كلينتون «تسقط» في ويست فيرجينيا.. وساندرز يحقق نصرًا مدويًا

ترامب لا يزال يواصل حصد الأصوات في السباق نحو البيت الأبيض

المرشح الجمهوري دونالد ترامب يحيي أنصاره خلال حملته الانتخابية في واشنطن (أ.ف.ب)
المرشح الجمهوري دونالد ترامب يحيي أنصاره خلال حملته الانتخابية في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

كلينتون «تسقط» في ويست فيرجينيا.. وساندرز يحقق نصرًا مدويًا

المرشح الجمهوري دونالد ترامب يحيي أنصاره خلال حملته الانتخابية في واشنطن (أ.ف.ب)
المرشح الجمهوري دونالد ترامب يحيي أنصاره خلال حملته الانتخابية في واشنطن (أ.ف.ب)

فاز المرشح الديمقراطي السيناتور بيرني ساندرز في الانتخابات الأولية، التي جرت أول من أمس الثلاثاء في ولاية ويست فرجينيا، بهامش كبير على منافسته هيلاري كلينتون بفضل أصوات الناخبين من عمال مناجم الفحم وعمال المصانع.
وشكل انتصار ساندرز في ويست فيرجينيا، نكسة لهيلاري كلينتون بما يحمله من احتمالات تراجع شعبيتها في تصويت الولايات الصناعية المعروفة باسم «الحزام الصدئ» خلال الانتخابات العامة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وركز ساندرز في حملته على انتقاد الأوضاع الاقتصادية ومساندته الطبقة الكادحة، ووعد بإعادة تفعيل الاقتصاد بما يفيد الطبقات العاملة. وهو ما مكنه من الفوز على كلينتون بفارق كبير. فيما تراجعت حظوظ هيلاري كلينتون بشكل كبير في الولايات الصناعية بعد تصريحاتها في مدينة أوهايو خلال مارس (آذار) الماضي، أشارت فيها إلى أن كثيرا من مناجم وشركات الفحم سوف تتوقف عن العمل. وقد أضرت هذه التصريحات بحظوظ كلينتون، رغم اعتذارها مرارا وتكرارا لعمال الفحم والصلب في ويست فيرجينيا، وتعهداتها بإعادة تدريب عمال الفحم في صناعات الطاقة النظيفة.
وأثار فشل كلينتون في كسب الأصوات في ويست فيرجينا شكوكا حول برنامجها الاقتصادي، والدور الذي تحتاج القيام به لصالح الناخبين من طبقات العمال في الولايات الصناعية، الذين يرغبون في تنشيط الصناعة، وتوفير مزيد من فرص العمل.
وأشارت استطلاعات الرأي في ويست فيرجينيا إلى أن 60 في المائة من الناخبين قلقون للغاية بشأن اتجاه الاقتصاد الأميركي في السنوات المقبلة، حيث تمثل القضايا الاقتصادية وتوفير فرص العمل للناخب الأميركي الأولوية الأولى والأكثر أهمية في اتجاهات التصويت لصالح مرشح دون آخر.
ويقول محللون إن الناخبين في ويست فيرجينا يعدون أكثر تحفظا من القاعدة الديمقراطية على مستوى بقية الولايات. لكن كلينتون تحتاج إلى أصوات نسبة كبيرة من الناخبين المعتدلين والمحافظين في الولايات الصناعية حتى تتمكن من الفوز على المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات العامة.
وحقق الفوز في ولاية ويست فيرجينا لساندرز حصد أصوات 20 مندوبا ديمقراطيا، ليرفع بذلك عدد المندوبين لديه إلى قرابة 1470 مندوبا. ورغم فوزه، فإنه يعاني من فارق كبير في أصوات المندوبين بينه وبين منافسته هيلاري كلينتون، التي تمتلك حتى الآن أفضلية الفوز بالترشح عن حزبها لمواجهة الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات العامة.
