جنازة مؤثرة للصحافي سردار أحمد في كابل

باريس ترثي مسؤول مكتب وكالة الصحافة الفرنسية وزوجته وطفليهما بعد مقتلهم بهجوم لطالبان

عائلة وأقارب الصحافي الأفغاني سردار أحمد يحتشدون أمام مسجد عيد غاه في العاصمة كابل في انتظار خروج جثمانه قبل دفنه في مقبرة العائلة أمس (أ.ف.ب)  -  جنود أفغان يحملون صورة عمر نجل الصحافي الأفغاني سردار أحمد الذي قتل أيضا مع والده في هجوم لطالبان (أ.ف.ب)
عائلة وأقارب الصحافي الأفغاني سردار أحمد يحتشدون أمام مسجد عيد غاه في العاصمة كابل في انتظار خروج جثمانه قبل دفنه في مقبرة العائلة أمس (أ.ف.ب) - جنود أفغان يحملون صورة عمر نجل الصحافي الأفغاني سردار أحمد الذي قتل أيضا مع والده في هجوم لطالبان (أ.ف.ب)
TT

جنازة مؤثرة للصحافي سردار أحمد في كابل

عائلة وأقارب الصحافي الأفغاني سردار أحمد يحتشدون أمام مسجد عيد غاه في العاصمة كابل في انتظار خروج جثمانه قبل دفنه في مقبرة العائلة أمس (أ.ف.ب)  -  جنود أفغان يحملون صورة عمر نجل الصحافي الأفغاني سردار أحمد الذي قتل أيضا مع والده في هجوم لطالبان (أ.ف.ب)
عائلة وأقارب الصحافي الأفغاني سردار أحمد يحتشدون أمام مسجد عيد غاه في العاصمة كابل في انتظار خروج جثمانه قبل دفنه في مقبرة العائلة أمس (أ.ف.ب) - جنود أفغان يحملون صورة عمر نجل الصحافي الأفغاني سردار أحمد الذي قتل أيضا مع والده في هجوم لطالبان (أ.ف.ب)

