الحكومة اللبنانية تكلف أجهزتها بتنفيذ خطة أمنية في طرابلس والبقاع

5 جرحى في غارات سورية على عرسال.. وثلاثة قتلى بينهم عسكري في الشمال

الرئيس ميشال سليمان مترئسا جلسة مجلس الوزراء أمس (تصوير: دالاتي ونهرا)
الرئيس ميشال سليمان مترئسا جلسة مجلس الوزراء أمس (تصوير: دالاتي ونهرا)
TT

الحكومة اللبنانية تكلف أجهزتها بتنفيذ خطة أمنية في طرابلس والبقاع

الرئيس ميشال سليمان مترئسا جلسة مجلس الوزراء أمس (تصوير: دالاتي ونهرا)
الرئيس ميشال سليمان مترئسا جلسة مجلس الوزراء أمس (تصوير: دالاتي ونهرا)

قررت الحكومة اللبنانية في جلستها الأولى بعد نيلها الثقة الأسبوع الماضي تنفيذ الخطة الأمنية التي وضعها المجلس الأعلى للدفاع في المناطق المتوترة، لا سيما طرابلس والبقاع، إضافة إلى تسليم «داتا» الاتصالات وتشكيل لجنة لمتابعة موضوع النازحين السوريين، في وقت ساد فيه أمس الهدوء الحذر على جبهة طرابلس إثر سقوط ثلاثة قتلى بينهم مؤهل في الجيش، و3 جرحى، وإصابة 5 أشخاص، في غارات استهدفت منطقة عرسال في البقاع على الحدود السورية.
وعقد مجلس الوزراء جلسته في قصر بعبدا قبل ظهر أمس برئاسة سليمان، وبدعوة من رئيس الحكومة تمام سلام وحضوره، وحضور الوزراء، ووافق خلالها على قرارات عدة أهمها تنفيذ الخطة الأمنية، وبحث في جدول أعمال من 72 بندا بالإضافة إلى بنود طارئة، فيما تأجّل البت في البند المتعلق بتحويل فرع المعلومات إلى «شعبة»، إضافة إلى التجديد لنواب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى الجلسة المقبلة التي ستعقد الاثنين.
وبحسب المقررات التي أعلنها وزير الإعلام رمزي جريج، كلفت الحكومة الجيش وقوى الأمن الداخلي والأجهزة المختلفة بتنفيذ خطة لضبط الوضع الأمني ومنع الظهور المسلح واستعمال السلاح بكل أشكاله ومصادرة مخازن السلاح في طرابلس وأحيائها وجبل محسن، وتنفيذ الإجراءات كافة لتوقيف المطلوبين، وتنفيذ الاستنابات القضائية في هذه الأعمال وفي عمليات الخطف والابتزاز وسرقة السيارات وعمليات التزوير في مناطق البقاع الشمالي، وضبط الأوضاع الأمنية في هذه القرى، واستعمال كل الوسائل اللازمة لتنفيذ هذه الخطة.
كما أكّدت الحكومة التزامها بمتابعة تنفيذ المشاريع التي تحتاجها طرابلس ومنطقتها، والتي خُصص لها مبلغ 100 مليون دولار، والمقررة ضمن خطة إنماء مختلف المناطق اللبنانية، وتفعيل العلاقة مع الهيئات الاقتصادية والمجتمع المدني لإعداد ورقة عمل تفصيلية لمجموعة من المشاريع والبرامج التي تؤمن انخراط الشباب في تنفيذها، بموازاة العمل على إقرار تعيين مجالس إدارة مرفأ طرابلس ومعرض رشيد كرامي الدولي والمنطقة الاقتصادية الخاصة وتطوير أنظمتها، بما يسمح بمشاركة القطاعات المختلفة في انطلاقتها.
وفي قضية النازحين السوريين الذين قارب عددهم على المليون ونصف المليون في لبنان، في غياب خطة لتنظيم وضعهم، كلّف رئيس مجلس الوزراء بتأليف لجنة وزارية لمتابعة هذا الملف في ضوء المستجدات الطارئة على هذا الصعيد، وطلب سليمان من وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل وضع آلية لمتابعة خلاصات مجموعة الدعم الدولية والقرارات الصادرة عن القمة العربية والصندوق الائتماني.
وأقرّت الحكومة بتسليم «داتا الاتصالات» مع تحفظ وزراء «حركة أمل» واعتراض وزراء حزب الله والتيار الوطني الحر، وكلّفت وزيري الدفاع والداخلية برفع اقتراحاتهما بحاجات الجيش وقوى الأمن الداخلي للتطويع تمهيدا لاتخاذ القرارات اللازمة بشأنها. وأكدت كذلك تأكيد استكمال وتطوير برنامج دعم الزراعات البديلة والمشاريع المرتبطة بها وصرف المخصصات المقررة لها لمناطق البقاع بما يؤمن معيشة واستقرار أبناء المنطقة.
