خفايا وأسرار اللوبي الإيراني في الكونغرس.. تحريك قضايا مزعومة ضد السعودية

مسؤولون أميركيون أكدوا ضلوع جماعات الضغط المرتبطة بطهران في إثارة مشروع «العدالة ضد داعمي الإرهاب» * تصعيد التوتر بين واشنطن والرياض يهدد إرث أوباما

الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
TT

خفايا وأسرار اللوبي الإيراني في الكونغرس.. تحريك قضايا مزعومة ضد السعودية

الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)

تصاعدت مطالبات في الولايات المتحدة تساندها بعض وسائل الإعلام الموجهة من بعض جماعات الضغط الموالية لطهران والمساندة للاتفاق النووي، بضرورة الكشف عن الأوراق والملفات غير المعلنة التي تزعم وجود علاقة للسعودية بهجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.
هذه الملفات عبارة عن 28 ورقة ضمن تقرير حبيس الأدراج في مبنى «الكابيتول»، حيث يقع مقر الكونغرس منذ نحو 14 عامًا.
وأشارت تقارير صحافية الشهر الماضي إلى احتمالية إقرار البرلمان الأميركي (الكونغرس) مشروع قانون «العدالة ضد داعمي الإرهاب»، الذي يُتيح تحميل السعودية مسؤولية هجمات سبتمبر في المحاكم الأميركية.
يقول مسؤول استخباراتي سابق في إدارة بوش الابن إنه يعتقد أن اللوبي الإيراني ومن خلفه بعض الأعضاء الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي، الذين صوتوا في معركة الاتفاق النووي لصالح تمرير «قرار التأييد» وراء مشروع قانون «العدالة ضد داعمي الإرهاب»، وذلك كإجراء انتقامي من السعودية المناهضة للاتفاق النووي.
شهدت العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة المزيد من التوتر خلال الأسابيع الماضية، وعادت المزاعم القديمة حول الرياض والإجراءات القانونية التي كان البعض يرغب باتخاذها ضدها في الفترة اللاحقة على خلفية مأساة 11 سبتمبر إلى السطح مرة أخرى.
يميل جناح اليسار بالحزب الديمقراطي، الذي يؤيد بقوة رغبة الرئيس باراك أوباما في إقامة تحالف استراتيجي بعيدا عن التحالفات التقليدية لأميركا في الشرق الأوسط وصوب إيران، لتأييد التحرك بعيدا عن المملكة العربية السعودية. ومن جهة أخرى، يميل جناح الوسط بالحزب الديمقراطي لتجنب التورط في ذلك الجدل. وعلى الرغم من أن بعض الجمهوريين اليمنيين ألقوا بتصريحات معتدلة تدعو لإصلاح العلاقات السعودية الأميركية، ما زال هناك جانب من اليمين يرفض ذلك. وفي الوقت نفسه، التزم جانب كبير من الجماعات العرقية الشرق أوسطية التي تعيش بالخارج، الذين كان من المفترض أن يؤيدوا المملكة العربية السعودية في مناقشات الرأي العام الأميركية، الصمت المطبق.
وربما لا يكون مفاجئًا أن يصدر تصريح عن الجانب السعودي ينادي بـ«الإصلاح الاستراتيجي» للعلاقات بين كلا البلدين في أعقاب زيارة الرئيس أوباما للرياض الشهر الماضي، التي نظر إليها مجلس التعاون الخليجي بصفة عامة باعتبارها زيارة مخيبة للآمال: فقد صرح الأمير تركي الفيصل لـ«سي إن إن» في حوار أجري معه في 20 أبريل (نيسان) بأن وقت «إعادة تقييم العلاقات مع أميركا قد حان - إلى أي حد يمكن أن نذهب في اعتمادنا على أميركا. إلى أي حد يمكننا أن نعتمد على ثبات توجهات القيادة الأميركية. ما الذي يجعل مصالحنا المشتركة تلتقي.. لا أعتقد أننا يجب أن نتوقع أن يعود أي رئيس أميركي جديد إلى الأيام الخوالي عندما كانت الأمور مختلفة».