ويعد فوز ساندرز في ولاية ويست فرجينيا الثاني له على كلينتون في الأسبوعين الأخيرين، حيث حقق الفوز في ولاية إنديانا، الأمر الذي يجعل كلينتون تصارع على جبهتين في آن واحد. فهي مجبرة على المحافظة على تقدمها في عدد الناخبين على ساندرز، بالإضافة إلى مراقبة تحركات المرشح الجمهوري دونالد ترامب، الذي من المتوقع أن تواجهه في الانتخابات العامة.
وخلال الجولات الانتخابية السابقة، حصدت كلينتون أصوات 2239 مندوبا من أصل 2383 مندوبا يحتاجها المرشح الديمقراطي للفوز في الانتخابات الأولية. وعلى الرغم من أن ساندرز لا يزال بعيدا عن نتائج كلينتون، فإنه أكد مواصلته الطريق حتى اجتماع الحزب الديمقراطي في يوليو (تموز) المقبل.
وعلى الجانب الجمهوري، حقق الملياردير دونالد ترامب فوزا سهلا في ولاية ويست فرجينيا ونبراسكا، لكونه المرشح الجمهوري الوحيد دون منافس بعد خروج كل من السيناتور تيد كروز وحاكم أوهايو جون كاسيك. وبانتصاره في الولايتين رفع ترامب بفوزه عدد المندوبين لديه إلى 1107. ويبقى له 130 مندوبا للوصول إلى الرقم 1237. لكنه يواجه قلقا من قبل كثير من الجمهوريين في واشنطن، الذين لا يعتقدون أنه المرشح الأقدر على توحيد الحزب والفوز في الانتخابات العامة في نوفمبر المقبل.
ومن المقرر أن يجتمع ترامب ورئيس مجلس النواب بول رايان لمناقشة كيفية تجنب الانقسام داخل الحزب الجمهوري. وقد صرح رايان، الذي يعد أحد أقطاب الحزب الجمهوري، بأنه «غير مستعد بعد» لمساندة ترامب في الانتخابات، فيما تحدث عدد كبير من أعضاء الكونغرس عن مخاوفهم من احتمالات هزيمة ترامب بما يؤثر سلبا على حظوظهم في إعادة انتخابهم في انتخابات الكونغرس النصفية، التي تتزامن مع الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل. كما حذر بعض قادة الحزب الجمهوري من مخاطر تجاهل إرادة الناخبين الذين صوتوا لترامب على مدى الشهور الماضية.
وحتى الآن أشار الرئيس الأسبق جورج بوش، والمرشح الجمهوري السابق جون ماكين، والمرشح الجمهوري السابق ميت رومني إلى أنهم لن يشاركوا في المؤتمر الحزبي لاختيار المرشح المقرر إقامته في يوليو المقبل في كليفلاند. وأكد كل من جيب بوش والسيناتور ليندسي جراهام أنهما لن يصوتا لصالح ترامب. وفي المقابل خرج زعيم الأغلبية الجمهورية ميتش ماكونيل لمؤيدي ترامب، ووصف انتصار ترامب المتواصل في الانتخابات التمهيدية على أنه علامة على قدرة ترامب في مواجهة كلينتون.
من جانبها، ركزت كلينتون في خطابها الذي ألقته في ولاية كنتاكي أول من أمس، على تهيئة الرأي العام للانتخابات العامة التي قد تواجه فيها ترامب، مشددة على أن حال البلاد ستكون أفضل في أيدي الديمقراطيين بقولها إن «هناك معلومة تاريخية أود ذكرها، وهي أن الاقتصاد الأميركي يكون في أفضل حالاته عندما يكون الرئيس ديمقراطيا.. أعلم أن هذا يغضب أصدقاءنا الجمهوريين، ولكن هذه حقيقة.. فعندما كان زوجي رئيسا كانت النتيجة 23 مليون فرصة وظيفية، وارتفع دخل الأميركيين جميعا، وهو أمر مهم أن ينعم الجميع بارتفاع الدخل وليس الأغنياء فقط».
