ليبيا.. انقلاب طاولة التوقعات

بين اتساع خطر الحرب الأهلية وفرص المصالحة

ليبيا.. انقلاب طاولة التوقعات
TT

ليبيا.. انقلاب طاولة التوقعات

ليبيا.. انقلاب طاولة التوقعات

تكتل القوى المسلحة الذي أخذ زمام المبادرة لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف في ليبيا، وتحديدا، في معقله بمدينة سرت - في شمال وسط ليبيا - قلب طاولة التوقعات من جديد في هذا البلد الذي يعاني الفوضى والتحالفات سريعة التغير. واليوم يمكن أن تقرأ مستقبل ليبيا القريب بين عدة خيارات أصبحت أكثر وضوحا عن السابق، منها خطر اتساع نطاق الحرب الأهلية، ومنها القيام بأمر سيئ آخر يكرهه الليبيون ألا وهو تقسيم البلاد إلى دولتين على الأقل، بينما يظل خيار المصالحة باقيا «طوق نجاة» يمكن اللجوء إليه في حال رجح خيار تحكيم صوت العقل.
تتداول التقارير في هذه الآونة أخبار التكتل المسلح الذي قلب طاولة التوقعات في ليبيا، خلال الفترة الأخيرة من الصراع المحتدم فيها، وهو عبارة عن مجموعة الميليشيات المحسوبة على مدينة مصراتة، الواقعة إلى الشرق من العاصمة الليبية طرابلس، وبضع بلدات في شمال غربي ليبيا.
يخوض هؤلاء المقاتلون حربا تحت راية «المجلس الرئاسي» لـ«حكومة التوافق الوطني» بقيادة فايز السراج، رغم عدم اكتمال الإجراءات الدستورية والقانونية لعمل هذه الحكومة المقترحة. وتحمل العملية ضد «داعش سرت» اسم «البنيان المرصوص». وبالفعل، تمكن الشبان المتحمسون والضباط الطموحون من شق سحب الغبار وطرد الدواعش من على طول الطريق الواصل بين مدينتي مصراتة وسرت.
الآن يدور القتال داخل معقل التنظيم الإرهابي المتطرف في سرت، المدينة الواقعة على ساحل البحر المتوسط على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من مصراتة، وأكثر قليلا من 400 كيلومتر عن طرابلس. أما السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح فهو: ماذا سيحدث بعد أن تنتهي عملية «البنيان المرصوص» من مهمتها؟ أي بعد أن تقهر الدواعش في عقر دارهم، وتقضي على وجودهم الذي بدأ في سرت مع مطلع عام 2015.

السؤال.. ماذا بعد؟
يمكن أن يكون أخطر سؤال يطرحه أي مقاتل على نفسه هو: ماذا سنفعل بعد أن ننتصر؟ والأخطر منه ألا تكون هناك إجابة.
إن معظم القوات - إضافة إلى بعض القيادات - المنضوية تحت عملية «البنيان المرصوص»، كانت تخوض في صيف عام 2014 حربا محمومة ضد ميليشيات منافسة لها في مطار طرابلس الدولي ومحيطه. وارتبطت تلك الحرب بالصراع على النفوذ وعلى السلطة. لكن، بعد الانتصار في تلك الحرب، وحرق المطار وتدمير ما فيه من مدارج وطائرات، لم تكن هناك إجابة عما ينبغي عمله في اليوم التالي.
ومع ذلك تسببت نشوة النصر في معركة المطار في مزيد من الجرأة لميليشيات «فجر ليبيا»، التي سرعان ما دخلت في حروب عبثية في مناطق داخل طرابلس وما حولها وفي جنوب البلاد أيضا، بالإضافة إلى محاولات قامت بها للاستحواذ على منطقة الهلال الغنية بالنفط في شرق البلاد. وهذا الماضي القريب أصبح اليوم يلقي بظلاله على احتمالات ما بعد هزيمة الدواعش المنظورة في سرت.
ولأن معظم القادة وغالبية الكوادر القتالية الوسطى كانت من المحسوبين على مدينة مصراتة، فإن الخطاب غير المنضبط لبعض الزعماء أظهر في ذلك الوقت مخاوف من المسحة الجهوية - أي الإقليمية - للقوات المصراتية المقاتلة التي كانت تعمل ضمن فريق يتكون من قادة ميليشيات تابعين لكل من جماعة الإخوان المسلمين و«الجماعة الليبية المقاتلة» وغيرهما.