ولكي نفهم الظاهرة وتداعياتها على مستقبل السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، أجرت الشقيقة مجلة «المجلة»، في عددها الصادر هذا الشهر تحقيقًا موسعًا يتضمن مناقشات مع مسؤولين أميركيين سابقين بالاستخبارات المطلعين على تنظيم القاعدة وتحالفاته المعقدة، وحوارًا مع خبير أميركي مرموق حول مكافحة الإرهاب والرئاسة الأميركية، وحوارًا مع عالم نفس من نيويورك لديه خبرة في السرية و«ازدواجية المعايير» في النفسية السياسية الأميركية.
وكانت المحصلة هي تكوين صورة حول فترة زمنية تتضمن غموضا غير مسبوق واضطرابا في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وعدم وجود معارضة منظمة ومتجانسة للأجندة الاستراتيجية للرئيس أوباما فيما يتعلق بإيران والمملكة العربية السعودية ومناطق الحروب بالوكالة في المنطقة.
هناك مقدمة مهمة للتصعيد الجديد في التوتر بين السعودية والولايات المتحدة: ففي الأسابيع الأخيرة، ظهرت تقارير في وسائل الإعلام الأميركية تشير إلى أن إيران لم تلتزم تماما بالاتفاقية النووية الإيرانية، ومع ذلك استمرت إدارة أوباما في السعي بقوة لرفع أكبر قدر ممكن من العقوبات التي ما زالت مفروضة على إيران.
فعلى سبيل المثال، اختبرت إيران صاروخين باليستيين جديدين في مارس (آذار) تزعم الولايات المتحدة أنهما ينتهكان القيود التي فرضتها الأمم المتحدة على برنامج الصواريخ الإيراني. ومن ثم، قدم البيت الأبيض عرضا اقترح فيه فرض جولة جديدة من العقوبات على إيران، وهو الاقتراح الذي أثار أزمة قانونية مفاجئة.
وأصبح واضحا أن الصفقة النووية تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، السيطرة على طموحات طهران فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية. ولكن في الوقت نفسه، كانت إدارة أوباما تدفع بقوة لكي ترفع العقوبات الإضافية المفروضة على إيران، فعلى سبيل المثال، اتضح في أواسط شهر أبريل أن إدارة أوباما كانت تحث حكام الخمسين ولاية على إلغاء القوانين التي تقضي بحرمان الشركات التي تشارك في أعمال مع إيران من التمويل الحكومي. ووفقا لما نشرته «الشرق الأوسط» خلال الأسابيع الماضية، يبدو أن إدارة أوباما عازمة على منح إيران القدرة على التعامل بالدولار في تعاملاتها المالية الدولية - وهي المنحة التي يمكنها إثراء خزائن الحكومة الإيرانية وهو ما يمكن أن تستغله السلطات لتحقيق أي غرض تختار السعي لتحقيقه.
ومن جهة أخرى، بدأت بعض الأصوات الإعلامية الأميركية تدق جرس الإنذار حول هذه التوجهات الجديدة. ففي مثال صارخ، كتب المعلق المحافظ، ماكس بوت، في مجلة «كومنتاري»، التي تعارض الصفقة النووية الإيرانية: «بدأ احتفاء الرئيس بإيران يأتي بنتائج عكسية، حيث يكثف الملالي الذين لم يتخلوا عن أساليبهم الداعمة للإرهاب، جهودهم تأييدا للميليشيات الدموية في سوريا والعراق وما بعدهما - ومن ثم يدفعون بالمزيد من السنة إلى براثن الجماعات المتطرفة مثل جبهة النصرة و(داعش)».
وفي الوقت نفسه، يبدو أن الرئيس كان يثير غضب حلفائه السابقين في دول الخليج ويخسر تأييد رؤيته «للتوازن الاستراتيجي» مع إيران على صعيد الرأي العام الأميركي.
