معنى أن تكون رومانطيقيًا أو لا تكون

الشعوب بحاجة إلى مفكرين ممتلئين حماسة للتغيير والمغامرة في المجهول

ألفريد دي موسيه
ألفريد دي موسيه
TT

معنى أن تكون رومانطيقيًا أو لا تكون

ألفريد دي موسيه
ألفريد دي موسيه

من نافل القول إن الرومانطيقية هي إحدى أهم الحركات الفكرية والفنية والأدبية التي ظهرت في الغرب إبان القرن التاسع عشر. لنقل إنها ظهرت في أوروبا الغربية في أواخر القرن الثامن عشر، وازدهرت كليا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وقد ظهرت أولا في بريطانيا وألمانيا قبل أن تنتقل إلى فرنسا وإيطاليا وإسبانيا لاحقا. وقد ظهر هذا التيار باعتباره رد فعل على الجفاف العقلاني الذي ساد عصر التنوير، وكذلك باعتباره رد فعل على القواعد الكلاسيكية الصارمة للفن، وهي قواعد أصبحت قسرية وإكراهية أكثر من اللزوم. وأول شيء تتميز به الرومانطيقية، هو التركيز على الأنا الشخصية أو الأنا الذاتية. ففي السابق، كان الفنان أو الأديب يختفي وراء الأنا الجماعية للأمة أو العشيرة أو القبيلة. أما الآن فقد أصبح يتحدث باسمه الشخصي، ويعبر عن عذاباته الداخلية وعواطفه المجروحة بشكل غنائي مؤثر.
وتتميز الرومانطيقية أيضًا، بالرغبة في استكشاف كل إمكانيات الفن والأدب من أجل التعبير عن نشوة الحب أو جروحات القلب. وبالتالي فالرومانطيقية تعريفا، هي رد فعل القلب على العقل، أو انتقام القلب من العقل إذا جاز التعبير. فالكاتب أو الشاعر أو الفنان أو الرسام أو الموسيقار الرومانطيقي، يعطي الأولوية لمشاعره الداخلية وحميميته الجوانية، قبل أي شيء آخر، ولا يهمه رأي المجتمع في ذلك، سواء أكان راضيا عنه أم لا. إنه ينتهك القواعد الاجتماعية الصارمة والامتثالات الاجتماعية الخانقة، لكي يعبر عن مكنون صدره ويرخي العنان لمشاعره المتدفقة. بهذا المعنى فإن الرومانطيقية هي عبارة عن حساسية سيكولوجية أولا وقبل كل شيء آخر. فالإنسان الرومانطيقي يبحث عن الهروب من الواقع والعيش في عالم الخيال والأحلام الوردية البهيجة. وأحيانا يغوص في المالينخوليا والعذابات السحيقة. ذلك أن الإنسان الرومانطيقي حساس إلى أقصى الحدود. ولذلك فإن عالم الواقع بكل قساوته وإكراهاته وقيوده يجرحه ويخنق انطلاقته وحريته.
ولهذا السبب فإن كبار شعراء وفناني الرومانطيقية عبروا عن الانطلاقة والحرية بكل قوة وفرح وهيجان. يكفي أن نفكر هنا باسم الرسام الفرنسي الكبير: دولاكروا، أو باسم الشعراء الإنجليز: كوليردج، ووردزورث، وشيلي، وبايرون، وكيتس.. إلخ. كلهم كانوا من عشاق الحرية والتمرد. كلهم عاشوا حياتهم بشكل رومانطيقي رائع وتراجيدي في آن.
وينبغي أن نذكر أيضا كبير أدباء ألمانيا: غوته، فقد وصل بالرومانطيقية إلى ذروتها العليا من خلال آلام فيرتر أو فاوست، أو من خلال أشعاره الكبرى. لكن غوته لم يكن فقط روائيا، أو شاعرا، أو أديبا، وإنما كان مفكرا وعالما أيضا. وهكذا جمع في شخصه بين أشياء عدة دفعة واحدة. وهذا نادر. ولهذا السبب يعد مفخرة ألمانيا حاليا.
وتتميز الشخصية الرومانطيقية عادة بالنوستالجيا: أي الحنين إلى شيء غامض، مبهم، مضى وانقضى ولن يعود. وأكبر مثال على ذلك المفكر السويسري أو الفرنسي الشهير: جان جاك روسو. فقد كان كاتبا نوستالجيا - أي حنينيا - بامتياز. وكثيرا ما تنضح كتاباته واعترافاته بالحنين إلى الحبيبة الماضية أو الأيام المنصرمة أو الذكريات الملوعة.
ولهذا السبب قال غوته جملته الشهيرة: فولتير أغلق العالم القديم، وروسو دشن العالم الجديد. وكان يقصد بذلك أن فولتير ختم العصر الكلاسيكي والعقلاني في الفن والأدب والفكر، وأن روسو افتتح العصر الجديد للحساسية الفكرية والأدبية: أي الرومانطيقية بالذات. نعم لقد كان روسو أول الرومانطيقيين، لأنه كان يحب الطبيعة جدا ويرمي بنفسه في أحضانها كأنها الأم الحنون. وهذه هي أيضا صفة أخرى أساسية من صفات الرومانطيقية. فلا يمكن أن تكون شخصا رومانطيقيا إن لم تعشق الطبيعة عشقا وتنصهر فيها انصهارا كاملا.
نعم إن الشخص الرومانطيقي يحب الطبيعة ويناجيها ويبثها همومه ومشاعره وعواطفه كأنها حبيبة أو عشيقة أو صديقة. وفي أدبه تكثر صور الأشجار والأنهار وخرير السواقي وصوت العندليب ونسمات الهواء العليل.. إلخ. هذا بالإضافة إلى ضوء القمر في الليالي الجميلة.
