الإثارة وتعتمد على النفس الطويل، فهذا أحدث شرخا في أفكار الإخوان التقليدية وبين أفكار واردة على الإخوان، وظهرت المجموعات النوعية وغيرها وهي التي تنتمي لـ«الإخوان» ظاهريا لكن أفكارها تتسم بالعنف.
وأضاف الزعفراني، وهو قيادي منشق عن جماعة الإخوان، أن الإخوان في الكويت لهم علاقات طيبة بالحكم والشعب الكويتي، عندما رأوا القطيعة التي حدثت لإخوان مصر فضلوا أن يبتعدوا عن الإخوان في مصر تماما، حتى لا يحدث بينهم وبين الشعب الكويتي وقيعة، وكذلك إخوان البحرين نفس الوضع وأيضا إخوان الأردن. أما الإخوان في المغرب يسلكون مسلكا آخر، وأيضا إخوان تونس، لافتا إلى أنه من منذ صعود التيار القطبي 2010 وهو تطور غريب على نهج الإخوان الذي كان عليه عمر التلمساني ومن بعده من المرشدين، موضحا أن هذه الانشقاقات التي حدثت في إخوان مصر سوف تزداد الأيام المقبلة؛ إذا لم يأخذ الإخوان قرارا شجاعا ويتم تغيير أسلوبهم ونظام الجماعة الشاملة، والجماعة التي بها السمع والطاعة بالشكل الإجباري، وأنها تبقى تنظيما سريا ولها ميزانية لا أحد يعرفها، هذا الشكل لن يقبل به الشعب المصري مرة أخرى، أيضا استحالة أن ترضى الدول العربية أن تكون الإخوان جماعة تقف ضد الأنظمة وتصبح دولة داخل الدولة.
وتنشر «الشرق الأوسط» رسالة خاصة عن الوضع الحالي لـ«الإخوان» في تركيا من شخص يدعى أسامة سليمان، ويقول فيها «لا شك أن الوضع غير صحي وينذر بما لا يرضاه أي مخلص لجماعته»، متابعا: على الجميع أن يتفهم ما آلت إليه الأمور وأن على كل من اختاره الله في موقع المسؤولية أن يبادر ولا يمل أو يفوض غيره أو يصمت أمام الإصرار في البحث عن حل يجمع الصف ويقويه لا يضعفه، مضيفا: لذا وكوني أخا جنديا في الجماعة أدعوكم لتبني العمل على اجتماع عاجل خلال الساعات القادمة يجمع فيه من ترونه أهلا له وتطرح فيه المقترحات ويتخذ بشأنها قرارا يراعي المصلحة العامة ويحتوي الموقف الناشئ إبراء للذمة وما تفرضه المسؤولية علينا جميعا تجاه جماعتنا.
وهناك رسالة أخرى من المكتب الإداري لـ«الإخوان» في تركيا، جاء فيها تقديرا من المكتب الإداري المنتخب بتركيا لطبيعة المرحلة الحالية والتي تدعو للوحدة والالتفاف حول القضايا المصيرية، فقد تم اتخاذ خطوات عدة لرأب الصدع وتجميع الصف، وعلى الرغم من صدور بيان عن أمانة مجلس الشورى يؤكد بطلان الدعوة والتي رفضها 26 عضوا من أصل 38 عضوا، وأن الداعين 9 فقط من أعضاء الشورى بحسب ما تم نشره وتداوله، فإن أيادي المكتب ممدودة للجميع حتى اللحظة، وقد تم التواصل من مسؤول المكتب مع عدد من الداعين لتلك الجلسة للتوصل لحل يرضي جميع الأطراف إعلاء لوحدة ومصلحة الصف، والتفرغ لحل المشكلات التي يعاني منها بعضنا، ومواجهة عدونا المشترك، والاستجابة لمبادرة أخ فاضل من القامات التي يجمع عليها جميع الأطراف وهو عضو شورى أيضا، وتم التواصل من خلال شخصه الكريم مع المجموعة المتصدرة للحدث، حيث قاموا بترشيح ثلاثة من الإخوة لاتخاذ القرار المناسب، وطلب عقد جلسة طارئة للشورى بحضور ممثلين من إدارة الرابطة لمناقشة البنود الخمسة المختلف عليها بين مشروع اللائحة واللائحة المعتمدة والسعي لإقناع إخواننا في الرابطة على استثناء لائحتنا في بعض الأمور نظرا لخصوصية المكان والمهمة والتوقيت، وشروع لجنة تحقيق مستقلة في اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه أي مخالفات حدثت في الانتخابات التي جرت ويكون لهذه اللجنة الحق في اتخاذ أي قرار تراه.
ورفض المكتب في رسالته الإملاءات الفردية التي يتم تلبيسها بثوب العموم تحت مسميات ليست دقيقة سواء «دعوة باسم مجلس الشورى» أو دعوة «الجمعية العمومية».
ويقول مراقبون بأن ثمة عقبات وتحديات تقف أمام «المصالحة المفترضة» بين مصر وتركيا، تتمثل في سقف الشروط العالي الذي قدمته تركيا، والمرتبط بالديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر بما يشمل إلغاء عقوبات الإعدام والمؤبد الجماعية وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وهو ثمن لا يبدو النظام القائم في مصر حاليا قادرا على – أو راغبا في – تقديمه، فضلا عن الموقف الشخصي للرئيس التركي رجب طيب إردوغان من شخص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والحدة الكبيرة في سلسلة طويلة من التصريحات التي تنال منه مباشرة، ورفض الرئيس إردوغان حتى الآن لقاءه أو التعامل معه، وتأكيده على ذلك في كل المناسبات.
بالإضافة إلى الاشتراطات المصرية المتعلقة بتسليم بعض القيادات الإخوانية المقيمة في تركيا وإغلاق وسائل الإعلام التي تهاجم الانقلاب قبل أي مصالحة.



«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.


مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.