شارك مئات الأشخاص أمس في تشييع جنازة سردار أحمد الصحافي الأفغاني في وكالة الصحافة الفرنسية الذي قتلته مع زوجته واثنين من أولاده مجموعة من حركة طالبان.
واحتشد أفراد العائلة والأقارب في المنزل العائلي في كابل للصلاة على القتلى قبل الجنازة في مسجد عيد غاه. ومنعت السلطات السير أمس في عدد من الشوارع التي سيسلكها موكب الجنازة في كابل. ورافقت صور كبيرة مزينة بالورود النعوش، ولف نعشا سردار وزوجته الحميراء بالعلم الأفغاني، ثم ووريت جثامين سردار (40 سنة)، وزوجته، وابنتهما نيلوفار (ست سنوات) وابنهما عمر (خمس سنوات)، الثرى جنبا إلى جنب في مقبرة بضاحية العاصمة الأفغانية. وتوالى على تأبين سردار وعائلته بكلمات مؤثرة كل من أشقائه ورئيس جهاز الاستخبارات الأفغانية أمر الله صالح والنائبة شوكيرا براك زائي ورئيس مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في باكستان وأفغانستان أمانويل دوبارك، والمصورة الأفغانية ماراي شاه. أما السفارة الفرنسية فوضع مندوبوها أكاليل زهور على الأضرحة.
وكان سردار أحمد المراسل منذ عشر سنوات في مكتب وكالة الصحافة الفرنسية، قتل مع زوجته واثنين من أولادهما في الهجوم الذي شنته مجموعة من عناصر طالبان مساء الخميس على فندق «سيرينا» في كابل. وما زال ابنهما الثالث أبو زار البالغ من العمر عامين والذي أصيب بجروح خطرة في حالة حرجة، أمس. وقتل في الهجوم الدامي على أفخم فنادق العاصمة الأفغانية تسعة أشخاص بالإجمال منهم كنديتان تعملان في مؤسسة «آغا خان» ومواطن من الباراغواي يعمل لحساب منظمة «إن دي آي» الأميركية.
وكان سردار أحمد كتب عشرات التحقيقات عن الحياة بعد حركة طالبان، وازدهار تجارة الأفيون ووضع الأطفال والتحديات التي تواجهها أفغانستان على صعيد إعادة الإعمار والانتخابات الرئاسية في 2004 و2009 ومواضيع متنوعة اتسمت جميعها بلمسات إنسانية ونظرة ثاقبة ولاذعة أحيانا. وعلى هامش عمله في وكالة الصحافة الفرنسية، أسس هذا الصحافي المتخصص في المسائل الأمنية والمعروف بدقته واستقامته وتحقيقاته الحية، وكالة «برسيستان» المحلية للأنباء التي تؤمن خدمات الترجمة للصحافيين الأجانب الذين يأتون إلى أفغانستان.
وقال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في رسالة إلى رئيس مجلس إدارة وكالة الصحافة الفرنسية إيمانويل هوغ، إن سردار أحمد «الذي قتل أثناء ممارسة مهنته، كان صحافيا متحمسا وحريصا على أن ينقل بدقة ورهافة وذكاء تعقيدات الوضع الأفغاني». وبعث وزير الخارجية الأميركي جون كيري بتعازيه إلى عائلة سردار أحمد، بينما أعرب الرئيس الأفغاني عن أسفه لخسارة «صحافي لامع». وأشاد رئيس مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في كابل بن شيبارد بالصفات الإنسانية والمهنية لزميله وصديقه. وقال إن «سردار الذكي والواسع الاطلاع والأنيق والذي يفيض حماسة لافتة، كان صحافيا من الطراز الأول.. ورجلا يترك أثرا على أي شخص يلتقيه».
وسيتوجه الأفغان في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل إلى مراكز الاقتراع لانتخاب خلف لحميد كرزاي، الوحيد الذي حكم البلاد منذ التدخل العسكري الغربي الذي أطاح حركة طالبان عن السلطة أواخر 2001. ولا يستطيع كرزاي بموجب الدستور الترشح لولاية ثالثة في هذه الانتخابات التي تفتح الطريق لأول عملية انتقالية ديمقراطية في هذا البلد الذي أنهكته حرب استمرت أكثر من ثلاثة عقود. لكن حركة طالبان حذرت من أنها «ستعرقل» هذه الانتخابات وتهاجم المسؤولين السياسيين والانتخابيين والمراقبين، للتأثير على المشاركة الشعبية وعلى القدرة على الكشف عن عمليات تزوير انتخابية محتملة. وقال خبراء في الشأن الأفغاني: «نعتقد أن هذا الهجوم متصل مباشرة بالانتخابات».
بدوره، قال أحمد رشيد المؤلف الشهير بكتبه عن حركة طالبان، إن «الهدف السياسي لحركة طالبان واضح، فهم يريدون إضعاف مصداقية الانتخابات والتسبب في أزمة شرعية في كابل، والوصول بهذه الطريقة أقوياء إلى طاولة المفاوضات». وأضاف أن فرع طالبان الذي يرفض المصالحة مع الحكم لبسط الاستقرار في البلاد بعد انسحاب الحلف الأطلسي أواخر العام الجاري، قد يتذرع بهذه الأزمة في كابل لمحاولة الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح.
يذكر أن فندق «سيرينا» الفخم الذي تميزه ساحة داخلية كبيرة وقاعة رياضة وحوض سباحة وبضعة مطاعم، كان تعرض لعملية انتحارية شنتها في يناير (كانون الثاني) 2008 حركة طالبان وأسفرت عن ثمانية قتلى. وشدد الفندق تدابيره الأمنية بعد ذلك الهجوم، لذلك استمر في استقطاب الأجانب والدبلوماسيين ورجال الأعمال الأفغان. لكن السلطات الأفغانية اتهمت أمس الأجهزة الأمنية للفندق بالعجز عن اكتشاف الأسلحة التي كان يحملها المهاجمون. ويندرج الهجوم على فندق «سيرينا» أيضا في إطار موجة العنف التي تستهدف الأجانب في أفغانستان، مما أرغم منظمات على تقليص متابعتها للانتخابات. وفي يناير الماضي، قتلت مجموعة انتحارية من حركة طالبان 21 شخصا منهم 13 أجنبيا، في هجوم استهدف «مطعم لبنان» في كابل.