وكان الرئيس اللبناني ميشال سليمان قد تناول في كلمة له خلال افتتاحه الجلسة الوضع الأمني الذي خصص جلسة له مع القادة الأمنيين، وكذلك جلسة للمجلس الأعلى للدفاع أول من أمس التي اتخذ فيها قرارات تبقى سرية وتوصيات ترفع إلى مجلس الوزراء، انطلاقا من أن واجبات المجلس الأعلى للدفاع هي اتخاذ الإجراءات لتنفيذ السياسة العامة التي يقرها مجلس الوزراء.
ورأى سليمان أن «الوضع الأمني بات يستوجب معالجة جذرية، وما دامت القوى العسكرية والأمنية في موقع الفصل بين المتقاتلين فإنها عرضة أكثر فأكثر للهجوم عليها، لذلك باتت المعالجة ملحة، والأمر لم يعد مقبولا».
وتحدث سليمان عن مؤتمر القمة العربية في الكويت، مشيرا إلى أنه «كان اجتماعا للبنان بامتياز، حيث أعلنت القمة تضامنها مع لبنان في موضوع النازحين واللاجئين الفلسطينيين، ودعم الجيش والمجموعة الدولية لدعم لبنان، وتبني إعلان بعبدا، والمحكمة الدولية الخاصة، وموضوع مقاومة الاحتلال»، لافتا إلى أن «البيان الختامي للقمة دعا الدول القادرة إلى أن تقتدي بالمملكة العربية السعودية لدعم الجيش».
وتطرق كذلك إلى موضوع العنف ضد المرأة وضد الأطفال، مطالبا بالحزم الكامل في هذا الموضوع، لافتا إلى أنه «علينا إظهار الوجه الحضاري في هذا الموضوع».
وكان هناك كذلك كلمة لرئيس الحكومة تمام سلام، أكد فيها أن الموضوع الأمني يجب أن يكون الأولوية من بين اهتمامات الحكومة، على أن تترافق المعالجة الأمنية مع خطة إنمائية. وشدد أيضا على ضرورة اعتماد سياسة عامة حول موضوع النزوح.
في موازاة ذلك، شهدت منطقتا طرابلس والبقاع أمس توترا أمنيا، إذ سقط 5 جرحى في غارات شنها الطيران الحربي السوري على الجبال المحيطة بعرسال الحدودية (شرق لبنان)، نقلوا إلى المستشفى الميداني في البلدة، وفق ما ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام، فيما قتل المؤهل في الجيش اللبناني فادي جبيلي بعد إطلاق النار عليه أثناء توجهه إلى عمله في طرابلس (شمال لبنان)، ونجا العريف في قوى الأمن الداخلي سامر دندشي من إطلاق النار عليه أيضا في مدافن باب الرمل بطرابلس.
وأشارت بعض المعلومات إلى إلقاء القبض على مواطن سوري مشتبه به في قتل الجبيلي، فيما أعلنت قيادة الجيش عن تولي الشرطة العسكرية التحقيق في الحادث. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بسماع إطلاق عيارات نارية في محلة محرم في المدينة، تبين أنها ناتجة عن قيام وحدات الجيش بدهم ومطاردة مشتبه بهم، بإطلاق الرصاص على الجبيلي.
وشهدت أمس كذلك مدينة طرابلس تبادلا لإطلاق النار بين منطقتي جبل محسن (ذات الغالبية العلوية) وباب التبانة (ذات الغالبية السنية) في طرابلس، سقط خلالها جريحان، وذلك بعدما عاشت المدينة ليلة من الهدوء الحذر لم تتوقف خلال عمليات القنص المتبادل بين المنطقتين، والتي أدت إلى مقتل الطفل أحمد السيد في باب التبانة، على خلفية مقتل حسن مظلوم داخل سيارته التي انحرفت واصطدمت بامرأة كانت تمر في المنطقة وتوفيت على الأثر.
وكانت الجولة العشرون من المعارك في طرابلس قد توقفت الأسبوع الماضي، بعدما أدت خلال عشرة أيام إلى سقوط 28 قتيلا ونحو 150 جريحا، علما بأن طرابلس تشهد توترا أمنيا منذ عام 2008، زادت وطأته على وقع الأزمة السورية والانقسام السياسي بين منطقتي جبل محسن المؤيدة للنظام السوري وباب التبانة الداعمة للمعارضة.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.