كيف ضحى هنري الرابع بمشاعره الدينية لتوحيد فرنسا؟

معارك ضارية دارت بينهما مائتي عام حول «الحقيقة المسيحية»

باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع
باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع
TT

كيف ضحى هنري الرابع بمشاعره الدينية لتوحيد فرنسا؟

باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع
باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع

كانت حلقات طويلة من السلالات المالكة قد تعاقبت على عرش فرنسا حتى اندلاع الثورة الفرنسية وسقوط النظام الملكي وبداية النظام الجمهوري، الذي لا يزال مستمرًا حتى الآن. وقد حصل ذلك عام 1789 كما هو معلوم. والواقع أن عمر النظام الجمهوري الحالي لا يزيد عن المائتي سنة، هذا في حين أن تاريخ الملوك يزيد على الألف سنة. وهنا ينبغي أن نتوقف عند ما يمكن أن ندعوه بالملوك الكبار، أي فرنسوا الأول، وهنري الرابع، ولويس الرابع عشر الملقب باسم الملك الشمس، وهو الذي بنى قصر فرساي الشهير الذي يُعد من أروع معالم فرنسا السياحية إن لم يكن أروعها وأفخمها. وهو حفيد هنري الرابع الذي يلقبه الفرنسيون بالملك الطيب. ولكنه كان مضادًا له تمامًا فيما يخص المسألة الطائفية أو المذهبية كما سنرى لاحقًا.
وفيما يخص هذا الملك الشهير الذي عاش في القرن السادس عشر ومات مقتولا في بداية السابع عشر يمكن أن نقول ما يلي: لقد تحول هنري الرابع إلى أسطورة بعد اغتياله من قبل متعصب كاثوليكي عام 1610. ومعلوم أن هذا الملك كان قد ولد عام 1553، أي أنه لم يعش أكثر من سبعة وخمسين عامًا. ومع ذلك فقد ترك بصماته على صفحات التاريخ الفرنسي بصفته واحدًا من أعظم الملوك وأكثرهم نفعا لشعبه. لماذا؟ لأنه هو الذي صالح بين شقّي فرنسا المتصارعين، أي الشق الكاثوليكي والشق البروتستانتي. ومعلوم أن فرنسا كانت منقسمة آنذاك انقسامًا خطيرًا إلى مذهبين أساسيين يتصارعان على الحقيقة المسيحية. فكل واحد منهما يدعي أنه يمثل المسيحية الصحيحة أو الحقيقة الأرثوذكسية القويمة المستقيمة التي لا تشوبها شائبة. وكان يتهم الطرف الآخر بالضلال والانحراف عن الاعتقاد المسيحي الصحيح. وهي المشكلة نفسها التي يتخبط فيها العالم الإسلامي حاليا والتي تشعل حروبه المذهبية في كل مكان، خصوصًا في المشرق العربي.
يقول لك المؤرخون الفرنسيون الكبار ما معناه: لقد دارت المعارك الضارية والحروب بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين على مدار مائتي سنة. بل وسالت الدماء أنهارًا حتى جاء هذا الملك الطيب وأوقف نزف الدم بطريقة تشبه المعجزة. فالأحقاد كانت كبيرة جدا بين الطرفين، وما كان أحد يتوقع أن يستطيع أي شخص مهما علا شأنه أن يطفئ نار العصبيات الطائفية المشتعلة. ولكنه استطاع تحقيق ذلك بذكائه وحكمته وعمق تفكيره. ومعلوم أنه كان شخصيا من أتباع المذهب البروتستانتي، أي مذهب الأقلية المضطهدة في البلاد. ولم يصبح ملكا إلا بعد أن تخلى عن مذهبه الأصلي واعتنق مذهب الأغلبية الكاثوليكية. وكان ذلك قبيل دخوله باريس بلحظات حيث لفظ عبارته الشهيرة: باريس تستأهل قداسًا كاثوليكيًا! فذهبَتْ مثلاً. وكان يقصد بذلك أن من يريد أن يحكم باريس ويصبح سيدها وقائدها ينبغي أن يعتنق مذهب الأغلبية، وأن حكمها يستأهل