«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
TT

«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)

وقّعت مجموعة «STC» والمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) مذكرة تفاهم لاستكشاف مجالات تعاون استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرات الإنتاج الإعلامي بالمملكة، وذلك على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» بالعاصمة الرياض.

وجاءت المذكرة لتجمع بين قدرات «STC» في البنية التحتية الرقمية والاتصالات والحوسبة السحابية، وخبرات «SRMG» في الإعلام وصناعة المحتوى والإنتاج، حيث يركز التعاون على دعم منظومة الإنتاج السعودية، وتعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل البلاد وخارجها.

ويعكس التعاون بين «STC»، ممكّن التحوّل الرقمي، و«SRMG»، أكبر مجموعة إعلامية متكاملة بالمنطقة، التزاماً مشتركاً بتطوير التقنيات والمنصات والقدرات الإنتاجية التي تدعم مكانة السعودية وجهةً إقليميةً وعالميةً رائدة في مجال إنتاج المحتوى.

من جانبه، قال رياض معوّض، الرئيس التنفيذي لوحدة الأعمال في «STC»: «نمتلك البنية التحتية والقدرات السحابية والخبرات التقنية اللازمة لدعم الجيل القادم من الإنتاج الإعلامي بالمملكة»، مضيفاً: «من خلال شراكتنا مع (SRMG) نجمع بين هذه القدرات والخبرات الإعلامية الرائدة في المنطقة للعمل معاً على تطوير قطاع إنتاج المحتوى» في السعودية.

توقيع مذكرة التفاهم بين المجموعتين على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» في الرياض (SRMG)

بدورها، أوضحت جمانا الراشد، الرئيس التنفيذي لـ«SRMG»، أن «التكنولوجيا تعيد تشكيل صناعة الإعلام، بالتوازي مع تغير سلوك الجمهور وتزايد الطلب على محتوى عالي الجودة يُقدَّم بسرعة وعلى نطاق واسع»، مؤكدة مواصلتهم «الاستثمار في القدرات والشراكات والمنصات التي تعزز طرق صناعة المحتوى وتقديمه».

وأشارت الراشد إلى أنه «من خلال تعاوننا مع (STC)، سنستكشف نماذج إنتاج أكثر ترابطاً، ومدعومة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بما يسهِم في دعم المواهب السعودية والنمو المستمر لقطاع الإعلام بالمملكة».

وبموجب المذكرة، سيستكشف الجانبان فرص التعاون ضمن خمسة مجالات رئيسية، تشمل توفير حلول اتصال عالية الكفاءة، بما في ذلك الألياف الضوئية والحوسبة الطرفية، لدعم الاستوديوهات الحديثة وبيئات الإنتاج عن بُعد ومسارات العمل السحابية عبر عمليات «SRMG»، كما سيبحثان فرص تطوير مراكز إنتاج حديثة مجهزة بتقنيات بث متقدمة.

وتشمل المذكرة أيضاً منصات سحابية آمنة لتخزين المحتوى الإعلامي وتحريره وإدارة أصوله، إلى جانب مسارات عمل مشتركة لمرحلة ما بعد الإنتاج، بما يسهم في رفع سرعة وكفاءة تسليم المحتوى. كما ستستكشف المجموعتان تقنيات إنتاج ناشئة وتختبرها، بما في ذلك الإنتاج الافتراضي، والمعالجة الفورية، وأدوات الواقع المعزز والواقع الافتراضي.

وسيقيّم الجانبان كذلك استخدام حلول الذكاء الاصطناعي عبر مراحل إعداد المحتوى، بما يشمل تطوير النصوص، وتحرير الفيديو، واقتراح المحتوى، وأتمتة عمليات الإنتاج، مع التركيز على رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز القدرات الإبداعية على نطاق واسع.

