المالكي: واشنطن خفضت سقف توقعاتها لاتفاق السلام إلى «إطار غير ملزم»

وزير خارجية فلسطين يقول لـ {الشرق الأوسط} إن السلطة لن تطلب الانضمام للمنظمات الدولية إلا إذا فشل الجهد الأميركي

وزير خارجية فلسطين رياض المالكي
وزير خارجية فلسطين رياض المالكي
TT

المالكي: واشنطن خفضت سقف توقعاتها لاتفاق السلام إلى «إطار غير ملزم»

وزير خارجية فلسطين رياض المالكي
وزير خارجية فلسطين رياض المالكي

قال وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي في حوار مع «الشرق الأوسط» إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سوف يبلغ القادة العرب اليوم بتفاصيل زيارته لواشنطن ولقائه مع الرئيس الأميركي باراك أوباما. وأفاد بأن الرئيس أبو مازن لن يحصل على أية مبادرات مكتوبة من الجانب الأميركي بشأن اتفاق إطار، وأن كل ما يدور في هذا الخصوص ربما يكون فخا إسرائيليا وتحويل فكرة الإطار ومحتواه إلى مرجعية جديدة بديلة عن مرجعيات الشرعية الدولية لعملية السلام. وتحدث المالكي عن العلاقة مع مصر وقرارها باعتبار حماس جماعة محظورة وإرهابية، وقال: «نحترم القرار المصري وسيادة مصر وحفاظها على أمنها القومي، ونحاول العمل على إنهاء الانقسام مع حكومة حماس التي تسيطر على قطاع غزة». وفي ما يلي نص الحوار:

* لماذا تطلب إسرائيل فترة إضافية للتفاوض لإنجاز اتفاق مع الفلسطينيين تحت رعاية الولايات المتحدة؟
- للأسف إسرائيل تحاول إعطاء انطباع بأننا أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى اتفاق، وأننا بحاجة إلى فترة إضافية لاستكمال هذا الاتفاق.. أما إنه لا يوجد أي اتفاق، فذلك معناه أنه لا يوجد مبرر، من وجهة نظرنا، لتمديد المفاوضات أو للموافقة. نحن التزمنا مع الإدارة الأميركية فترة تسعة أشهر التي تنتهي في 29 أبريل (نيسان) المقبل، ونحن ملتزمون حتى ذلك الحين. ولكن بعد ذلك لكل حادث حديث. فعندما تنتهي فترة التسعة أشهر إذا كان هناك ما يبرر فترة إضافية، فسوف يجري مناقشة ذلك على مستوى القيادة الفلسطينية، ومن ثم استشارة الأشقاء العرب في الموضوع قبل اتخاذ قرار، لأن القرار الذي اتخذ من قبل بالذهاب إلى المفاوضات جاء بناء على توصية من الدول العربية التي طلبت من القيادة الفلسطينية المشاركة في هذه المفاوضات، وبالتالي فأي تعديل على هذه الصيغة التفاوضية بحاجة للتأكيد من الجانب العربي. وإضافة لذلك لم تطلب الإدارة الأميركية بشكل رسمي تمديد المفاوضات، وعندها سوف نجيب عن الطلب بالطريقة المناسبة والصحيحة. ونرى أيضا أن تمديد التفاوض إن لم يكن مرتبطا بوقف النشاط الاستيطاني، فهو سيكون عبارة عن غطاء للجانب الإسرائيلي لالتهام مزيد من الأراضي.
* هل أعد الجانب الفلسطيني بدائل في حال فشل الجهود الأميركية؟
- لن نشرع في اتخاذ أي إجراء إلا بعد يوم 29 أبريل المقبل، لأنه قد يكون هناك شيء قد يحدث خلال هذه الفترة لا نريد أن نعطي مبرر الفشل للإدارة الأميركية، وحتى لا نتحمل مسؤولية الفشل، ولكن بعد هذا التاريخ سوف ننطلق فورا إلى البدائل، ومن بينها طلب الانضمام إلى المنظمات الدولية والحصول على عضويتها. ونحن درسنا بالتفصيل ما احتياجات طلبات العضوية من قبل هذه المنظمات ومتى ستجتمع، وما مردود ذلك، ونحن جاهزون في اللحظة التي تعطينا فيها القيادة الفلسطينية القرار بالتحرك باتجاه هذه المنظمات.. سوف نتحرك.
* هل تنتظر القيادة الفلسطينية اتفاق إطار تحدثت عنه واشنطن لبعض أصدقائها في المنطقة؟
- نحن ننتظر اتفاق سلام حسب ما أشار إليه جون كيري وزير الخارجية الأميركي قبل بدء المفاوضات منذ تسعة أشهر، والآن خفضوا سقف توقعاتهم من اتفاقية سلام إلى اتفاق إطار، وكانوا يتحدثون أيضا عن اتفاق إطار ملزم، والآن يتحدثون عن الإطار نفسه، ولكن غير ملزم ويسمح للفرقاء بتقديم ملاحظاتهم. إذن، سؤالي هو: ما الفائدة من الانتظار شهرا إضافيا لتقديم اتفاق إطار لا يوقع عليه أحد ولا يلزم أحدا، وهل سيعني شيئا في المفهوم التفاوضي؟ وهل سيحل محل المرجعيات التفاوضية المعروفة دوليا؛ قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية، أم ماذا؟ لهذا السبب إن لم يكن هناك شيء ملموس حقيقي ينقلنا نقلة نوعية لتقريبنا إلى اتفاق سلام، يصبح كل ما يجري التحدث حوله مجرد اتفاق إطار بأي شكل لا قيمة له.
* هل تعتقد أن إسرائيل تنصب فخ الاتفاق الإطار كي يكون بديلا للمرجعيات الشرعية لعملية السلام؟
- بالتأكيد إذا كان الوضع هو هذه المرجعية التي يتحدثون عنها، فسيكون سقفها أقل بكثير من سقف المرجعية الحالية التي بدأت على أساسها المفاوضات، وهل نحن أغبياء لهذه الدرجة كي نقبل بالمزيد من التنازلات؟ هذا غير وارد وغير ممكن ولن نقبل به. وقد سمعنا عن اتفاق إطار يجري التحضير له، ولكن لم نحصل على شيء مكتوب من الإدارة الأميركية حول طبيعة وشكل مثل هذا الاتفاق.
* ما الوعود التي حصل عليها الرئيس محمود عباس من الإدارة الأميركية خلال زيارته لواشنطن؟
- تأكيد على المواقف نفسها التي استمعنا إليها من الوزير جون كيري على مدار الأشهر السبعة الماضية. ويضاف إلى ذلك ضغوط على القيادة الفلسطينية وأهمية التعاون أو التفهم لبعض الاحتياجات الإسرائيلية على الأرض، لكن الرئيس محمود عباس عاد وكرر المواقف الفلسطينية والعربية الثابتة تجاه الحل الشامل والعادل والحق في إقامة الدولة وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا هو ما أبلغه للرئيس أوباما خلال زيارته لواشنطن.
* ماذا سيطرح الرئيس عباس على القمة العربية؟
- الرئيس محمود عباس يلقي كلمة أمام القادة العرب يتناول فيها نتائج زيارته الأخيرة إلى واشنطن، كما سيعقد لقاءات جانبية مع وزراء الخارجية العرب لمناقشة هذا الجانب. وسوف يشير إلى الموقف الفلسطيني المعروف الذي سوف يعيد تأكيده من جديد.
* ماذا تتوقع من القمة العربية؟
- مشاريع القرارات التي جرى رفعها شملت قضايا سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية تصدرها الملف الفلسطيني بما يتوافق والمصلحة الفلسطينية العامة ويدعم الموقف الفلسطيني التفاوضي، وفى مواجهة الضغوط المتزايدة من قبل واشنطن للتعامل بشكل إيجابي، وبالتالي سوف نحصل من هذه القمة على دعم وتعزيز للموقف التفاوضي الفلسطيني، وهو ما سيساعدنا في الصمود أمام كل الضغوط المقبلة. وثانيا أعادت القمة التأكيد على القرارات السابقة بخصوص القضية الفلسطينية برمتها، وموضوع الاستيطان والقدس وما يحدث في الأقصى، والبعد الثالث والمهم أيضا الدعم المالي الذي تقدمه الدول العربية لفلسطين.. اتفق على هذا. وحث الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الشعب والقضية الفلسطينية وليس فقط تنفيذ شبكة الأمان التي تعد فرعا من مجموعة التزامات سنوية تقدمها الدول، وأخرى تقدم لصندوقي الأقصى والقدس.
* ماذا عن العلاقات الفلسطينية - المصرية والموقف الفلسطيني من تصنيف جماعة «الإخوان» جماعة إرهابية؟
- أولا نحن نعد علاقتنا بالشقيقة الكبرى مصر علاقة مميزة، وكنا من أوائل الدول التي تعاملت بكل إيجابية مع الحدث المعجزة الذي جرى في مصر وانتهاء فترة حكم جماعة «الإخوان»، وتعاملنا معه دوليا بشرح ما حدث في مصر بشكل إيجابي لتسهيل مهمة مصر في هذا الإطار. أما فيما يتعلق بالموقف من حركة حماس و«الإخوان»، فإننا نعد قرار القيادة المصرية قرارا سياديا ولا نستطيع التدخل فيه. وقد اطلعنا على معطيات القرار المصري، وهو محق، ولكن لا نستطيع القيام بقطيعة مع حركة حماس لأنها فصيل فلسطيني، وحاليا مسيطر على قطاع غزة بالقوة، ونحن بحاجة إلى إنهاء هذا الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني، وهو ما يستدعي منا التواصل مع حركة حماس ومحاولة التوصل إلى اتفاق لتنفيذ ما جرى الاتفاق عليه في القاهرة حول تشكيل حكومة انتقالية مستقلة تحضر لانتخابات رئاسية وتشريعية. إذن، نحن بحاجة للتعامل مع حماس في إطار الشأن الداخلي، لكن في الوقت نفسه نتفهم القرار المصري ونحترمه للحفاظ على المصالح القومية المصرية.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.