أضف إلى ذلك تطورًا آخر في أواسط أبريل أغضب مؤيدي اتجاه الإدارة صوب إيران بالإضافة إلى الحكومة الإيرانية نفسها:
ففي 20 أبريل في قرار جاء بتصويت 6 في مقابل 2، أصدرت المحكمة الأميركية العليا حكما بفرض ملياري دولار نيابة عن ضحايا الإرهاب الذي ترعاه إيران بما في ذلك تفجير ثكنات فيلق البحرية في 1983 في لبنان، الذي أسفر عن مقتل 241 من العاملين به. ووفقا للحكم، يمكن للمدعين في القضية أن يحصلوا على الأموال من البنك المركزي الإيراني الذي جمدت أصوله الولايات المتحدة. وفي أعقاب ذلك، هدد الرئيس حسن روحاني مباشرة بالطعن على قرار صرف ملياري دولار برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وبمعنى آخر، لم تكن مناقشات السياسة الخارجية بصفة عامة في صالح تطلع الرئيس في المضي قدما في الهدف المميز لسياسته الخارجية ألا وهو إعادة التوازن بالاتجاه لإيران.
وفي أبريل أيضا، تغيرت ديناميات المناقشات الأميركية العامة على نحو درامي، بعيدا عن التركيز على إيران والصفقة النووية وباتجاه النقاط التاريخية للجدال بين الولايات المتحدة والسعودية.
وجاء أول عامل في ذلك التغير قبل عدة أيام من رحلة أوباما المقررة للمملكة العربية السعودية «لتهدئة الأجواء» مع زعماء مجلس التعاون الخليجي، عندما تم بث مقطع فيديو تصدر عناوين الأخبار في برنامج «60 دقيقة». صور البرنامج حوارا مطولا مع السيناتور الديمقراطي السابق بوب غراهام الذي كان يلعب دورا رئيسيا في التحقيقات الأميركية الحكومية الأولى في هجمات الحادي عشر من سبتمبر بعد وقوع الهجمات. (جدير بالذكر أن غراهام كان يعرب باستمرار عن تأييده للصفقة النووية الإيرانية). في الحوار، لفت غراهام انتباه الناس إلى وثيقة الـ«28 ورقة» الشهيرة الآن - ما زالت جزءا سريا من تقرير قدمته لجنة بالكونغرس كانت تحقق في إخفاق الاستخبارات فيما يتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر.
ولمّح غراهام مرارا أثناء الحوار، على غرار الكثير من المسؤولين والشخصيات الإعلامية، إلى أن هذه الصفحات تتضمن معلومات تزعم وجود صلة بين السعودية وأخطر العمليات الإرهابية التي حدثت على الأراضي الأميركية على الإطلاق. وفي إطار عرضه لأفكاره المعروفة، كان غراهام يلجأ إلى لب المناقشات الأميركية العامة، الذي يتعلق بموضوع مطروق منذ 12 عاما، على الرغم من أنه لم يحدث أي تطور في ما يتعلق بوثيقة الـ«28 صفحة» يبرر تصدير ذلك باعتباره «خبرا جديدا».
جدير بالذكر في هذا السياق، أن الحكومة السعودية كانت تدعو منذ عام 2003 للإفراج عن الـ28 صفحة حتى تتم مناقشتها صراحة وعلانية.
وأشار مسؤول أمني أميركي أنه قبل نحو 13 عاما أكد وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل أن بلاده ليس لديها شيء تخفيه أو تسعى لحجبه، بل «تؤمن المملكة أن نشر الصفحات الثماني والعشرين المحجوبة - لأسباب غير واضحة حتى الآن - سيمكنها من الرد على أي مزاعم بصورة واضحة وموثوقة، وإزالة أي شكوك حول دور السعودية المعلن والحقيقي في حربها ضد الإرهاب والتزامها بذلك أمام العالم».
على أي حال، ففي ظل ثقافة سياسية تتشكك بصفة عامة في «نظريات المؤامرة»، وصف كثير من نقاد إدارة أوباما ما يعتقدون أنه كان جهودا مستترة للتلاعب بالرأي العام الأميركي من خلال تشتيت الانتباه بعيدا عن إيران وصوب المملكة العربية السعودية.