ومن خلال الجمع بين قدرات «STC» التقنية المتقدمة وخبرات «SRMG» الإعلامية وفهمها العميق لجمهور المنطقة وقدراتها في إنتاج المحتوى، سيسهم التعاون في تطوير بيئة إنتاج إعلامي أكثر ترابطاً واستعداداً للمستقبل في البلاد، ودعم المواهب الإبداعية السعودية وإنتاج محتوى يواكب تطلعات الجمهور المحلي ويصل إلى الجمهور حول العالم.


«السوشيال ميديا»... سلاح كشف التجاوزات يتحول «جلاداً»

تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)
تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)
TT

«السوشيال ميديا»... سلاح كشف التجاوزات يتحول «جلاداً»

تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)
تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)

تجاوزت «السوشيال ميديا» أخيراً دورها كمنصات للترفيه والتبادل المعرفي لتتحوّل أداةً تتشابك فيها أدوار المواطن ما بين صانع للمحتوى ورقيب و«جلاد» في وقت معين. وجاء هذا التحوّل بعدما غدا الجوّال وسيلةً لـ«تنفيذ رقابة ذاتية» من بعض الأشخاص.

وكذلك، أصبح التوثيق الرقمي للمخالفات والتجاوزات وسيلة كشف غير رسمية، تسبق في كثير من الأحيان التحرّك المؤسسي من الجهات المتخصصة.

ظاهرة التصوير الميداني

وفق مراقبين، فإنه يُمكن بوضوح رصد نمط متصاعد من استخدام التصوير الميداني كسلاح «كشف أو ضغط»، فمثلاً السلطات الأمنية المصرية تكشف يومياً عن ملابسات جرائم مصدرها، بالأساس، مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي حين نجحت مشاهد التصوير هذه في استرداد الحقوق والتدخل العاجل من الأجهزة المصرية، كشفت وقائع أخرى عن الوجه المُظلم لهذه الممارسة عندما «تحول التوثيق في بعض الحالات وسيلةً للتشهير أو تصفية الحسابات».

خبراء يرون أن «الصراع بين فضيلة الكشف وخطر الانفلات يعكس مرحلة انتقالية في بنية المجتمعات». ويتفّق هؤلاء الخبراء على أن «التحدّي الحقيقي ليس في تقييد المبادرات الفردية؛ بل في تحويلها من ممارسات عفوية قد تجنح نحو التشهير، إلى ممارسة مسؤولة تتقاطع مع الأطر القانونية وتلتزم بأخلاقيات المهنة الرقمية».

سلاح ومحطات بث

حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع معهد روتشستر للتكنولوجيا بدبي، أشار في سياق الكلام عن جوهر الأزمة إلى «تحول حسابات الأفراد سلاحاً ومحطات بث مستقلة تفتقر إلى المعايير المهنية».

وقال مصطفى لـ«الشرق الأوسط» إن الحسابات تحوّلت إلى منصات بث؛ لأن أدوات النشر باتت متاحة للجميع، في حين اختفت الوظيفة التي كانت تؤديها غرفة الأخبار، بداية من السؤال قبل النشر، والتحقّق من المصدر، وتقدير الضرر، وموازنة الحق في المعرفة مع كرامة الناس.

وحسب مصطفى، «المشكلة الآن أن حسابات كثيرة تعمل بمنطق السرعة والسبق والانفعال؛ ولذا أصبح مقطع قصير بلا سياق قادراً على بناء حكم اجتماعي كامل خلال دقائق، وقد يتحوّل التوثيق تشهيراً». وأردف من ثم أن «الجمهور لا يرى دائماً الفرق بين النشر والتحقق؛ فالمحتوى المُولد من قِبل المُستخدمين يجب التعامل معه باعتباره مادة غير موثّقة إلى أن يثبت العكس».

من جهة ثانية، يرى متابعون أن المسؤولية تمتد لتتجاوز سلوك الأفراد وتصل إلى جوهر تصميم المنصات الرقمية؛ إذ تضع اعتبارات الربح المادي وجذب المشاهدات في صدارة أولوياتها، متجاوزة الاعتبارات الأخلاقية والمجتمعية.

