ألمانيا.. ثمن صعود اليمين

العداء للإسلام حلّ في السنوات العشر الأخيرة محل العداء لليهود

ألمانيا.. ثمن صعود اليمين
TT

ألمانيا.. ثمن صعود اليمين

ألمانيا.. ثمن صعود اليمين

نال حزب البديل لألمانيا، اليميني المتطرف، نسبة 4.7 في المائة من أصوات الناخبين في العام 2014، بحسب الباروميتر السياسي الذي تبثه القناة الثانية في التلفزيون الألماني (ز.د.ف). وقفزت هذه النسبة في العام 2016 إلى 14.4 في المائة وفق نفس البرنامج. ثم واصل الحزب صعوده ليحقق 24.3 في المائة في انتخابات ولاية سكسونيا انهالت في مارس (آذار) الماضي. أصبح هذا الحزب القوة الثانية في الولاية الشرقية (متفوقًا على الحزب الديمقراطي الاشتراكي وحزب اليسار) وتزامنت هذه القفزة، التي لم يحلم أي حزب يميني بتحقيقها حتى الآن، مع «أزمة اللاجئين» وتصاعد العداء للاجئين والأجانب والإسلام.
ويحمّل كبار الساسة، وخصوصًا من داخل الحزب الديمقراطي المسيحي وشقيقه الحزب البافاري (الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، المستشارة أنجيلا ميركل المسؤولية عن صعود اليمين المتطرف بسبب سياسة الانفتاح على اللاجئين، وموقفها القائل بانتماء الإسلام إلى ألمانيا.

صدر النقد لسياسة ميركل عن عرابها السياسي، وعميد الديمقراطيين المسيحيين هيلموت كول، الذي قال لصحيفة «برلينر تاغيستسايتونغ» إن «أوروبا لا يمكن أن تصبح ملجأ لملايين الناس الذين شردتهم الحروب.. أوروبا يمكنها أن تساعد». وأضاف: «لا ينبغي أن نوقظ في المواطن، وفي اللاجئ، آمالاً كاذبة». وطار كول بعدها إلى بودابست للقاء رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان في محاولة لإصلاح ما خربته ميركل، كما يقال.
وأيد كول في موقفه أرمين لاشيت، نائب رئيسة الحزب الديمقراطي المسيحي ميركل، الذي انتقد فتح الحدود على مصراعيها أمام اللاجئين ضمن سياسة «الترحيب باللاجئين» التي انتهجتها المستشارة.
* تحميل ميركل المسؤولية
يكفي أن هورست زيهوفر، زعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي، والذي طالما انتقد سياسة ميركل علنًا، أعلن عن نية حزبه الترشح للانتخابات العامة في العام المقبل بشكل منفرد. وإذا ما حصل هذا، فإنها المرة الأولى التي سيخوض الحزب البافاري فيها الانتخابات العامة في قائمة منفصلة منذ الحرب العالمية الثانية. ويعتقد زيهوزفر أن الوقت قد حان لمغادرة سفينة المستشارة ميركل، التي فقدت نسبة عالية من شعبيتها، قبل أن تغرق. ولهذا فقد أشار إلى أن 45 في المائة من الناخبين الألمان، و49 في المائة من ناخبي حزبه، يريدون للحزب أن يخوض الانتخابات بقائمة منفصلة.
وكان وزير النقل الاتحادي ألكسندر دوبرنت، من حزب زيهوزفر أيضًا، أوضح من رئيسه البافاري المتشدد في تحديده لأسباب صعود اليمين المتطرف، فحمل ميركل المسؤولية المباشرة عن صعود حزب البديل لألمانيا وحلفائه. وقال دوبرنت لمجلة «دير شبيغل» إن الحزب الديمقراطي ما عاد يمثل وسط اليمين المحافظ، وإن هذا هو سبب عزوف ناخبيه عنه وانتخابهم لحزب البديل لألمانيا. ومعروف أن ميركل تبجحت لسنوات بأن سر قوتها هو أنها تمثل وسط اليمين.
وحمّل دوبرنت الحزب الديمقراطي المسيحي المسؤولية عن هروب الناخبين إلى أحضان اليمين المتطرف، بسبب تحالفه مع حزب الخضر لتشكيل حكومة ولاية راينلاند بفالز، والسماح بانتخاب فينفريد كريتشمر (من حزب الخضر) رئيسًا لوزراء الولاية. وقال إن تحالف حزب ميركل مع الخضر أخل بالعلاقة مع الاتحاد الاجتماعي المسيحي.
