إدانات إرهابية تكشف تورط «حزب الله» في السعودية وسعيه لإصدار مجلة في لبنان

الإعدام لـ14 والسجن لـ9 متهمين بقتل رجال أمن وتصنيع قنابل المولوتوف

من أحداث تخريب العوامية ({الشرق الأوسط})
من أحداث تخريب العوامية ({الشرق الأوسط})
TT

إدانات إرهابية تكشف تورط «حزب الله» في السعودية وسعيه لإصدار مجلة في لبنان

من أحداث تخريب العوامية ({الشرق الأوسط})
من أحداث تخريب العوامية ({الشرق الأوسط})

أصدر القضاء السعودي، أمس، أحكامًا ابتدائية بالقتل لـ14 سعوديًا والسجن لتسعة آخرين، لإدانة أحدهم عن علاقته بالخلية الإرهابية مع ما يسمى «حزب الله» اللبناني، والسعي لإصدار مجلة دورية تنقل أخبار ما يجري في بلدة العوامية، والقيام بصنع قنابل المولوتوف الحارقة لاستهداف رجال الأمن والمواطنين والمقيمين، وكذلك إطلاق النار عليهم، استجابة للتحريض من القتيل نمر النمر، والسطو على المحلات التجارية، مستخدمين سترًا واقية ضد الرصاص، وأجهزة اتصال لاسلكية، ونقل أخبار مغلوطة لجهات إعلامية أجنبية عما يجري داخل محافظة القطيف (شرق السعودية).
وأوضحت المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض، أن المتهم العاشر الذي حكم عليه بالقتل في الخلية، بتستره على أحد الأشخاص الذي أبدى استعداده بالسفر إلى لبنان، لمقابلة عناصر مما يسمى «حزب الله» اللبناني، ومتابعة إصدار مجلة خاصة تعنى بأخبار العوامية، ولم يقم بإبلاغ الجهات الأمنية عن ذلك، حيث ساهم في إنشاء مصنع لتجهيز قنابل (المولوتوف) الحارقة، وتسليم جزء كبير منها إلى المجموعات المكلفة باستهداف رجال الأمن ومواقع الدوريات الأمنية، وذلك عبر معرف (حركة شباب الأحرار)، عبر شبكة البلاكبيري.
وأدين المتهم العاشر بالتستر على بعض مثيري الشغب الذين استهدفوا الممتلكات الخاصة للمواطنين وتضليلهم الرأي العام، من خلال تصوير الأضرار الناتجة عن إطلاق النار ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وزعمهم بأن من قام بذلك التخريب هم رجال الأمن السعودي.
واعترف المتهم الأول بإطلاق النار على عدد من رجال الأمن، في سبعة حوادث مختلفة، كانوا في دوريات أمنية، وآخرين في نقاط تفتيش، وكذلك على مقر شرطة بلدة العوامية، واعترض مع عدد من عناصر الخلية، لمواطنين ومقيمين وأطلق النار عليهم، وقام بالسطو على سكن عمالة أجنبية وسرقته، وكذلك على 11 من المحلات التجارية، ونهب المبالغ، وتوزيعها بينه وبين زملائه، وإطلاقه النار على عدد من المواطنين إثر شكه في أنهم مخبرون لرجال الأمن السعودي، إضافة إلى الاعتداء على منزل أحد المواطنين، وكذلك إطلاق النار على أي شخص يدخل بلدة العوامية ممن ليس من أهلها.
واعترف المدان الأول، بمشاركته في تجمعات إثارة الشغب بسبب القبض على القتيل نمر باقر النمر (نفذت وزارة الداخلية فيه حكم الإعدام في يناير «كانون الثاني» الماضي)، حيث ثبت لدى المحكمة أن قصد المدان الأول من حيازة وشراء وتسليم الأسلحة والذخائر المشار إليها هو الإفساد والإخلال بالأمن الداخلي، وتوجيه عدد من الأشخاص بتصنيع القنابل الحارقة (المولوتوف)، ودعمهم بالوقود، وتسليمهم دراجته النارية أثناء التجمعات لإحضار تلك القنابل وتوزيعها على مثيري الشغب لرميها على رجال الأمن، واتفاقه مع أحد الأشخاص على تسليمه كمية من مادة الحشيش المخدر، وإحضار المدان الأول الحشيش في الموقع المتفق عليه والقبض عليه أثناء ذلك.
وقالت المحكمة، إن هذه الأفعال الإجرامية التي أدين فيها بارتكابها من جرائم الحرابة والسعي في الأرض بالفساد، وحيث ثبتت هذه التهم وثبت كونها مقرونة بفعل ضار يدخل في توصيف الأعمال الإرهابية المجرمة شرعًا ونظامًا، وفق ما استقر عليه العمل القضائي، وتأسيسًا على قواعد الشريعة التي قضت بحسم مادة الفساد وقطع دابرها التي يتحقق بها ضرورة الدين والنفس ومنع البغي والفساد والتصدي لذلك بكل حزم وشدة متى ظهرت أحواله ومقدماته.
وأضافت: «نظرًا لتعدد جرائم المدعى عليه وشناعتها المتمثلة في خروجه المسلح على ولي الأمر، واعتدائه على رجال الأمن والمواطنين وعابري السبيل وإطلاق النار عليهم، وما نتج عنه من سفك الدم الحرام، وإتلافه الممتلكات العامة والخاصة، وقطعه الطريق العام مجاهرة ومكابرة بالسلاح، واعتدائه بالسطو المسلح على عدد من المحلات التجارية وسلبه الأموال، وإخافة السبيل، وإشاعة الفوضى وزعزعة الأمن، مما يستهدف أمن الأمة واستقرارها في دينها وانتظام أحوالها».