وهنا يلفت مصطفى إلى أن «الخوارزميات ليست أدوات محايدة»؛ فهي ترتّب المحتوى بناءً على إشارات التفاعل مثل المشاهدات، والتعليقات، والمشاركات... والمحتوى الفاضح ينتج هذه الإشارات بسرعة أكبر من المحتوى الهادئ؛ ولذا يحدث خلل جوهري. وبالتالي، يشير إلى أن «الخوارزميات قد تدفع المجتمع نحو التشهير وتبسيط الوقائع؛ ما يصنع محكمة انفعالية بدلاً من وعي عام».

وقائع عالمية ومحلية

عالمياً، تتعدّد النماذج الدولية التي تعكس الدور المزدوج للتوثيق الرقمي كأداة لإنفاذ القانون وأحياناً كمصدر للضغط. ويظل النموذج الأبرز في قضية جورج فلويد في الولايات المتحدة، عام 2020، التي جعلت العدسة الشعبية محركاً لتغيير المسارات القانونية.

وأفريقياً، قبل أشهر، تسبّب تصوير أحد المارة في كينيا لشرطي يطلق النار على بائع متجوّل في توقيف الضابط وإحالته للتحقيق. وفي تنزانيا، المجاورة لكينيا، أدت تحقيقات الشرطة في جريمة اعتداء جنسي جماعي موثقة بالفيديو عام 2024 إلى ملاحقة المتهمين قانونياً مع إدراج مصوّري المقطع ومروّجيه ضمن دائرة التحقيق.

وبالتوازي، في مصر، تمكنت السلطات خلال الفترة الماضية من توقيف أحد الأشخاص ظهر في مقطع فيديو محاولاً سرقة أسلاك كهربائية من أحد المرافق عقب تداول فيديو وثَّق الواقعة، في حين كشفت وقائع أخرى عن «خطورة الادعاء والتشهير» مثل واقعة إقدام طالبة على تصوير شاب داخل عربة مترو «أنفاق القاهرة»، مدعية «تعاطيه مواد مخدّرة» لتثبت التحقيقات لاحقاً أن الشاب كان يجهّز سيجارة تبغ عادية؛ الأمر الذي دفعه إلى تقديم بلاغ ضد الفتاة بتهمة «التشهير».

الجوّال أصبح وسيلة لتنفيذ رقابة ذاتية من بعض الأشخاص (أرشيفية - رويترز)

«جلاد» ومحكمة شعبية

خبيرة علم النفس الاجتماعي في كندا، ندى قداح، في حوار مع «الشرق الأوسط»، حذَّرت من «ظهور ما يشبه محكمة شعبية رقمية تحوّل الجماهير جلاّداً وتصدر الحكم في عجالة من دون التحقق في صحة الادعاء أو الظن». وهي ترى أن المجتمعات، قبل منصّات التواصل، «كانت تلتزم بمنظومة غير مكتوبة من الضوابط مثل الحياء، والستر، والخوف من إيذاء الآخرين، والإحساس بأن كرامة الإنسان ليست ملكاً لا للشارع ولا للجمهور».

وأضافت قداح: «اليوم، بات الإنسان يعيش داخل اقتصاد جديد تحكمه قيمة الانتباه... ولم تعد بعض الأفعال تُقاس فقط بمعيار الصواب والخطأ، بل بقدرتها على جذب المشاهدات والتفاعل». وأوضحت: «عندما يتحول المرء مجرّد صورة، يصبح من السهل أن نفقد الاتصال بإنسانيته؛ لأن الشاشة تخلق مسافة عاطفية تجعل الآخر أقل حضوراً ككائن له مشاعر، وأكثر حضوراً كمحتوى».

وتابعت: «نحن بتنا في حاجة إلى تربية رقمية تعيد تعريف الحرية... فالحرية ليست أن أستخدم قدرتي بلا حدود، بل أن أمتلك الوعي الكافي لأعرف متى أتوقف احتراماً لكرامة الآخر».