ومعروف أن الحزب الديمقراطي المسيحي في ولاية بادن فورتمبيرغ فقد 12 في المائة من أصواته (حقق27 في المائة فقط) في الانتخابات الأخيرة، تاركًا المركز الأول لحزب الخضر الذي حقق 3.03 في المائة. وواضح أن أصوات ناخبي حزب ميركل ذهبت إلى حزب البديل لألمانيا الذي حقق 15.1 في المائة، وهي أعلى نسبة في الولايات الغربية حتى الآن. وبعد أيام من انتخاب كريتشمر على رأس حكومة الولاية، اتهم كريتشمر الحكومة الاتحادية بانعدام بعد النظر في سياستها تجاه اللاجئين.
وفي ضوء نتائج انتخابات ثلاث ولايات حقق فيها حزب البديل لألمانيا نسبًا تتراوح بين 10 - 15 في المائة، نصح دوبرنت الحزب الديمقراطي المسيحي بعدم التقليل من شأن هذا الحزب، وطالب بتحليل جديد للخريطة الانتخابية في ألمانيا.
ولم يصدر عن المستشارة ميركل، لا عن قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي، أي تعليق على رسالة وجهتها «حلقة برلين» للمحافظين الاقتصاديين، إلى قيادة الحزب. نشرت صحيفة «فرانكفورتر الغيماينة» الرسالة التي كان فولفغانغ بوسباخ، المسؤول في الحزب عن الشؤون الداخلية، أحد موقعيها. وجاء في الرسالة أن سياسة الانفتاح على اللاجئين أدت إلى خسارة الحزب في الانتخابات المحلية. وذكرت الرسالة أيضًا أن فتح الحدود أمام أكثر من مليون لاجئ أثار «الخشية من فقدان الهوية والتغرب» بين الألمان. وتضمنت سياسة الحزب تجاه اللاجئين «مخاطر أكثر من مكاسب».
* عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية
مارتن بوركهاردت، المحلل السياسي في صحيفة «دي فيلت»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن المستشارة الألمانية تتحمل بالتأكيد جزءا من المسؤولية عن صعود اليمين المتطرف في الانتخابات المحلية الأخيرة بسبب سياسة «الترحيب باللاجئين»، لكن القضية تعود إلى أكثر من عشر سنين مضت، وخصوصًا بالعلاقة مع المتغيرات في العالم، والأزمة الاقتصادية، والحرب ضد الإرهاب، وعدم استقرار منطقة الشرق الأوسط بعد ما يسمى بالخريف العربي. وأشار إلى عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية أسهمت بتعبيد الطريق أمام حزب البديل لألمانيا الشعبوي. فهناك أزمة اقتصادية اجتماعية تتمثل في تدهور حالة أصحاب الدخول الضعيفة، وزيادة الشقة بين الفقراء والأثرياء، وهي عوامل أدت إلى تشكل نخبة واسعة من «الناخبين الاحتجاجيين» و«الناقمين» بسبب البطالة، والذين يحملون الأجانب واللاجئين المسؤولية عن تدهور أوضاعهم الاقتصادية.
وبرأيه أن سياسة الترحيب باللاجئين تحولت إلى مفارقة ومن ثم إلى مأساة فقد خلالها الحزب الديمقراطي المسيحي بوصلته السياسية. وقال أيضًا إن أزمة اللاجئين، وقضية صعود اليمين المتطرف، أصبحت فوق قدرات المستشارة أنجيلا ميركل.
وفيما يبدو اليمين المتطرف موحدًا كما لم يظهر من قبل في ألمانيا، يبدو معسكر الديمقراطيين مفككًا، وتمتد هذه الحالة إلى داخل هذه الأحزاب التي تشهد صراعات كبيرة بين الأجنحة. ولا يمكن هنا، وفق تقديراته، نسيان الدور الضعيف لليسار الألماني في مواجهة اليمين الفاشي. وكان من المعتاد أن يتصدى اليسار لمظاهرات ونشاط النازيين، وما زالوا يفعلون ذلك، إلا أن المظاهرات المضادة، وخصوصًا الحركة المعادية للإسلام (بيغيدا) صارت تحشد عشرات الآلاف كل مرة.