التكتلات العسكرية
من جهة أخرى، فإن القوات القادرة على القتال في عموم ليبيا مقسمة على الأرض بين عدة تكتلات، والتكتل الذي ينطلق عادة من مصراتة ومن طرابلس، يتكون من ميليشيات يقودها في الأغلب متشددون إسلاميون وجهويون متعصبون، وهي عبارة عن خليط من المدنيين «الثوار» وعدد أقل من العسكريين المحترفين. ولقد تمكنت ميليشيات هذا التكتل منذ انطلاق الانتفاضة المسلحة ضد معمر القذافي في 2011 من الاحتفاظ لنفسها بكميات ضخمة مما كانت تحتويه مخازن الجيش الليبي، بجانب مطارات عسكرية وطائرات ودبابات وآليات وصواريخ وغيرها.
واليوم يبدو أن هذا التكتل يحظى بنوع من «التدليل» أو الحظوة من جانب البعض في الأمم المتحدة والبعض من الدول الغربية، وبخاصة بعدما انحازت عدة ميليشيات فيه إلى «المجلس الرئاسي» وفتحت له الطريق للعمل من داخل العاصمة طرابلس. وجرى تناول انطلاق التكتل نفسه ضد «داعش» في سرت بكلمات الإطراء من زعماء دوليين، على الرغم من الخسائر الضخمة التي مُني بها؛ إذ يقدر أن يكون عدد القتلى قد وصل إلى نحو 150 وعدد الجرحى إلى نحو 500.
«الجيش الوطني» كل هذا يدور في غرب ليبيا ووسطها، فماذا عن الشرق الذي توجد فيه غرفة العمليات الرئيسية لـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة الفريق أول خليفة حفتر؟
يعمل «الجيش الوطني» على محاربة الإرهاب منذ عام 2014، وعزز من شرعيته التفويض الذي منحه له البرلمان الليبي المنتخب الذي يعقد جلساته في مدينة طبرق، بالشرق أيضا. لكن، منذ بدأت الأمم المتحدة رعاية حوار وطني قبل نحو سنتين، وما تبعها من مفاوضات انتهت بـ«اتفاق الصخيرات» (في المغرب) بين عدة أطراف ليبية و«المجلس الرئاسي» برئاسة السراج، أصبحت هناك شكوك في القدرة على حسم قضية «التكتلات العسكرية» و«شبه العسكرية».
«الجيش الوطني» بدأ الحرب على الإرهاب في مدينة بنغازي، كبرى مدن الشرق، وفي مدينة درنة وكذلك في بعض بلدات الجنوب قبل أكثر من عشرين شهرا، وحقق انتصارات لافتة على الرغم من أن جيش ليبيا (الموالي للقذافي) تعرض لضربات موجعة وقاصمة للظهر من طائرات حلف شمال الأطلسي «ناتو» طوال ثمانية أشهر من عام 2011.