تنظيم العلاقة وتحقيق العدالة

في سياق آخر، حول كيفية تنظيم العلاقة عند استخدام «التوثيق الرقمي». يشدّد الصحافي والمراسل الهولندي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، يوست شيفيرز، على أن «فاعلية التوثيق الرقمي لا تتوقّف عند لحظة الانتشار أو تصدر الترند، بل ترتبط بالمسار المؤسسي والقانوني اللاحق». وأضاف شيفيرز لـ«الشرق الأوسط» أنه يُمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تسهِم في تحقيق العدالة بشرط ضمان سلامة الضحايا وتقديم الإغاثة لهم أولاً. وأكد على «ضرورة تحويل هذه الأدوات وسائلَ للرقابة والمحاسبة الفعلية... إذ لا يكفي نشر صور القبض على المتهمين؛ بل تجب متابعة المسار القضائي بالكامل بدءاً من عرض المتهمين على القضاء، ووصولاً إلى الأحكام الصادرة ودور الدفاع. ذلك أن الشفافية في إجراءات التقاضي هي المعيار الحقيقي لتحويل المحتوى الرقمي أداةً لإنفاذ القانون».

نقطة أخرى تطرق لها المهتمون والخبراء، هي إمكانية انتقال الإنسان بفعل وسائل التواصل من كونه شاهداً على حدث إلى كونه منتجاً لمشهد، ومن متلقٍ للمعلومة إلى مشارك في صناعها ونشرها... وبين هذه المسافة حدث تحول نفسي واجتماعي، حيث تراجع الحاجز الداخلي الذي كان يجعل الإنسان يتوقف قبل أن ينتهك إنساناً آخر.

الحماية القانونية

من الناحية القانونية، يضع استشاري حقوق الإنسان والتشريعات الإعلامية، إيهاب سلام، حداً فاصلاً بين التوثيق والنشر. ويشرح لـ«الشرق الأوسط» أن «التصوير في حد ذاته مُباح للجميع ولا يُعدّ جريمة، ما دام لم يقع ضمن محظورات قانونية، مثل تصوير أماكن محظورة بنص القانون، أو تصوير أشخاص من دون رضاهم؛ لأن ذلك يُمثل انتهاكاً للخصوصية التي يحميها الدستور والقانون... بصرف النظر عمّا إذا كانت هذه الصور مُسيئة أو غير مسيئة، ولكن يُستثنى من ذلك حالات محدّدة، من بينها تصوير جريمة أثناء وقوعها، حيث يعطي القانون الأولوية لتوثيق الجريمة على حق الخصوصية».

ومن ثم، يركّز سلام على أن «النشر هو فعل آخر ولاحق للتصوير، ويُشترَط له قانوناً الحصول على موافقة صاحب الصورة أو المحتوى، والحماية القانونية هنا تتعلّق بحماية واحترام الخصوصية قبل أن تكون مرتبطة بالإساءة». ويستطرد قائلاً إن «نشر أي محتوى يتضمّن تشهيراً أو إساءة إلى شخص بعينه يُعدّ جريمة مُكتملة الأركان، سواءً كانت الوقائع صحيحة أو غير ذلك؛ لأن القانون يَحظُر التشهير ذاته بصرف النظر عن صحة المعلومة».

كذلك، يتطرّق سلام إلى حقيقة أن «القانون يعطي الأولوية لتوثيق الجريمة أثناء وقوعها على حقّ الخصوصية، لكنه لا يبيح النشر للعامة، والإجراء القانوني السليم هو تسليم المادة المصورة للجهات المختصة... وفي حالة الرغبة في النشر بخصوص هذه الحالة يجب التحقّق من صحة المحتوى وإخفاء هوية الأشخاص، مع تجنب تحويله وسيلةً للتشهير أو الإيذاء».

ثم يضيف أن «القوانين في المقابل أباحت، وأكدت على، حق نقد الشخصية العامة والموظف العام والكشف عن التجاوزات، لكنها وضعت شروطاً لاستخدام هذا الحق، من أبرزها أن يكون الفعل محل النقد مرتبطاً بعمله وليس أمراً شخصياً، وأن تكون الوقائع صحيحة ومثبتة، وأن يكون النقد الموجّه يتناسب مع الفعل محل النقد... ولكن رغم ذلك تظل الحياة الخاصة لهم محمية حماية كاملة، ولا يُعتد بذريعة كون الشخص شخصية عامة لتبرير المساس بخصوصيته أو الإساءة إليه».