في السنوات العشر الماضية احتل الإسلام بالتدريج موقع العدو الأول في نشاطات وبرامج الأحزاب اليمينية المتطرفة. وساعد في ذلك صعود التطرف والإرهاب وما يشكله من تهديد مباشر على أوروبا.
* انصهار الحركات اليمنية في بوتقة واحدة
الملاحظ خلال السنوات الثلاث الماضية هو تراجع دور الأحزاب اليمنية المتطرفة، المحسوبة على النازية الجديدة، وخصوصًا الحزب القومي الألماني وحزب الشعب الألماني. ويبدو أن هذه الأحزاب فهمت، ولو للفترة الحالية، أن الحركات الجديدة مثل حزب البديل لألمانيا، وحركة مناهضة أسلمة أوروبا (بيغيدا) تحظى بشعبية واسعة ولا تخضع مثلها، حتى الآن، لرقابة دائرة حماية الدستور(الأمن العام).
فضلاً عن ذلك اختفت الفوارق بين برنامج الحزب القومي الألماني وحزب البديل الألماني بالتدريج خلال بضع سنوات. وإذا كان اليمين المتطرف التقليدي يركز على «القومية الألمانية»، يركز حزب البديل لألمانيا على «الوطنية الحقة» والعودة إلى «القيم البروسية الصميمة» و«النظام» و«حب الوطن» و«الشعور بالواجب». وبدلاً عن الشعارات السابقة المعادية لليهود والغجر، حلت الشعارات المناهضة للإسلام.
ولهذا السبب أيضًا اختفت الحواجز بين حركة «بيغيدا» وحزب البديل، وما عاد المراقب قادرًا على التمييز بين أنصار ومتظاهري الحركتين. وصارت الشعارات المناهضة للإسلام التي ترفعها «بيغيدا» حتى الآن ثوابت في برنامج حزب البديل التي أقرها في مؤتمره الأخير في شتوتغارت. وتجاوز العداء للإسلام موضوع «انتماء الإسلام لألمانيا» و«تناقض الإسلام مع الدستور» إلى المطالبة بحظر الحجاب ومنع بناء المساجد وقطع مصادر تمويل الجمعيات الإسلامية والمساجد.. إلخ
في ذات الوقت صار بعض أعضاء حزب البديل لألمانيا يتحدثون بآرائهم العنصرية علنًا، ورصدت صحيفة «يونغة فيلت» اليسارية محاضرة ألقاها بيورن هوكه، رئيس الحزب في ولاية تورنغن، في معهد «سياسة الدولة» (المتهم بالتطرف اليميني) قال فيها إن نشوء وتطور الأوروبيين يختلف في مساره عن نشوء وتطور الأفارقة. وكشف برنامج «مونيتور» المعروف، الذي تبثه قناة التلفزيون الألمانية الأولى (أ.ر.د)، عن علاقة عضوية لهانز توماس تيلشنايدر، رئيس «المنبر الوطني» في حزب البديل لألمانيا، بإحدى المنظمات النازية المحظورة.
* الحكومة تفعل للاجئين أكثر مما تفعل للمواطن!!
لا يختلف اثنان على أن حزب البديل لألمانيا حقق نتائجه الانتخابية، وشعبويته، على أكتاف قضية اللاجئين. ولكن كيف يفكر الألمان الذين منحوا أصواتهم في ولاية بادن فورتمبيرغ لهذا الحزب؟ وكيف يفكر الألمان عمومًا، وكم يقترب ناخبو الحزب الديمقراطي المسيحي في تفكيرهم من ناخبي الحزب الشعبوي؟
تكشف لنا الدراسة التي أجراها معهد «انفرا تيست» عن تفاصيل المواضيع التي أدت إلى هذا النجاح «التاريخي» الذي حققه حزب البديل لألمانيا في ولاية بادن فورتمبيرغ. ويعبر خبراء المعهد عن قناعتهم بأن الوضع على عموم ألمانيا لا يختلف كثيرًا.
إذ عبر 90 في المائة من ناخبي حزب البديل لألمانيا عن قناعتهم بأن الحكومة الاتحادية فقدت سيطرتها على أزمة اللاجئين، وهذا يكشف مدى حساسية هذا الموضوع اليوم. وكانت نسبة 45 في المائة من ناخبي الحزب الديمقراطي المسيحي تتفق مع ناخبي الحزب الشعبوي في هذا التقييم، بل ونسبة 37 في المائة من ناخبي الحزب الديمقراطي الاشتراكي.