وقد استشهد الصحافي المحافظ، لي سميث، الذي يكتب في مجلة «ويكلي ستاندرد» بمصدر سابق بمجلس الأمن الوطني مطلع على وثائق الـ«28 صفحة» وهو يقول: «لا يوجد شيء مهم بهذه الصفحات». ومن ثم استنتج سميث أن هذا الجدل كان متعمدا «بنية توريط السعوديين». وتأييدا لذلك الموقف، قال إدوارد تورزانسكي، ضابط الاستخبارات في الحكومة الأميركية خلال فترة حكم ريغان «لجأت الإدارة إلى نمط سلوكي استخدمت عبره أي أداة أمكنها استخدامها لكي تعزز العلاقات مع إيران.. (و) بصفة عامة يتضح أن الإدارة تحجب أجزاء محددة من المعلومات في أوقات محددة، لكي يكون لديها رصيد سياسي يمكنها من تحقيق الغرض الذي ترغب فيه وتنشر أجزاء أخرى من المعلومات في أوقات أخرى للدفاع عن نفس الهدف. وقد تميل بعض وسائل الإعلام لعدم انتقاد الرئيس وحمايته عندما تتعرض مبادرته السياسية لخطر محدق».
وقد أثار إحياء النقاش حول الـ«28 ورقة» نقاشًا إعلاميًا محملا بالعواطف، حتى أصدرت بعض الشخصيات العامة انتقادات حادة ضد السعودية بصحيفة «نيويورك تايمز» 21 أبريل الماضي.
وفي الوقت نفسه، جاءت تغطية صحيفة «وول ستريت جورنال» الأقرب لليمين على الدرجة نفسها من الحدة. ويبدو أن تلك التعليقات التي تم نشرها في صحيفة معروفة بانتقادها لسياسات إدارة أوباما كانت تستهدف التركيز على المناحي التي تثير غضب خصوم أوباما في واشنطن. بمعنى آخر، كان المقال يحاول إثارة غضب الجمهوريين لكي يتخلوا عن الرغبة في إصلاح التحالفات العربية التقليدية لأميركا.
بالتزامن مع إصدار تقرير «60 دقيقة»، كانت هناك محاولات في الكونغرس للتصويت على مشروع قانون يطلق عليه «قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب»، كان قد تقدم به أحد الجمهوريين وسيناتور ديمقراطي في سبتمبر الماضي وهو ما يمكن أن يدفع أسر ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر أن يقاضوا السعودية عن الأضرار التي لحقت بهم في المحاكم الأميركية - رغم عدم وجود دليل يدين المملكة في الأحداث.
وفي تلك البيئة المشحونة، أصدر مسؤولون بالبيت الأبيض تصريحات تجعل الإدارة الأميركية تبدو كـ«صوت الاعتدال» إن لم تكن أكثر المدافعين عن المملكة العربية السعودية. وأعلن البيت الأبيض معارضته لمشروع القانون - لأسباب إجرائية، وفقا للمتحدث باسم البيت الأبيض جوشوا إرنست: «إن تخوفنا الرئيسي هو أن هذا القانون يمكن أن يضع الولايات المتحدة ودافعي الضرائب وجنودنا ودبلوماسيينا في خطر بالغ إذا ما تبنت الدول الأخرى قوانين مشابهة». كما أجرت الإدارة أيضًا سلسلة من المكالمات الهاتفية مع عدد من الشخصيات الرئيسية بالكونغرس لحثهم على التصويت ضد التشريع. وفي تصريحات رسمية حول لقاء الرئيس بزعماء مجلس التعاون الخليجي في الرياض، تمت الإشارة أكثر من مرة إلى أنه لم يتم التطرق إلى التشريع أو إلى وثيقة الـ28 صفحة.
وفي ظل وصول التوتر السعودي الأميركي للذروة، أصدر اثنان من القادة السابقين بلجنة الحادي عشر من سبتمبر اللذان يشاطران الرأي العام الاحترام والجدية في الأمور المتعلقة بالمأساة تصريحات مهمة، الحاكم السابق توم كيان والنائب السابق لي هاميلتون. يسعى التصريح لتصحيح عدد من المفاهيم الخاطئة التي تمت إثارتها في الأسابيع الأخيرة كنتيجة للمناقشات الإعلامية المحمومة حول الـ«28 ورقة».