ثم يلفت الاستشاري سلام إلى أن «الصراع بين فضيلة الكشف وخطر الانفلات يعكس مرحلة انتقالية في بنية المجتمعات، ففي حين يمثل التصوير الشعبي صمام أمان ضد الفساد والتسيب، يظل غياب الضبط التحريري والقانوني مُهدّداً للانفلات الاجتماعي. ومن ثم، لا بد من تعميم إرشادات وتعليمات للمواطنين بطرق وآليات الإبلاغ عن الجرائم ونشرها دون الوقوع في المحظورات القانونية، والتعجيل في سَن التشريعات المتعلقة بحماية الشهود والمُبلّغين لوضع مسار قانوني واضح لطريقة الإبلاغ عن التجاوزات من دون التعدّي على حقوق أخرى محمية قانونياً».

تتعدّد النماذج الدولية التي تعكس الدور المزدوج للتوثيق الرقمي


«أبل» تُحفز ناشرين لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي

شعار "أبل" (رويترز)
شعار "أبل" (رويترز)
TT

«أبل» تُحفز ناشرين لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي

شعار "أبل" (رويترز)
شعار "أبل" (رويترز)

سعياً لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي، تدرس شركة «أبل» دفع أموال لمؤسسات الإعلام مقابل استخدام ما تنشره من محتوى في نسختها الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من «سيري»، في محاولة لتحفيز الناشرين على دعم خدمة هذا المساعد الصوتي الذكي.

صحيفة «وول ستريت جورنال» أشارت في تقرير نشرته أخيراً إلى أن شركة «أبل» بدأت بالفعل التواصل مع عدد من الناشرين لمناقشة إمكانية استخدام محتواهم الإخباري داخل «سيري»، وأن «أبل» عرضت مبالغ مالية تبدأ من نحو 100 مليون دولار.

يُتوقع أن تطرح «أبل» نسختها الجديدة «سيري» خلال العام الجاري، ومن المفترض ألا تعتمد النسخة الجديدة على معلومات عامة أو قديمة، بل ستحتاج إلى معلومات حديثة تجيب بها عن أسئلة المستخدمين.

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بالإمارات العربية المتحدة، عدَّ، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، اتجاه «أبل» الجديد بمنزلة «جزء من صراع قديم متجدد». وقال إن «معظم منصات التواصل الاجتماعي دخلت في مناقشات مع الناشرين بشأن أحقيتهم في عوائد مالية على المحتوى الذي يتم نشره أو استهلاكه على المنصات».

ثم أردف أنه «نتيجة هذه المناقشات، خضعت بعض منصات التواصل الاجتماعي لاتفاقيات مالية في بعض الدول، وبعد ذلك بدأت المنصات في التضييق على المحتوى الإخباري لتقليل أي فوئد مالية للناشرين... أما بشأن ما تخطط له (أبل) فإن النظرة الأولى العامة تشير إلى مكاسب وعوائد للناشرين».

من جهة ثانية، ذكر كيالي أنه «من الممكن أن تعتمد (أبل) الأسلوب نفسه الذي اعتمدته منصات التواصل الاجتماعي، وتبدأ في التضييق على الناشرين، إضافةً إلى أنه من الممكن ألا ينجح هذا المشروع، بمعنى ألا تكون هناك عوائد مالية تُذكر من (سيري)».

وأشار إلى أن «تعميم فكرة (أبل) يحتاج لفترة قد تتجاوز العام، وذلك بعد نجاح التجربة واختبارها في الولايات المتحدة وأوروبا»، متوقعاً أن «يمتد هذا الموضوع أو تأثيره على الأقل إلى باقي شركات التواصل الاجتماعي».