وقال 100 في المائة من ناخبي حزب البديل إن ميركل ارتكبت «خطأ كبيرًا» في رسم وإدارة أزمة اللاجئين، كانت هذه النسبة تنخفض إلى 43 في المائة بين عموم الناخبين. وعبرت نسبة 68 في المائة من عموم الناخبين عن ارتياحها لتراجع أعداد اللاجئين، مع نسبة 61 في المائة طالبت بوضع حدود معينة لعدد اللاجئين الممكن استقبالهم كل سنة.
انظروا الآن ماذا يقول الناخب في بادن فورتمبيرغ ردًا على سؤال يتهم الحزبين الحاكمين (التحالف المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي) بأنهما يهتمان باللاجئين أكثر من اهتمامهما بالمواطنين الألمان. رد 85 في المائة من ناخبي حزب البديل لألمانيا تأييدًا لهذه التهمة، وكانت النسبة بين عموم الناخبين ترتفع إلى 38 في المائة، وإلى 34 في المائة بين ناخبي المحافظين والاشتراكيين، بل وإلى 32 في المائة أيضًا بين ناخبي الحزب الليبرالي.
وعن خطر الإسلام المزعوم ذكرت نسبة 52 في المائة من الناخبين عمومًا أن نفوذ الإسلام يتعزز في ألمانيا بسبب اللاجئين. وترتفع هذه النسبة إلى 90 في المائة بين ناخبي حزب البديل لألمانيا، وإلى 56 في المائة بين صفوف ناخبي المحافظين. وهذا يكشف أهمية موضوع الإسلام بالنسبة للناخبين. ويرى 61 في المائة من عموم ناخبي بادن فورتمبيرغ أن اللاجئين سينافسونهم على مواقع العمل والشقق السكنية، كما عبرت نسبة 53 في المائة منهم عن قناعتهم بأن اللاجئين سيؤدون إلى تصاعد معدلات الجريمة. ونال حزب فراوكه بتري أصواته على وجه الخصوص من ناخبين من أعمار 18 - 45.
* إحباط من الحكومة.. إحباط من الديمقراطية
يرى كثير من المحللين السياسيين أن القوة الصوتية لحزب البديل لألمانيا تمكن أولاً في «غير الناخبين»، وفي الناقمين على الأوضاع ثانيًا. ومعروف أن لكل حزب ناخبيه الثابتين في كل جولة انتخابية، مع نسبة تتراوح حول 25 في المائة من المترددين الذين يتأثرون بالدعاية الانتخابية ويحسمون أمرهم في نهاية المطاف.
وكانت نسبة المشاركة في الانتخابات هذا العام في بادن فورتمبيرغ عالية وبلغت 70.8 في المائة مقارنة بنسبة 66.3 في المائة في الانتخابات الماضية في عام 2011. والمعتقد أن حصة اليمين المتطرف من «غير الناخبين»، الذين صوتوا هذه المرة، كانت عالية بفعل أزمة اللاجئين.
تؤكد التحليلات التفصيلية لنتائج الانتخابات دور المحبطين والناقمين، بسبب البطالة والشعور بالقهر.. إلخ، في صعود المد اليميني المتطرف. دليل ذلك، ووفق إحصائيات معهد انفراتيست، قالت نسبة 21 في المائة فقط من ناخبي حزب البديل لألمانيا إنهم صوتوا إلى هذا الحزب عن قناعة ببرنامجه وشعاراته. بينما ذكر 70 في المائة أنهم صوتوا لهذا الحزب بسبب إحباطهم من الأحزاب التقليدية. وفقد الحزب الديمقراطي المسيحي 194 ألف ناخب ثابت من ناخبيه لصالح حزب البديل لألمانيا، و86 ألفًا لصالح الحزب الليبرالي، كما امتنع 15 ألفا من ناخبيه عن التصويت هذا العام.
وتعتقد نسبة 93 في المائة من ناخبي الحزب اليميني المتطرف أن الحزب لن يحل الأزمات الدائرة في البلد، لكنه يسميها بالاسم على الأقل. وتجد نسبة 92 في المائة أن الحزب «مظلوم» إعلاميًا ولا يلقى ما يستحقه من اهتمام من قبل وسائط الإعلام.