وقد بذل كل من هاميلتون وكيان جهودا مضنية في تصريحاتهما لكي يؤكدا أن التقرير الضخم الذي أصدرته لجنة الحادي عشر من سبتمبر ذا أهمية كبرى للمملكة العربية السعودية، نظرا لحقيقة أن معظم المختطفين في تلك الهجمات كانوا مواطنين سعوديين. ولكنهما أقرا أيضًا بأن المملكة نفسها أصبحت الهدف الرئيسي للجماعات المتطرفة، وأن «السعودية حليف للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، كما قتل الكثير من الجنود السعوديين في المعركة ضد عناصر (القاعدة)».
خلال فترة الخطاب التصعيدي الذي امتد لعدة أسابيع، كان من المدهش أن نلاحظ أن بعض أكبر المنظمات الإسلامية الأميركية في واشنطن التزمت الصمت فيما يتعلق بقضية الـ«28 ورقة» و«قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب». كما لم يعربوا عن اعتراضهم على ميل إدارة أوباما بعيدا عن المملكة العربية السعودية وباتجاه إيران. وعلى النقيض، انضمت بعض المنظمات الإسلامية الأميركية للفريق المؤيد لسياسات الإدارة الأميركية فيما يتعلق بإيران، وأعربوا عن حماسهم للمساعدة في تلك العملية.
ومن أبرز الأمثلة في ذلك السياق كان «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية - كير» الذي تأسس في التسعينات على يد أعضاء من «رابطة فلسطين الإسلامية» المؤيدة لحماس في شمال أميركا. وسرعان ما خلقت المنظمة لنفسها مساحة بين الجماعات المسلمة الرئيسية في أميركا حيث كانت تمزج بين النشاطات في الحقوق المدنية والتصريحات السياسية من حين لآخر. ووسط الجدال العام حول الاتفاقية الإيرانية النووية في عام 2015، دعت «كير» الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي للحديث في أميركا، ولم تكن المرة الأولى: «أخذا في الاعتبار التوتر الذي يتنامى بين إيران والولايات المتحدة، من الضروري الحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحة بين البلدين، وهذه إحدى طرق الاستمرار في فتحها».
ولكن الجماعة لم تبذل أي جهود لتخفيف التوتر بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية - وعلى الرغم من أن المزاعم ضد الحكومة السعودية عادت للظهور مرة أخرى خلال ربيع 2016، التزم كل من موقع المنظمة وقياداتها الصمت التام حيال القضية.
جدير بالذكر في هذا السياق أنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، تم تصنيف «كير» باعتبارها «تنظيما إرهابيا» من قبل حكومة الإمارات، ربما نظرا لوجود الكثير من التقاطعات مع الجماعات المسلحة التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين.
ولكن الجماعات الإسلامية ليست هي التنظيمات الوحيدة التي اتخذت موقفا سلبيا تجاه حشد الدعم للتحالف السعودي الأميركي. فعلى الرغم من وجود عناصر سياسية لبنانية أميركية تؤيد موقف السعودية في بلادهم وكذلك جماعات يمنية أميركية وسورية أميركية تتطلع إلى المملكة العربية السعودية لمساعدة إخوتهم في مواطنهم، لم تحاول أي من هذه الجماعات، على مستوى تنظيمي، أن تؤثر في الرأي العام الأميركي لصالح المملكة العربية السعودية في واشنطن. أما بالنسبة للجماعات اليهودية والجماعات الموالية لإسرائيل، فقد أعربت المنظمة اليهودية اليسارية «جي ستريت» عن دعمها للاتفاقية النووية الإيرانية. ولكن المنظمة الأكبر والأكثر موالاة لإسرائيل «إيباك» فقد عارضت بقوة الاتفاقية النووية الإيرانية، وكانت من أكثر المدافعين عن الأردن ومصر والعلاقات الوثيقة مع حلفاء إسرائيل العرب. ولكن فيما يتعلق بالأمور المزعجة بالنسبة للمملكة العربية السعودية - مثل وضع وثيقة الـ«28 ورقة» وقانون العدالة ضد داعمي الإرهاب، لم تتخذ «إيباك» حتى يومنا الحالي أي موقف علني.