أن يغير الإنسان مذهبه وطائفته من أجلها. فهي مدينة المدائن وعاصمة العواصم. لكي نشرح مدى عظمة هذا الملك وأهميته بالنسبة لتاريخ فرنسا ينبغي أن نقول ما يلي: لم يكن من السهل عليه أن يتخلى عن مذهبه الأقلوي ويعتنق مذهب الأغلبية. لقد كان ذلك أصعب عليه من تجرع السم الزعاف. ولكنه تجرع السم وضحى بمشاعره الدينية العميقة بغية توحيد فرنسا، ووضع حدًا للدم النازف مدرارًا. لقد كان هذا هو الثمن الذي ينبغي دفعه لكي يقيم المصالحة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين. ولكن المشكلة هي أن كلا الطرفين كان مصرًا على موقفه. فالأغلبية الكاثوليكية كانت تعتبر البروتستانتيين هراطقة بل وكفارًا ينبغي استئصالهم كليًا وتطهير أراضي المملكة الفرنسية الطاهرة منهم. وأما الأقلية البروتستانتية التابعة للإصلاح الديني فكانت تعتبر الكاثوليكيين البابويين رجسا يصل إلى حد الوثنية. والبابا كان بالنسبة لها هو الشيطان بعينه. حلَّها بقى!
وهكذا وجد هنري الرابع نفسه في حالة لا يُحسد عليها. فعندما اعتنق بعد تردد شديد مذهب الأغلبية لكي يستطيع اعتلاء العرش أغضب الأقلية التي ينتمي إليها قلبا وقالبا. بل واعتبرته خائنًا لأنه تخلى عن مذهب آبائه وأجداده واعتنق مذهب الأعداء الألداء. وفي الوقت ذاته، كان المتعصبون من أبناء المذهب الكاثوليكي غير واثقين من إيمان الملك هنري الرابع، أو من صدق تحوله إلى مذهبهم. كانوا يعتبرون ذلك بمثابة الغش والخداع لكي يحكم فرنسا. وكانوا يقولون: إنه لم يغير مذهبه إلا ظاهريا وإنه في أعماقه بقي على عقيدة المذهب البروتستانتي الخاطئة بل والكافرة. هكذا تلاحظون أن الرجل أصبح مشبوها من قبل متعصبي كلتا الجهتين. والواقع أن التعصب حليف التعصب المضاد من الناحية الموضوعية ويشد من أزره.
وربما لهذا السبب فإن الأصوليين الكاثوليكيين قرروا اغتيال هنري الرابع الذي سطا على عرش فرنسا بشكل غير شرعي، بحسب زعمهم. فهو هرطيق زنديق على الرغم من كل إعلاناته الظاهرية بأنه اعتنق مذهب الأغلبية. وعلى الرغم من أنه كان يصلي في المناسبات العامة في الكنيسة الكاثوليكية لا في المعابد البروتستانتية، فإنهم لم يصدقوه.
ولهذا السبب أطلق الكهنة الكبار فتوى تبيح اغتياله. ولكن بما أنه كان محروسا جيدا فإن محاولات الاغتيال كلها باءت بالفشل. وأخيرا نجحت إحداها على يد متعصب شهير يدعى: فرنسوا رافاياك الذي دخل التاريخ من أسوأ أبوابه. وقد أصبح اسمه مشهورا في تاريخ فرنسا. ولا يزال الشعب الفرنسي يلعنه حتى الآن ويرى فيه رمز الشر والتعصب الأعمى كلما ذُكر اسمه. وكان رجلا شابا قوي البنية جدا. وقد سلحوه بخنجر مسموم شديد الفتك. واستطاع أن يعترض عربة الخيول التي يركبها الملك مع بعض مساعديه. فقد اضطرت العربة إلى التوقف في شارع «ريفولي» الشهير وسط العاصمة الفرنسية بسبب الزحام، وعندئذ اقترب رافاياك ووجّه الطعنة الأولى إلى الملك من الخلف، ثم أتبعها بعدة طعنات أخرى قاتلة. وهكذا سقط واحد من خيرة رجالات فرنسا تحت ضربات التعصب الطائفي الذي حاول معالجته أو وَضْع حد له لكي يعيش الشعب الفرنسي بأمان وسلام بكل طوائفه ومذاهبه. ولم تتخلص فرنسا من التعصب الطائفي إلا بعد قرنين من ذلك الزمان، وبعد انتصار التنوير الفكري والثورة السياسية الفرنسية الكبرى. هكذا تلاحظون يا سادة يا كرام أن مسألة التعصب الديني ليست مزحة، وليست مقصورة على دين واحد دون سواه. إنها موجودة في كل الأديان. ولهذا السبب فكرت يوما ما في تدشين علم جديد يدعى: علم الأصوليات المقارنة.
