معارك بين نظام الأسد و«حزب الله» في حلب توقع قتلى وجرحى

اشتباكات بين الجانبين وغارات للنظام على مواقع الحزب.. وتبادل الشتائم واتهامات بالخذلان

سكان حي بستان القصر الذي يتعرض لغارات دائمة من الطيران الروسي والنظامي يتفحصون آثار الدمار في صورة تعود لشهر أبريل الماضي (رويترز)
سكان حي بستان القصر الذي يتعرض لغارات دائمة من الطيران الروسي والنظامي يتفحصون آثار الدمار في صورة تعود لشهر أبريل الماضي (رويترز)
TT

معارك بين نظام الأسد و«حزب الله» في حلب توقع قتلى وجرحى

سكان حي بستان القصر الذي يتعرض لغارات دائمة من الطيران الروسي والنظامي يتفحصون آثار الدمار في صورة تعود لشهر أبريل الماضي (رويترز)
سكان حي بستان القصر الذي يتعرض لغارات دائمة من الطيران الروسي والنظامي يتفحصون آثار الدمار في صورة تعود لشهر أبريل الماضي (رويترز)

انفجرت الخلافات بين قوات النظام السوري من جهة، وما يسمى «حزب الله» من جهة أخرى، بشكل غير مسبوق، في ريفي حلب الشمالي والجنوبي، حيث تضاربت المعلومات حول الأسباب التي أدّت إلى اشتباكات عنيفة، إضافة إلى استهداف طيران النظام لمجموعات الحزب، نتج عنها سقوط قتلى بين الطرفين.
وفي حين أشارت مصادر في المعارضة السورية إلى أنها ليست المرة الأولى التي تقع فيها مواجهات بين الحليفين، إنما هي المرة الأولى التي يتم تداولها في الإعلام، لا سيما أنها وصلت إلى حد القصف بالطيران، اعتبر عضو الائتلاف سمير نشار، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التطور هو «نتيجة فقدان الثقة بين الطرفين والخسائر التي مني بها الحزب في ريف حلب الجنوبي، وهو ما سينعكس سلبا على الخطة التي كانوا قد بدأوا العمل عليها لمحاصرة مدينة حلب، والتي لا بد أن تستفيد منها المعارضة».
وكانت الاشتباكات، قد بدأت منتصف ليل الأربعاء – الخميس، في حيلان والميسات وتلة المضافة في ريف حلب الشمالي، واستمرت بشكل عنيف حتى ساعات الصباح، وأدت إلى قطع طريق حلب - ماير – نبل والزهراء - عفرين، بحسب ما أشار موقع (حلب اليوم). وفي حين نقل نشار الذي يتحدّر من مدينة حلب، عن مصادر ميدانية معارضة، قولها إن الاشتباكات التي نتجت عن اتهامات متبادلة بالخذلان وتبادل الشتائم المذهبية، أدت إلى مقتل ضابط و7 عناصر من قوات النظام التي عمدت إلى الرد بقصف منطقة نبل والزهراء في الريف الشمالي، قبل أن تمتد المعارك إلى ريف حلب الجنوبي، ولا سيما في منطقة الحاضر ومحيط خان طومان، أشار موقع «أورينت» المعارض نقلا عن مصدر ميداني، قوله إن اشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمدفعية، وقذائف الهاون والرشاشات الثقيلة، وقعت بين ما يسمى «حزب الله» وقوات النظام، نتيجة خسائر الأخيرة على جبهة الملاح في ريف حلب الشمالي لليوم الثالث على التوالي، في الوقت الذي يعتبر فيه الحزب أنه هو من قام بتحريرها ليأتي عناصر النظام ويضيعونها.
كما تحدث «جيش الفتح» على حسابه في «تويتر»، أمس، عن اشتباكات عنيفة بين ميليشيات الأسد وما يسمى «حزب الله» الإرهابي، في منطقتي حيلان والبريج في حلب.. «والسبب هو الاتهامات بالتخوين بين الطرفين».
