ألمانيا: أهداف تكتيكية وراء عودة 7 % من «الداعشيين»

22 ألف متشدد على قائمة الإنتربول

الصورة أخذتها مجلة «جورنال الجيش الألماني» من فيلم فيديو بثه تنظيم داعش ويظهر على اليمين «أ.ز» الملقب بأبي عمر الألماني والنمساوي محمد محمود الملقب بأبي أسامة الغاري كلاهما يقاتل في سوريا («الشرق الأوسط»)
الصورة أخذتها مجلة «جورنال الجيش الألماني» من فيلم فيديو بثه تنظيم داعش ويظهر على اليمين «أ.ز» الملقب بأبي عمر الألماني والنمساوي محمد محمود الملقب بأبي أسامة الغاري كلاهما يقاتل في سوريا («الشرق الأوسط»)
TT

ألمانيا: أهداف تكتيكية وراء عودة 7 % من «الداعشيين»

الصورة أخذتها مجلة «جورنال الجيش الألماني» من فيلم فيديو بثه تنظيم داعش ويظهر على اليمين «أ.ز» الملقب بأبي عمر الألماني والنمساوي محمد محمود الملقب بأبي أسامة الغاري كلاهما يقاتل في سوريا («الشرق الأوسط»)
الصورة أخذتها مجلة «جورنال الجيش الألماني» من فيلم فيديو بثه تنظيم داعش ويظهر على اليمين «أ.ز» الملقب بأبي عمر الألماني والنمساوي محمد محمود الملقب بأبي أسامة الغاري كلاهما يقاتل في سوريا («الشرق الأوسط»)