والآن ماذا عن ملك آخر لا يقل شهرة وأهمية إن لم يزد هو: لويس الرابع عشر. وهو الملقب بلويس الكبير صاحب مشروع قصر فرساي العظيم، الذي لا معنى لزيارة فرنسا إن لم تره. إنه أهم من برج إيفل بألف مرة. كما أنه ملقب بالملك الشمس نظرًا لسطوته وهيبته وإشعاعه في تاريخ فرنسا. وقد حكم فرنسا ستين سنة تقريبا. وهو أطول العهود في تاريخ البلاد. ولكنه فعل عكس جده الكبير هنري الرابع. فبدلا من أن يصالح شقي فرنسا مع بعضهما البعض راح يستأصل الشق الآخر، أي الأقلية البروتستانتية، لكيلا يبقى في البلاد إلا مذهب واحد هو: مذهب الأغلبية الكاثوليكية. فهو كان كاثوليكيا بابويا مقتنعا (على عكس جده) الذي نشأ وترعرع في أحضان المذهب البروتستانتي. وعندئذ طرح الشعار الشهير: مذهب واحد، ملك واحد، قانون واحد. وبدءا من تلك اللحظة اتبع سياسة العصا الغليظة تجاه «الهراطقة» البروتستانتيين. وخيّرهم بين التخلي عن مذهبهم بشكل فردي وجماعي واعتناق المذهب الصحيح في رأيه، أي المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني، أو الرحيل عن البلاد.
وكانت النتيجة أن استسلم قسم من البروتستانتيين له، وأعلنوا تخليهم عن مذهبهم. ولكن القسم الأكبر رفض ذلك. وعندئذ أرسل الملك جنوده ومخابراته لإجبارهم بالقوة على اعتناق مذهب الأغلبية. واستباح مدنهم وقراهم وقتل منهم أعدادًا كبيرة. ومن لم يقتله فرّ من البلاد إلى الدول الأوروبية المجاورة، وخصوصًا ذات المذهب البروتستانتي مثلهم كإنجلترا، وهولندا، وألمانيا.. وهكذا هربت من فرنسا ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف عائلة بروتستانتية بسبب هذا الاضطهاد الطائفي الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً من قبل. ولا تزال فرنسا تأسف على هذه الصفحة السوداء من تاريخها. ومع ذلك فإن لويس الرابع عشر يُعتبر من أعظم ملوكها لأن فرنسا أصبحت في عهده أقوى دولة أوروبية. وقد كان ملكا جبارا صاحب معارك وحروب لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد. وكان الناس يقدسونه أو يعبدونه تقريبا وكأنه ظل الله على الأرض.
وكان يقول: الدولة هي أنا وأنا الدولة. أنا فرنسا وفرنسا هي أنا. وعندما اقترب أجله لم يصدق الناس أنه سيموت من كثرة ما حكمهم ومن كثرة قوته وجبروته. وعندئذ قال لمن حوله: هل ظننتم أني كائن مخلد؟ أنا أيضًا إنسان وسوف أموت كبقية البشر. وحده الله باقٍ. ثم لفظ أنفاسه الأخيرة عام 1715. وبعدئذ فتحت صفحة جديدة في تاريخ فرنسا. وهي التي ستقود مباشرة إلى التنوير الفلسفي فالثورة الفرنسية التي حسمت المشكلة الطائفية وأعطت الأقلية المضطهدة حقوقها، وساوت بين أبناء الأقلية وأبناء الأكثرية في الحقوق والواجبات أمام القانون. ولم يعد أحد يُحاسب على مكان ولادته وإنما على ميزاته الشخصية وأفعاله. وهكذا تحقق حلم هنري الرابع الكبير في تحقيق المصالحة التاريخية لفرنسا مع ذاتها، ولكن بعد أكثر من مائتي سنة على اغتياله.



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.