من جهته، نقل «موقع جنوبية» المعارض للحزب، عن مصدر مقرب من الأخير، أن سبب هذا الاشتباك يعود إلى العملية النوعية التي قامت بها الفرقة 13 من الجيش الحر، عندما تسللت من جبهة خان طومان في ريف حلب الجنوبي، عبر خطوط قوات النظام، وضربت مجموعة من عناصر ما يسمى «حزب الله» متمركزة في موقع خلفي، بصاروخ «تاو» موجه، ما أدى لمصرع 8 منهم على الفور، وجرح 6 معظمهم في حالة خطرة، عندئذ وجهت عناصر الحزب التهمة إلى الكتيبة السورية التي حدث الخرق عبرها، واتهمت عناصره الضابط المسؤول عنها بـ«الخيانة»، فهاجموا مركزها الرئيسي وقتلوا الضابط السوري المسؤول عن الكتيبة وهو برتبة مقدم، إضافة لـ6 من الجنود، انتقاما لما حدث لرفاقهم، لتتوسع الاشتباكات بعد ذلك، ويشن سلاح جو النظام السوري ولأول مرة 3 غارات متتالية على مواقع للحزب كان قد أخلاها تحسبا، فلم تقع خسائر بالأرواح، على حد قول المصدر.
وكانت معلومات قد أشارت إلى سقوط 8 قتلى من عناصر الحزب دفعة واحدة على يد «جيش الفتح»، جراء تعرضهم لصاروخ خلال المعارك الدائرة في ريف حلب الجنوبي، هم القيادي البارز محمد نوار قصاب الملقب بـ(الحاج باسم)، وكذلك مساعده عبدو جعفر (الحاج أبو زينب) وكل من العناصر: محمد أحمد إبراهيم، وحسن اﻷحمد، وعلي رمضان عرب، وعلي مرعي، ومحمد حكيم، وعلي ترمس.
ولفتت المصادر إلى أن القتلى سقطوا جراء تعرضهم لصاروخ موجه أطلق عليهم في تلة «خلصة»، بريف حلب الجنوبي، وذلك بعدما كانت الفرقة 13 التابعة للجيش السوري الحر قد بثت مقطع فيديو، تظهر فيه مجموعة تابعة للحزب تتمركز بالقرب من بلدة خلصة.
وفي حين تشير معلومات عدة إلى أن الخلافات بين الحزب وقوات النظام ليست جديدة، إنما تعود لأشهر عدة ولا سيما منذ التدخل الروسي، اعتبرت مصادر في المعارضة السورية أن «المواجهات بين الحليفين نتيجة تفكير إيران وحلفائها الذين يتصرفون بعقلية المحتل أو المستعمر، إضافة إلى اختلاف السياسات ضمن المحور الواحد»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «كذلك فإن النظام الذي يقدم التنازلات لمن يدعمه ميدانيا، لا بد أن يصل إلى مرحلة يرفض فيها تجاوز حدود معينة». وهذا ما أشار إليه أيضا مصدر في الائتلاف الوطني، قائلا لـ«الشرق الأوسط»، إن الخلافات ليست جديدة بين الطرفين، وهي بسبب تصرف الحزب وكأنه قوة احتلال، إضافة إلى منعه قوات النظام التي اعتاد عناصرها أن يعمدوا إلى تخريب المنازل وسرقتها، من الاقتراب أو الدخول إلى المناطق التي يتم السيطرة عليها. ويشير المصدر إلى «شعور عناصر الحزب بعدم التكافؤ في المعركة بينهم وبين عناصر قوات النظام، الذين لا يتمتعون بقدرة قتالية توازي تلك التي يتميزون بها هم، ما يؤدي بشكل دائم إلى تكبدهم خسائر كبيرة في صفوفهم».
وكان للإعلام السوري المحسوب على النظام دور كذلك في إلقاء الضوء على هذه الخلافات، وذلك عبر إعلاميين محسوبين عليه، إذ نشر على حساب يحمل اسم الصحافي والمحلل المدافع عن النظام شريف شحادة على موقع «فيسبوك»، تعليقا وهجوما ضد ما يسمى «حزب الله»، قال فيها: «الجيش السوري هو قائد الوطن ولا سيادة فوق سيادة (البوط السوري)، وعلى القوات الرديفة التي تساعد الجيش السوري على بسط السيطرة عليها أن تعلم أنها جاءت لحماية سوريا وليس لبسط سيطرتها»، وختم بالقول: «نرجوكم أن تعيدوا حساباتكم».
من جهتها، قالت كنانة علوش، مراسلة قناة «الدنيا» و«سما»، عبر تعليق على «فيسبوك»: «إن الخلاف في النبل والزهراء جرى بعد الخلاف بين عناصر من (حزب الله) مع عناصر المقاومة التابعة لمدينة النبل، واعتداء الحزب على عناصر الجيش السوري»، مضيفة: «على القوات الرديفة للجيش العربي السوري أن تعلن أن جيش الوطن هو فخر الأمة، وهو من ساند (حزب الله) بحربه مع إسرائيل» وأنهت كلامها بالقول: «لا تلعبوا معنا».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.