وكانت جماعات الضغط الوحيدة للجاليات الأجنبية بالولايات المتحدة التي اتخذت موقفا واضحا من الجدل هي إحدى أكثر الجماعات معارضة للمملكة العربية السعودية: جماعات الضغط الإيرانية. تضمنت المجموعة «المجلس الوطني للعلاقات الإيرانية الأميركية» و«المجلس الإيراني الأميركي»، اللذين كانا ينشران أكثر التصريحات المنذرة بشأن الـ«28 صفحة» كما أن المعلقين السياسيين المطالبين بإصدار «قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب».. كانوا يؤيدون جميعا الخطاب الموالي لطهران وينظرون إلى الحرس الثوري الإيراني باعتباره أفضل من الجهاز الأمني السعودي كحليف في الصراع ضد الإرهاب.
رغم وجود أصوات مناهضة للمملكة السعودية والأصوات التي تطالب بتمرير قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب، أعلنت بعض الأصوات عن تأييدها الواضح للتحالف السعودي الأميركي.
فقد كتب ماكس بوت، أحد المعلقين المحافظين المرموقين في مجلة «كومنتاري» أن واشنطن لا يجب أن تسمح للتحالف الأميركي السعودي بأن ينهار. قال بوت: «تعد المملكة العربية السعودية قوة رئيسية وضرورية لدعم النظام الذي تقوده أميركا في الشرق الأوسط. ولكن إيران، على النقيض من ذلك، يحكمها نظام ثوري عازم على مد حكمها في المنطقة وتدمير إسرائيل والحصول على الأسلحة النووية».
ومن جانبه، أكد جون بولتون، السفير السابق لدى الأمم المتحدة وأحد المدافعين عن إدارة جورج بوش، اعتقاده أن السعودية لا تتحمل هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ففي حوار مع شبكة «فوكس» الإخبارية في 18 أبريل، قال: «دعونا نكن واضحين، لقد نظرت إدارتان مختلفتان للغاية، وهما إدارة جورج بوش وإدارة باراك أوباما، في مئات الآلاف من الصفحات التي تتضمن أدلة تتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتوصلت إلى أن المملكة العربية السعودية والمسؤولين بها لم يكونوا متورطين».
وفي الوقت نفسه، يمكن لتأثير تلك المناقشات الحادة - خصوصًا فيما يتعلق بوثيقة الـ«28 ورقة» السرية - أن تزيد حالة البارانويا، والخوف، في السياسات الأميركية.
ومن ثم يقول إيرا موسى، الطبيب النفسي ومدير التدريب بمعهد ويليام ألانسون وايت، بنيويورك: «تظهر الصعوبات عندما تكون الوثائق والتقارير سرية جزئيًا، وبالتالي، لا تستطيع عقولنا احتمال وجود فراغات، خصوصًا إذا ما كان الأمر يتعلق بأكثر الأحداث كارثية في التاريخ الأميركي. ودون المعلومات المفقودة في الصفحات الثماني والعشرين المحجوبة، سوف يطلق الأفراد وكذلك الجماعات ببساطة ودون وعي العنان لخيالهم وللافتراضات لكي يملأوا الفراغات.
كما يصبح الأفراد أكثر عرضة لتصديق الإشاعات التي تأتي من المصادر التي يميلون للارتباط بهم. وعلى الرغم من أنه في وقت ما سيصبح من الضروري الإفراج عن وثيقة الـ(28 صفحة)، يمكننا أن نتساءل: لماذا زادت حاليا التقارير والتكهنات حول محتواها. وسوف تزيد الفانتازيا حول تلك المادة السرية يغذيها مخاوفنا وتوتراتنا، على غرار خوفنا من السير في الظلام أو خوف الأطفال من الأشباح المختبئين تحت الأسرّة».
* ينشر بالتزامن مع الشقيقة {المجلة}



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.