مرحلة ما بعد القذافي
وبعدما قتل القذافي بدأ الحكام الجُدد عملية ترتيب الأوضاع للمستقبل، لكن الهيمنة كانت واضحة لقيادات التيار المتشدد الذي تدرب زعماؤه الليبيون على القتال في جبال أفغانستان وباكستان والشيشان وغيرها من جبهات الاشتباكات التي كان يغلب عليها طابع حروب العصابات والأصوليات. وكان يمكن ملاحظة قلة الرغبة في إعادة بناء الجيش والشرطة في هذا البلد، مع حالة ارتياح لاستمرار عمل «كتائب الثوار» التي هي عبارة عن ميليشيات مسلحة.
وكما هو معروف، ظهر في أول برلمان وفي أول سلطة تنفيذية وأمنية له، في مرحلة بعد القذافي، شخصيات لها علاقة بتنظيم «القاعدة»، وأخرى موالية لجماعة الإخوان، وثالثة تدعم جماعات متطرفة متباينة. وبدا أن هذا يتعارض مع المزاج الليبي المسالم والراغب في تحقيق أهداف الثورة من ديمقراطية وحرية وعدالة اجتماعية. ولهذا أسقط الليبيون في الانتخابات البرلمانية التي أجريت عام 2014 الحكام المرتبطين بتلك التنظيمات، لكن الميليشيات وعددا من الطامحين الجهويين، تحصنوا في طرابلس وطردوا معارضيهم منها، وحرقوا المطار الدولي، كما شنوا أكبر عملية اغتيالات ضد ضباط الجيش والعسكريين النظاميين في القوات المسلحة والشرطة. وبالتالي، اضطر البرلمان الجديد إلى عقد جلساته في شرق ليبيا انتظارا لحسم الموقف.
في الشرق واجه «الجيش الوطني» الميليشيات التي كانت تهيمن على بنغازي وعلى مطار بنينة الدولي الواقع في ضواحيها، وكذلك على درنة، رغم الدعم الكبير الذي كانت تحصل عليه تلك الميليشيات من زعماء يعملون في الظلام في كل من مصراتة وطرابلس.
ومع أن الحوار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة انطلق فإن «الجيش الوطني» نأى بنفسه عن هذا المسار، معتبرا أن مهمته «محددة»، وهي القضاء على الإرهابيين وعلى المسلحين الذين يرفضون الرضوخ لسلطة الدولة الشرعية ممثلة في البرلمان والحكومة المنبثقة عنه. وعلى هذه الخلفية برز تنظيم «أنصار الشريعة» المتطرف (المصنف دوليا كمنظمة إرهابية)، وبرزت معه مجاميع يطلق عليها «مجالس الثوار» تحظى بدعم من القيادات المتحصنة في العاصمة، ومن بينها أطراف كانت على علاقة بالحوار السياسي الذي يحظى برعاية أممية.
وفي خطوة تسببت في تعقيد الموقف أكثر مما كان عليه، أعلن زعماء «أنصار الشريعة» في بنغازي ودرنة مبايعة تنظيم داعش، مع استمرار بعض قادتهم في الوقت نفسه في التعاون مع مجالس الثوار، باعتبار أن الخصم واحد وهو الجيش، وذلك رغم وجود خلافات داخلية والاقتتال بين المسلحين المتطرفين في درنة وغيرها. ومع هذا لم تنقطع خطوط الإمداد بالسلاح والمقاتلين لدعم عمليات هذا الخليط من المتشددين ضد القوات المسلحة، وكذلك ضد البرلمان. وفي قفزة جديدة أدت إلى مزيد من الارتباك في التعاطي مع القضية، بدأ المتطرفون الليبيون جلب المقاتلين الأجانب من مختلف التوجهات.. إخوان.. تنظيم «القاعدة».. «داعش»، بالإضافة إلى مرتزقة يقاتلون بأجر. وبسرعة وجد «داعش» نفسه قادرا على الإعلان عن إمارة خاصة في سرت.

انتصارات وارتباكات
كان «الجيش الوطني الليبي» يقول حتى أسابيع قليلة مضت، إنه سيتوجه للقضاء على التنظيم الدموي في سرت، بمجرد انتهائه من سحق المتطرفين في بنغازي وأيضا في درنة. وبالفعل حقق في شهر مارس (آذار) الماضي انتصارات لافتة في مواقع صعبة. وأدى هذا إلى ارتباك في أوساط القادة في كل من طرابلس ومصراتة، على أساس أنه إذا تمكن «الجيش» من دخول سرت فإنه سيمضي في طريقه إليهم في طرابلس. هكذا كان يفكر بعض القادة في اجتماعات عقدت على عجل في العاصمة وفي بلدات قريبة منها. ومن ثم، بدأت خطة لطمس رايات حفتر التي بدأت تلوح في الأفق، ولا سيما أن لـ«الجيش الوطني» قواعد على مشارف طرابلس نفسها.
وفي هذه الأثناء كانت هناك اتصالات بين كل من المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر، ورئيس «المجلس الرئاسي» فايز السراج مع حفتر، في محاولة على ما يبدو لترويضه بحيث يعمل تحت سلطة السراج، وأن يجلس جنبا إلى جنب مع قادة ميليشيات تتولى حماية «المجلس الرئاسي». وبدأ هذا الموقف هزليا؛ إذ قال أحد العسكريين المقربين من حفتر: «كيف نجلس مع زعماء ميليشيات لا يعترفون بالجيش، بل يحاربونه؟!». واستاء قادة آخرون من رغبة بعض الأطراف الدولية في المساواة بين «جيش نظامي، وميليشيات تعمل خارج السلطة الشرعية ومتورطة في أعمال قتل وتخريب».
وهكذا، عقد قادة «الجيش الوطني» العزم على دخول سرت. وبدأت عدة وحدات عسكرية في التحرك لمحاصرة المدينة، قبل أن تظهر تداعيات سريعة أوقفت كل شيء؛ إذ قفز السراج إلى الأمام قفزة مفاجئة، وأعلن أنه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، بينما المعروف أن هذا المنصب يشغله رئيس البرلمان المستشار عقيلة صالح، وزاد السراج على ذلك، فأعلن أيضًا تشكيل «غرف عسكرية» لمحاربة «داعش» في سرت، وخرج اسم عملية «البنيان المرصوص» إلى النور انطلاقا من سرت.
وبدأ القتال الذي تحول سريعا إلى محرقة سقط فيها شبان ومدنيون متحمسون للقتال، لكنهم غير مدربين على مواجهة تنظيم دموي مثل «داعش». فعلى سبيل المثال قام «داعش» بعملية التفافية من خلف خطوط «البنيان المرصوص»، يوم أول من أمس، ونفذ ثلاثة تفجيرات في بوابة تفتيش بوقرين، التي تقع بين مصراتة وسرت، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن عشرة أشخاص.
ومن جانبه، وأمام هذا الواقع الجديد أرجأ «الجيش الوطني» تنفيذ خطته في سرت، وركز عملياته على تطهير بنغازي ودرنة من بقايا المتطرفين. وبغض النظر عن الخسائر في الأرواح يمكن للميليشيات التي تعمل اليوم تحت راية «المجلس الرئاسي» أن تنتصر في سرت، كما انتصرت وهي تحمل اسم «فجر ليبيا» في معركة مطار طرابلس، لكن إلى أين؟