تحدث رئيس دائرة حماية الدستور الألمانية (الأمن العام) في نهاية الأسبوع الماضي عن 4 إرهابيين تعتقد الدائرة أنهم يخططون لأعمال إرهابية في ألمانيا. ولم يوضح هانز جورج ماسن، في ندوة حول الإرهاب عقدت ببرلين، هويات أو مناطق وجود الإرهابيين الأربعة، لكنه توقع أن يقع انفجار في العاصمة برلين في أي لحظة. ووصف خطر الإرهاب على ألمانيا بالداهم.
ويبدو أن خطر تعرض ألمانيا في الوقت الحاضر يفوق نشاط الأربعة الذين تحدث ماسن عنهم بالتأكيد، بحسب مصادر وزارة الداخلية الألمانية. إذ نقلت مجلة «جورنال الجيش الألماني»، أمس، عن رد لوزارة الداخلية على استفسار للكتلة البرلمانية لحزب الخضر حول تفاصيل، وضع «الداعشيين العائدين» إلى ألمانيا، أن 7 في المائة ممن التحقوا بـ«داعش» والنصرة في سوريا والعراق عادوا إلى ألمانيا لأهداف «تكتيكية».
وتقدر الوزارة نفسها عدد العائدين من العراق وسوريا بنحو 611 شخصًا حتى نهاية الشهر الماضي.
وجاء في التقرير أن نسبة 7 في المائة من الداعشيين العائدين يفعلون ذلك لأسباب تكتيكية، بالاتفاق مع التنظيم. وإذ يعود البعض منهم للعلاج والراحة، قبل العودة مجددًا إلى سوريا والعراق، يعود البعض بمهمات لوجيستية مثل توفير الأجهزة العسكرية والأسلحة، وجمع التبرعات للتنظيم الإرهابي، وكسب المتطوعين الجدد.
وتقدر وزارة الداخلية، في ردها على أسئلة حزب الخضر، أن 11 في المائة من المتشددين الألمان يعودون إلى بلدهم من سوريا والعراق، بسبب «صحوة» ما أو بسبب خيبة أملهم مما رأوه هناك. وتعود نسبة 9 في المائة من الشباب، الذين شاركوا في الحرب بمختلف الوسائل، تحت ضغط عوائلهم أو ضغط أصدقاء مؤثرين فيهم، ثم هناك نسبة 10 في المائة جرى إبعادهم، وفق ادعاءاتهم، من التنظيم قسرًا، لعدم تلبيتهم الشروط اللازمة التي يضعها التنظيم الإرهابي.
وغادر في عام 2015 نحو 150 ألمانيًا إلى العراق والسورية للقتال إلى جانب تنظيم داعش، وتشكل الإناث نحو 5 في المائة منهن. ونجح هؤلاء بمغادرة ألمانيا والوصول إلى أهدافهم بفضل حملهم جوازين وجنسيتين، ولأن غالبيتهم من أصول المهاجرين، ويغادرون أيضًا عبر دولة ثالثة.
المهم أيضًا، بحسب معطيات وزارة الداخلية، أنه لا يجري فرز الملتحقين من ألمانيا بالقتال في سوريا والعراق، بين «داعش» وجبهة النصرة، إلا بعد وصولهم إلى هناك.
وساهم سبعون من مجموع الـ150 الذين غادروا ألمانيا للقتال إلى جانب «داعش» بنشاط في الحرب الدائرة في العراق وسوريا، وتلقوا التدريبات على السلاح، كما حملوا مختلف الأسلحة. وتتولى دائرة حماية الدستور التحقيق مع أكثر 600 عائد، كما تفرض عليهم رقابة صارمة.
إلى ذلك، ووفق معلومات استقتاها مجلة «جورنال الجيش الألماني» من المركز المشترك للقوات الأمنية والمخابراتية لمكافحة الإرهاب، فإن الإنتربول وضع قائمة بأسماء 22 ألف شخص من كلا الجنسين، يفترض أنهم انضموا من الخارج للقتال، إلى جانب جبهة النصرة و«داعش»، تحت تصرف السلطات الأمنية.
ووضع الإنتربول 5 آلاف و185 استمارة ملأها عائدون من الحرب في سوريا والعراق إلى جانب «داعش»، تحت تصرف السلطات الأمنية في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وتتضمن رد هؤلاء على 23 سؤالاً صاغها خبراء في الشرطة الدولية، وتعتقد دائرة الجنايات الألمانية بأنها ردود حقيقية.
على صعيد ذي صلة، قال شتيفان كونراد، رئيس دائرة حماية الدستور الألماني في ولاية تورنغن (شرق)، إن دائرته ستفرض الرقابة على المتطرفين القاصرين تحت 16 سنة أيضًا. وبرر كونراد الإجراء بتصاعد مشاركة القاصرين في عمليات إرهابية في ألمانيا، بينها قيام قاصرة (15 سنة) في هانوفر بطعن شرطي في عنقه، ومسؤولية شابين (16 و17 سنة) عن تفجير معبد السيخ في أبريل (نيسان) الماضي في مدينة أيسن.
وفي فرانكفورت، قضت محكمة ألمانية أمس بسجن رجل (29 سنة) لمدة خمس سنوات بتهمة الانتماء إلى جبهة النصرة. وذكرت المحكمة العليا في ولاية هيسن، من مقرها في محكمة فرانكفورت، في حيثيات قرارها، أن المتهم كان ناشطًا في الجبهة التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا خلال عامي 2013 و2014.
وأضافت المحكمة أن المتهم تلقى تدريبات على استخدام السلاح لعدة أسابيع، كما حمل عدة أسلحة بينها «الكلاشنيكوف» وعدد من القنابل اليدوية. ودحضت المحكمة، عبر أحد الخبراء، ادعاء المتهم بأنه كان ينوي فقط تقديم مساعدات إنسانية خلال فترة وجوده في سوريا. ودانت المحكمة الرجل، المولود في سوريا، بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية أجنبية هي جبهة النصرة. ورفضت المحكمة ادعاء المتهم بأنه قد حمل السلاح دفاعًا عن عائلته عند الضرورة، مشيرة إلى أن كثيرا من الوقائع تدحض هذا الادعاء، بل إن إحدى زوجاته كشفت للمحكمة أنه كان ينوي تعليم النساء والأطفال على استخدام السلاح.
واستغرقت جلسات المحكمة عدة أشهر، وقادت النيابة العامة في فرانكفورت التحقيق طوال سنة كاملة. وثبت أن دائرة حماية الدستور «الأمن العام» أدرجت المتهم في برنامج الرقابة على المتشددين منذ عام 2010. وتحدث وكيل الدفاع عن المتهم عن نية الطعن بقرار المحكمة، وكان قد طالب بالإفراج عن موكله.
وتقدر دائرة حماية الدستور الألمانية أن عدد جيش النصرة في سوريا يتراوح بين 4 و6 آلاف مقاتل. وسبق لمجلس الأمن الدولي أن صنف جبهة النصرة منظمة إرهابية، واستثنيت على هذا الأساس من الهدنة ومفاوضات السلام بين النظام السوري وقوى المعارضة. ويحمّل المجتمع الدولي جبهة النصرة المسؤولية عن أكثر من ألف و500 عملية مسلحة راح ضحيتها نحو 8 آلاف و700 قتيل خلال السنوات الماضية من الحرب.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...