أعطني الناي وغني
فالغنا سر الخلود
وأنين الناي يبقى
بعد أن يفنى الوجود
هل اتخذت الغاب مثلي
منزلا دون القصور
فتتبعت السواقي
وتسلقت الصخور
هل تحممت بعطر
وتنشفت بنور..
جبران خليل جبران أحد أعظم الرومانطيقيين العرب. لم أقرأ قصيدته مرة إلا وأصابتني رعدة شديدة، وذهلت عن نفسي، وبخاصة عندما تسمعها من فم فيروز بعد تحوير خفيف وناجح جدا.. هل سمعت صوت الملائكة؟
وفي فرنسا يطلقون مصطلح الرومانطيقية على ذلك التيار الأدبي الذي ابتدأ نحو عام 1820 واستمر حتى عام 1850 تقريبا. وكان على رأسه الشاعر الكبير فيكتور هيغو، لكن كان من أعلامه أيضا كوكبة من كبار الكتاب والشعراء ليس أقلهم ألفريد دوموسيه، وفيني، وجيرار دونيرفال، ولامارتين، وسواهم كثيرون.
وقد دخل الرومانطيقيون في معركة حقيقية مع الكلاسيكيين عندما أصدر فيكتور هيغو مسرحيته الشهيرة باسم «هيرناني». وحولها دارت معركة كبيرة انتهت بانتصار التيار الرومانطيقي على التيار الكلاسيكي الذي هيمن على القرنين السابع عشر والثامن عشر.
وبالتالي فالرومانطيقية كانت تمثل الحداثة في وقتها، والكلاسيكية كانت تمثل التيار التقليدي الراسخ الذي يمنع الفنان من التنفس بحرية وانطلاق. ثم جاءت الحداثة الشعرية على يد رامبو، لكي تمثل انقلابا على الرومانطيقية وتجاوزا لها. وحدث الشيء ذاته في الشعر العربي أيضا.
وفي ألمانيا كان يقف على رأس المدرسة الرومانطيقية كلٌّ من الشاعرين الكبيرين غوته وشيلر، ثم سار على نهجهما بعدئذ، شعراء وفنانون كبار ليس أقلهم هولدرلين، ونوفاليس، والموسيقار الكبير فاغنر صديق نيتشه وأستاذه وعدوه في آن معا.
ويعد النقاد أن فاغنر يمثل ذروة الموسيقى الرومانطيقية. وأما على المستوى الفلسفي فيمكن اعتبار فيخته بمثابة الممثل الأعلى للفلسفة الرومانطيقية، أي فلسفة الحرية الذاتية للفرد. ومعلوم أنه هو الذي هيج الشعب الألماني وأيقظ نزعته القومية ضد الفرنسيين عن طريق خطاباته الملتهبة الموجهة إلى الأمة الألمانية. وقد أخذ القوميون العرب عنه ذلك لاحقا عندما حاولوا إيقاظ نزعة القومية العربية، بغية تمييزها عن القومية التركية أو القومية الفارسية.. إلخ.
فقد ضرب فيخته على الوتر الحساس، وعرف كيف يحرك مشاعر الأمة الألمانية، ويذكرها بأمجادها ويعطيها الثقة بنفسها، لكي تنطلق من جديد وتصنع المعجزات. وبالتالي فالشعوب بحاجة أحيانا إلى مفكرين رومانطيقيين ممتلئين حماسة، للتغيير وصنع المستقبل والمغامرة في المجهول. وهذه هي أيضا إحدى سمات العقلية الرومانطيقية. فالرومانطيقي شخص يحب الأسرار والمجاهيل والانخراط في عملية استكشافها، حتى لو أدى به ذلك إلى حتفه في نهاية المطاف.
وأخيرا فإن الرومانطيقي عكس الشخص الواقعي، إنه لا يحسب أي حساب للعراقيل والصعاب. ولهذا السبب، فإن الواقعية جاءت بعد الرومانطيقية مباشرة وليس قبلها. فبعد أن تعب الكتّاب والمفكرون من العقلية الرومانطيقية جاءت العقلية الواقعية، لكي تحل محلها وبخاصة في مجال الرواية والفكر. وهذه هي حال التاريخ: مدٌ وجزر، صعود وهبوط. وكلما تعب الإنسان من شيء انتقل إلى نقيضه والعكس بالعكس. فالواقعية أيضا تعبوا منها لاحقا، ولذلك جاءت بعدها مدرسة فنية جديدة هي مدرسة ما فوق الواقعية، أي السريالية. وعلى هذا النحو تتعاقب المدارس الفنية والأدبية بعضها وراء بعض.
أخيرا نقول: لقد أعطت الرومانطيقية للعالم بعضا من أجمل رواياته وأشعاره وسيمفونياته ولوحاته الفنية الكبرى. يكفي أن نذكر هنا اسم ألفريد دوموسيه الذي كان يتجول في الطبيعة في غابة فونتنبلو القريبة من باريس التي ألهمته إحدى أجمل قصائده: ذكرى أو ذكريات.
ويكفي أن نذكر اسم موزار وبيتهوفن والسيمفونيات الخالدة، هذا من دون أن ننسى فاغنر. يكفي أن نذكر رواية جان جاك روسو: «هيلويز الجديدة»، أو قصائد لامارتين عن فصل الخريف أو عن البحيرة التي كان يلاقي محبوبته على ضفافها. ثم ماتت المحبوبة بداء السل، وهي في عز شبابها، فراح يبكيها متفجعا على شاطئ البحيرة، متذكرا أيامه الهنيئة معها. وقد ترجمت إلى العربية أكثر من مرة. وبالتالي فلا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية العطاء الذي قدمته الحركة الرومانطيقية للآداب العالمية.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.