إلى أين؟
هل ستتوقف الميليشيات عن القتال وتفتح صفحة جديدة من الحوار السياسي ينتج عنها توافق بين كل من البرلمان المنتخب و«الجيش الوطني» من جانب، والمجلس الرئاسي من الجانب الآخر؟ أم أن نشوة الانتصار في سرت يمكن أن تفتح شهية الميليشيات للتقدم أكثر ناحية المدن الشرقية للدخول في مواجهة مع «الجيش»، ما يمكن أن يتسبب في اتساع خطر الحرب الأهلية وانقسام البلاد إلى غرب وشرق؟
بالمناسبة، تشير بعض التسريبات إلى حصول الأطراف المتحاربة على كميات من الأسلحة المتطورة من السوق السوداء في الخارج. ومع أن المجتمع الدولي يفرض منذ 2011 حظرا على توريد السلاح إلى ليبيا، فإن مجلس الأمن الدولي أصدر قبل بضعة أيام قرارا جديدا يجيز للدول الأعضاء تنفيذ حظر التسليح بالقوة. ويبدو أن هذه الخطوة فسرتها أطراف في البرلمان الليبي على أنها «تصب في مصلحة الجماعات الإرهابية»، كما قال فتحي المريمي، المستشار الإعلامي لرئيس البرلمان، بينما قالت لجنة «الدفاع والأمن» في البرلمان نفسه إن القرار يهدف إلى توسيع صلاحيات المجلس الرئاسي وحكومته التي لم تحظ بثقة البرلمان بعد.
وعلى خلفية انعدام التوافق وأيضًا التربص بين الأفرقاء الليبيين، كانت هناك إجراءات من شأنها أن تعمِّق الخصومة أكثر، وتغير من أرض الواقع بطريقة دراماتيكية. فحتى اليوم المصرف المركزي الليبي منقسم على نفسه إلى ما يشبه المصرفين، أحدهما طبع حاجته من العملة الليبية في روسيا، والآخر قام بطباعتها في بريطانيا. ثم هناك الشركة الوطنية للنفط التي يبدو أنها تعاني آثار الانقسامات، فبعض الدول تحبذ التعامل مع الفرع الموجود تحت هيمنة السلطات الشرعية في الشرق والبعض الآخر يتعامل مع الفرع الموجود في الغرب. وينطبق الأمر على خلافات في مسألة تعيين السفراء والمبعوثين، فثمة دول ما زالت تتعامل مع سلطات البرلمان المنتخب والحكومة المنبثقة عنه، أي حكومة عبد الله الثني في الشرق، وبعض الدول أصبحت تتعامل مع «المجلس الرئاسي» للسراج في الغرب.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».