كما انتقدت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة عددا من توجهات وتصريحات المرشح الجمهوري دونالد ترامب، وقالت: «تذكروا أنكم عندما تصوتون لاختيار الرئيس فإنكم تختارون قائد القوات المسلحة أيضا، لذا لن يكون ترامب هو الاختيار المناسب لكونه لا يمانع في امتلاك عدد من الدول السلاح النووي، بينما أنا أرفض ذلك، ولكونه يدعو أيضا للانفصال عن حلف الناتو، الذي يعد من أقوى التحالفات في العالم، وهو أيضا يوجه خطابات كراهية للأميركيين المسلمين الذين نحن بحاجة إليهم لمواجهة الإرهاب، ويضايق المهاجرين أيضا، وهذا أمر مسيء لأن أميركا عبارة عن مهاجرين بالأصل».
ودعت كلينتون أنصارها للوقوف معها حتى الرمق الأخير لكي تحقق ما سمته «الحلم الأميركي الكبير»، وقالت: «أريدكم أن تقفوا معي لتحقيق الحلم الأميركي، المتمثل في توفير وظائف مع دخل جيد، ورفع معدل الرواتب ومساواة المرأة بالرجل في الأجور، وأن يحصل أطفالنا على حياة أفضل منا، بالإضافة إلى التعليم الجامعي المجاني لمن يستحق، فخطتي لا تشمل الطلبة الأغنياء حيث سيكون تعلميهم بمقابل».
كما وجهت كلينتون رسالة لمن يقف ضدها بقولها: «لدي رسالة صغيرة لمن يهاجمني بسبب أو من دون سبب... إنهم يفعلون ذلك لـ25 سنة وما زلت صامدة واقفة وسأستمر كذلك».
وبعد إعلان النتائج وصف بيرني ساندرز فوزه بالانتصار الكبير، وقال في خطاب ألقاه في ولاية أوريغون: «في الأسبوع الماضي حققنا انتصارا في إنديانا، واليوم حققنا انتصارا كبيرا جدا في ويست فرجينيا، وبدعمكم سنفوز في أوريغون الأسبوع المقبل، وهنا أود أن أشكر الناس في ويست فرجينيا على هذا الدعم، وهم الذين كانوا قد دعموا كلينتون في انتخابات 2008 عندما كانت تنافس باراك أوباما».
وأكد ساندرز مواصلته في السباق الرئاسي حتى اللحظة الأخيرة، ووجه رسالة للمندوبين السوبر في الحزب الديمقراطي، الذين سيعقدون اجتماعا في مدينة فيلادلفيا في يوليو المقبل، ذكر فيها أنه سيكون المرشح الديمقراطي الأوفر حظا بتخطي ترامب في الانتخابات العامة.
وأكد السيناتور ساندرز أن دونالد ترامب لن يكون رئيسا للولايات المتحدة الأميركية بقوله: «ترامب لن يكون رئيسا لعدة أسباب، أهمها أن أميركا لن تقبل بأن يكون رئيسها شخصا أهان اللاتينيين والمكسيك والمسلمين والنساء والأفريقيين الأميركيين، حيث كان ترامب أحد قادة حركة الوقوف ضد أن يكون رئيس أميركا من أصل أفريقي»، مضيفا أن «ترامب لن يكون رئيسا لأن الأميركيين يعرفون أن تنوعنا هو مصدر قوتنا، وأننا دولة عظمى لأن الجميع سواسية، ويعرفون أيضا أن ترامب يريد أن يجعل هناك تفرقة بين بعضنا بعضا».
كما أكد ساندرز سعيه لتحقيق وعوده حال فوزه بالرئاسة بقوله: «الأميركيون يريدون أن يحققوا ارتفاعا في الدخل، ويريدون أن يكون لديهم تأمين صحي شامل، وأن يعاد بناء الإنشاءات وتوفير ما يقارب 13 مليون فرصة وظيفة، بالإضافة إلى تعليم جامعي مجاني... أنا أؤمن بكل ذلك، وسأعمل على تحقيقه».
وتواصل الانتخابات الأولية الأميركية جولاتها يوم الثلاثاء المقبل، حيث سيتنافس المرشحان الديمقراطيان بيرني ساندرز وهيلاري كلينتون في ولايتي كنتاكي وأوريغون على ما مجموعه 116 مندوبا في الولايتين، فيما سيتجه المرشح الجمهوري دونالد ترامب إلى ولاية أوريغون، حيث سيطمح إلى الحصول على أكبر عدد من المصوتين ليضيف 28 مندوبا إلى عدد المندوبين لديه.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...