ومن ثم، أوضح أن «الناشرين يعانون حالياً من استحواذ الذكاء الاصطناعي على معظم عمليات البحث والقراءة، ولا يوجد بشكل عام أي إعادة توجيه للمحتوى الأصلي بعيداً عن إجابات برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي».

وحسب «وول ستريت جورنال»، اقترحت «أبل» نموذجاً لـ«تعويضات متغيرة حسب الاستخدام»، مما يعني أن المؤسسات الإعلامية لن تحصل على مبلغ ثابت مقابل منح «أبل» حق الوصول إلى أرشيفها أو محتواها بالكامل، بل تحصل على أموال كلما استخدم «سيري» محتواها، وهو ما يختلف عن اتفاقيات الترخيص التي وقَّعتها شركات الذكاء الاصطناعي مع المؤسسات الإعلامية خلال السنوات الأخيرة، والتي تقوم غالباً على دفع مبلغ ثابت مقابل الحصول على نطاق واسع من المحتوى.

للعلم، هذا النموذج ليس جديداً على «أبل»، فهو ما تطبقه حالياً في خدمة «أبل نيوز»، حيث يجري احتساب الإيرادات بصورة تتناسب مع نسبة القراءات التي تحققها مواد كل ناشر على «أبل نيوز».

هنا، عدَّ الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، ما تعتزم «أبل» تنفيذه «مصدر دخل جديداً محتملاً، لكنه غير مضمون القيمة». وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «نظام الدفع متغير ومرتبط بالاستخدام الفعلي، وليس ثابتاً، مما يعني أن الناشر قد يحصل على مبلغ صغير جداً إذا لم يستعن (سيري) بمحتواه كثيراً».

وأضاف أن هذا النموذج «قد يخلق توتّراً بين الناشرين، فمَن يوافق على النموذج المتغير قد يشعر بأنه يتنازل عن قيمة أكبر مقارنةً بمن حصل على صفقات ذات مبالغ ثابتة مع شركات أخرى مثل (أوبن إيه آي)».

ثم أشار فتحي إلى أن «الشركات الكبرى مثل (أبل) عادةً ما تبدأ بتجربة المزايا الجديدة داخل الولايات المتحدة قبل تعميمها والانطلاق إلى أوروبا ثم بقية العالم، حسب نجاح المزايا وبعد دراسة المعوقات والتغلب عليها... وهكذا»، متوقعاً أن «تعمد (أبل) إلى تعميم التجربة، لا سيما في الدول التي لديها مكاتب وتمثيل من الشركة».

وتابع أن «هناك تحركاً كبيراً وواسعاً للشركات التكنولوجية الكبرى؛ فهي في طبيعتها تنافسية، وهناك بالفعل نقاش واسع حول كيفية تعويض الناشرين، ولذا أتوقع أن تتجه شركات أخرى مثل (أوبن إيه آي) أو (غوغل) لتبنّي نماذج مشابهة أو مختلفة، خصوصاً إذا أثبت نموذج (أبل) جدواه».

في سياق متصل، تعتزم «أبل» إدخال تغييرات على قواعد عمل متجرها الإلكتروني «آب ستور» بدءاً من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تسمح للمستخدمين في دول الاتحاد الأوروبي بخيارات متعددة لتحميل التطبيقات ودفع ثمنها، وفقاً لبيان مشترك صادر عن الشركة والمفوضية الأوروبية أخيراً.

تأتي هذه التحديثات استجابةً للضغوط التي تعرّضت لها من الاتحاد الأوروبي بشأن تطبيق قواعد مكافحة الاحتكار وحماية المنافسة. وحقاً، في أبريل (نيسان) 2025 فرضت المفوضية الأوروبية غرامة قيمتها 500 مليون يورو (578 مليون دولار) على «أبل» بسبب انتهاك قانون الأسواق الرقمية في الاتحاد الأوروبي.

هذا، ويفرض قانون الأسواق الرقمية الأوروبي التزامات إضافية على شركات التكنولوجيا الأميركية «ألفابت» (مالكة «غوغل») و«أمازون» و«أبل» بهدف ضمان المنافسة العادلة في الأسواق الرقمية.