المهم أيضًا أن 81 في المائة من ناخبي الحزب غير راضين عن الديمقراطية المعمول بها في ألمانيا، وغير راضين عن توزيع الثروة، وعن خفض رواتب المتقاعدين.. إلخ. ولهذا كان العاطلون والمتقاعدون يشكلون 20 في المائة و32 في المائة من ناخبيه على التوالي. وكان الأمين العام لمجلس «أوروبا ثوربيورن ياغلاند» حذر في وقت سابق من أن الديمقراطية مهددة بتصاعد النزعة الشعبوية والقومية في أوروبا. وقال بمناسبة نشر تقرير سنوي حول الديمقراطية في أوروبا إن تصاعد الشعوبية يدفع القارة نحو «وضع خطير جدًا». استشهد ثوربيورن بدراسة واسعة النطاق لمؤسسة بيرتلسمان أن 57 في المائة من الألمان يعتبرون الإسلام «تهديدا» و61 في المائة يرون أنه «غير متوافق مع العالم الغربي»، وهو حذر «لا يمكن تجاهله».
* اختلال الميزان البرلماني
مر النظام السياسي الألماني، منذ تأسيس ألمانيا الغربية بعد انتهاء الحرب الكونية الثانية، بعدة مراحل يكشفها الميزان الانتخابي للقوى السياسية. إذ ساد حتى منتصف الثمانينات ميزان القوى الثلاث المؤلف من الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي). وكانت الحكومات المتعاقبة تتشكل عادة من تحالف أحد الحزبين الكبيرين إلى جانب الحزب الليبرالي. ومع صعود حزب الخضر في الثمانينات إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ) ساد لسنوات نظام الأحزاب الأربعة، وصار الخضر الحزب الحليف للاشتراكيين، بينما بقي الليبراليون حلفاء للمحافظين. ومع توحيد ألمانيا ظهرت القوة الخامسة في النظام السياسي الألماني بعد صعود حزب الاشتراكية الديمقراطية في شرق ألمانيا، ومن ثم اندماجه مع الأحزاب اليسارية في الغرب في «حزب اليسار».
ويعتبر صعود اليمين المتطرف إلى البرلمان حالة خطيرة أنهت كل الموازين الانتخابية السابقة، وثبّتت، ربما إلى فترة ما، نظام الأحزاب الستة. وقلبت هذه المعادلة موازين العملية الديمقراطية تمامًا، وفرض حزب البديل من أجل ألمانيا أشكالاً جديدة من التحالفات، كما هو الحال في تحالف المسيحيين مع الخضر في بادن فورتمبيرغ. وربما ستؤدي هذه الحالة، التي يفرضها رفض الأحزاب الديمقراطية التحالف مع اليمين المتطرف، إلى ظهور أنواع أخرى من التحالفـات، كما قد تؤدي إلى تصدع «تقاليد» متزمة أخرى مثل رفض الاشتراكيين التحالف مع حزب اليسار. وقد يفرض هذه الوضع بقاء التحالف الكبير بين الاشتراكيين والمسيحيين لفترات أطول، وهي نماذج ستؤدي، بقناعة الكثيرين، إلى تعزيز مواقع حزب البديل لألمانيا. وربما ستقود هذه النماذج التحالفية، المتنافرة في حقيقتها، إلى مزيد من الإحباط والامتناع عن التصويت، وربما إلى مزيد من الفشل، وهذا كله يصب في صالح اليمين المتطرف.
في الثلاثينات من القرن العشرين اجتمعت عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية أدت إلى صعود اليمين الفاشي. لكن حزب هتلر في تلك الفترة نال دعم شركات اقتصادية كبيرة، ومنابر إعلامية مؤثرة، ومشاعر قومية جامحة، وهو ما لم يحدث في ألمانيا اليوم حتى الآن. بل إن العكس صحيح، فالاقتصاد اليوم يقف بقوة إلى جانب سياسة الترحيب بالمهاجرين. ولا ينال حزب البديل لألمانيا أي دعم من الإعلام، وتشكو رئيسته دائمًا من هذا «الإجحاف». ويحاول الحزب بجهد الآن وقف قرار محتمل لمحكمة الدستور يقضي بوضعه تحت الرقابة الأمنية بتهمة التطرف اليميني.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.