وأقر المدان الثاني، بمساعدته أحد الأشخاص ممن هلك في مواجهة أمنية في التخفي من رجال الأمن بعد الإعلان عنه ضمن قائمة المطلوبين، حيث قام بتأمين ما يحتاجه من مأكل وملبس، واشتراكه ضمن مجموعتين للقيام بحراسة منزل ذلك المطلوب ليلاً، واستخدام قنابل المولوتوف في الحراسة ورميها على الدوريات الأمنية أثناء مرورها، حيث كانوا يستخدمون أجهزة اتصال لاسلكية خلال عملية الحراسة، وذلك من أجل التواصل فيما بين مجموعة الحراسة بعضها البعض، وساهم في صناعة قنابل (المولوتوف)، ونقلها لعناصر الخلية الإرهابية، واشتراكه مع عدة أشخاص في تنظيم تجمعات مثيري الشغب وترديد العبارات المعادية للدولة وتوزيع المشروبات عليهم.
واعترف المدان الثالث، باشتراكه في إطلاق النار على رجال الأمن، والسطو المسلح على سيارة نقل الأموال تابعة لإحدى الشركات، وإطلاق النار على سائق سيارة نقل الأموال وإصابته في فخذه اليمنى، وطعن السائق داخل السيارة ثم الاستيلاء على (كيس الأموال) والهرب به وتقاسم المال مع زملائه، وساهم في عمليات السطو على الكثير من المحلات والوافدين، من بينها محلين لحملات الحج والعمرة وسلب أموال من داخلهما، خصوصا وأن المدان، ساهم في السطو على شقة مواطن، عبر تسلله من فتحة التكيف، بعد إزاحته، وسلب الأموال والذهب.
وساهم المدان السابع في استهداف الدوريات الأمنية، وترصد رجال الأمن في مركز شرطة العوامية، واشتراكه في السطو على المحلات التجارية، وسلب الأموال، واجتماعه بعدد من متزعمي الشغب وتستره عليهم، مع علمه بأنهم مطلوبون أمنيًا، وتستر على ممتهني تجارة الأسلحة دون ترخيص وقيامه عند القبض عليه بفك ذاكرة الجوال الخارجية وإعطائها إحدى قريباته، لاحتوائها على صور بعض الأسلحة النارية ومقاطع تدور حول أحداث الشغب في محافظة القطيف ومملكة البحرين.
وأقر المدان التاسع بأنه استجاب لتحريض القتيل نمر باقر النمر، واشترك في إطلاق النار على سيارة دورية أمنية في أحد شوارع محافظة القطيف، ونتج عنه قتل رجل أمن، وقام أيضًا بإطلاق النار مع آخرين على مدرعة تابعة لقوات الطوارئ الخاصة في أحد شوارع محافظة القطيف.
واعترف المدان 12 باشتراكه في إطلاق النار على رجال الأمن أثناء قيامهم بتأدية أعمالهم، ما نتج عن ذلك مقتل أحدهم وإصابة مرافقه في الدورية الأمنية، حيث كان يطلق النار مسرعًا على دراجة نارية، يقودها أحد عناصر الخلية الإرهابية، وقام أيضًا بإطلاق النار على دورية كانت متوقفة، ونتج عن ذلك إصابة أحد المقيمين، حيث تم القبض عليه وهو على سيارة مسروقة يقوم ببيع الخمور، لا سيما وأن المدان كان يصنع الخمور في مزرعة في بلدة العوامية. واشترك المدان 12 في أحداث الشغب ببلدة العوامية، وقيامه بحمل الأعلام وترديد الهتافات المناوئة للدولة، وإغلاق مداخل البلدة وحرق إطارات السيارات لإعاقة دخول الدوريات الأمنية استجابة لتحريض القتيل نمر النمر، وبتكليف مباشر من أحد رفاقه ممن هلك في مواجهة أمنية لاحقًا، حيث تواصل المدان مع جهات إعلامية أجنبية وإعطائه صورة مكذوبة عن الأحداث الحاصلة في محافظة القطيف، وقيامه بتسجيل عدد من الفيديوهات والصور ونشرها على عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل أعمال الشغب وزعزعة الأمن.
وثبت لدى المحكمة إدانة المدعي عليه 16، بإخافة السبيل وترويع الآمنين والاعتداء على مقر أمني وخيانته العظمى لأمانته وحنثه في القسم الذي أداه في عمله العسكري، من خلال اشتراكه ضمن مجموعة كبيرة بالهجوم المسلح على مركز شرطة العوامية، وقيامه بمراقبة المكان وتحذير المشاركين عند قدوم رجال الأمن ليتمكنوا من الهرب، وقام المدان في تلك الواقعة بإطلاق النار من سلاح رشاش على الحواجز الخرسانية الموجودة في ذلك المكان، واشتراكه في مسيرات وتجمعات الشغب في بلدة العوامية. واعترف المدان 23، باشتراكه في المسيرات والتجمعات وأحداث الشغب التي حدثت في محافظة القطيف، وتنظيمه بعضًا منها، وإغلاقه الشوارع بواسطة الحاويات والإطارات المشتعلة، وترديده الهتافات المعادية للدولة عبر مكبرات الصوت، وتدخله في شأن دولة خليجية مجاورة، وحمله الصور واللافتات المناوئة، واشتراكه في نقل بعض المصابين في تلك الأحداث، وتستره على أشخاص يقومون بتسجيل وببث الخطب التحريضية للقتيل نمر النمر، قبل القبض عليه، وبثها على الشبكة المعلوماتية وعدم الإبلاغ عن ذلك.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.