نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»

هدفها الرئيسي خلق مزيد من «الفوضى الخلاقة» في شمال أفريقيا

نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»
TT

نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»

نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»

عقب التصريحات التي أدلى بها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في مخيمات جبهة «البوليساريو» بتندوف (جنوب غربي الجزائر) مطلع شهر مارس (آذار) الماضي، وعبر فيها عن «تفهّمه لغضب الشعب الصحراوي بسبب احتلال أراضيه»، وأثارت غضب المغرب، تساءل محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب الأسبق في تصريحات صحافية «من يقف وراء الرجل، الذي لا يتصرف إلا وفق توجيهات معينة، وذلك منذ توليه الأمانة العامة للأمم المتحدة؟».
واستبعد بن عيسى، الذي كان أيضًا سفيرًا للمغرب في واشنطن أيام الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون (1993 - 1999)، أن تكون تصريحات بان مجرد «فلتة لسان» أو «رد فعل» على طلب الرباط تأجيل زيارته للمنطقة إلى وقت لاحق، وهي الزيارة التي قام بها بداية مارس الماضي، وشملت موريتانيا والجزائر ومخيمات «البوليساريو»، بل رأى أن لكلام الأمين العام الأممي «خلفيات أعمق على الرباط أن تستعد لها». وحمل تساؤل بن عيسى – آنذاك - رسالة واضحة مفادها «فتش عن أميركا!».
سرعان ما كشف الخطاب الذي ألقاه العاهل المغربي الملك محمد السادس في القمة الخليجية - المغربية في العاصمة السعودية الرياض يوم الأربعاء 20 أبريل (نيسان) الحالي، عن أحدث تطورات نزاع الصحراء، عما سماه «ازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف، ومحاولات الطعن من الخلف»، في إشارة واضحة إلى واشنطن.
وذهب ملك المغرب بعيدًا حينما قال لقادة دول الخليج بأن «الأمر بلغ إلى شن حرب بالوكالة باستعمال الأمين العام للأمم المتحدة كوسيلة لمحاولة المسّ بحقوق المغرب التاريخية والمشروعة في صحرائه، من خلال تصريحاته المنحازة، وتصرّفاته غير المقبولة بشأن الصحراء المغربية».
و«إن المشكلة تبقى مطروحة مع المسؤولين بالإدارات التي تتغير بشكل مستمر، في بعض هذه الدول». وهو كلام عده المراقبون تلميحًا لإدارة الرئيس باراك أوباما الذي شهدت العلاقات المغربية - الأميركية في عهده توترًا غير مسبوق.
في سياق ذلك، أوضح العاهل المغربي أنه «مع كل تغيير (في الإدارة الأميركية) يجب بذل الكثير من الجهود لتعريفهم بكل أبعاد ملف الصحراء المغربية، وبخلفياته الحقيقية، وتذكيرهم بأن هذا النزاع، الذي دام أزيد من أربعين سنة خلف الكثير من الضحايا، وتكاليف مادية كبيرة، وبأن قضية الصحراء قضية كل المغاربة، وليست قضية القصر الملكي لوحده». ومضى قائلا لحلفائه الخليجيين «المخططات العدوانية التي تستهدف المس باستقرارنا متواصلة ولن تتوقف. فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب».
وتابع محمد السادس «هذا ليس جديدًا. فخصوم المغرب يستعملون كل الوسائل، المباشرة وغير المباشرة، في مناوراتهم المكشوفة.. ويحاولون حسب الظروف، إما نزع الشرعية عن وجود المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال وأطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادرة الحكم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها». وخلص إلى القول إنه «مع التمادي في المؤامرات، أصبح شهر أبريل - الذي يصادف اجتماعات مجلس الأمن حول قضية الصحراء - فزّاعة ترفع أمام المغرب، وأداة لمحاولة الضغط عليه أحيانا، ولابتزازه أحيانا أخرى».
* قصة «فزاعة أبريل»
في أبريل 2013 قدمت واشنطن لمجلس الأمن الدولي مقترح قرار يدعو لتوسيع صلاحيات بعثة «مينورسو» في الصحراء لتشمل وضعية حقوق الإنسان فيها. وردّ المغرب، مستاءً، بإلغاء المناورات العسكرية السنوية المشتركة مع الولايات المتحدة المعروفة باسم «الأسد الأفريقي» التي جرت العادة على تنظيمها في الجنوب المغربي.
بعض الجهات في واشنطن لمحت إلى أن مسودة المقترح الأميركي «ليست قرارًا استراتيجيًا» انطلق من البيت الأبيض أو البنتاغون أو حتى الخارجية، ووصفته بأنه «خطوة منعزلة» من سوزان رايس، المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة آنذاك ومستشارة الأمن القومي حاليًا، التي تربطها علاقة صداقة متينة بكيري كيندي رئيسة «مركز روبرت كيندي للعدالة وحقوق الإنسان»، المتعاطفة مع أطروحة «البوليساريو» المدعومة من الجزائر، والداعية إلى انفصال الصحراء عن المغرب. لكن مصادر أخرى رأت أن ما حدث يجسّد حالة انقسام في الإدارة الأميركية إزاء نزاع الصحراء، مشيرة إلى أن وزير الدفاع – آنذاك - تشاك هيغل استاء من خطوة رايس. بل إن أوساطا كثيرة في واشنطن مطلعة على ملف نزاع الصحراء قالت حينذاك «إن ثمة استياءً في واشنطن إزاء مشروع القرار الأميركي لا سيما أن رايس لم تأخذ الضوء الأخضر من البيت الأبيض، وأن جون كيري وزير الخارجية لم يكن أيضا على علم بخطوتها». وهذا مع العلم أن كيري كان وقّع قبل سنوات من توليه حقيبة الخارجية الأميركية عريضة تطالب بإجراء استفتاء تقرير المصير في الصحراء بيد أن موقعه الآن كمسؤول في الإدارة يفرض عليه التحفظ. وبالتالي، استبعدت الأوساط ذاتها أن تكون لكيري أي علاقة بخطوة رايس، معتبرة أنها كانت مستقلة تمامًا عن القرار الاستراتيجي الأميركي، وأنها «مجرد سوء فهم وانعدام تنسيق» بين دواليب الإدارة الأميركية.
في حينه دارت عجلة الدبلوماسية المغربية بسرعة. وحسب معلومة حصلت عليها «الشرق الأوسط» فإن المغرب عندما علم بخطوة رايس سأل واشنطن رسميًا «هل ما جرى في الأمم المتحدة خطوة تمثل الإدارة الأميركية أم أنها مجرد خطوة منفردة؟». وجاء الجواب أن مشروع القرار الذي اقترحته رايس سيعاد النظر فيه، وأن المغرب سيظل حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وأن الموقف الرسمي الأميركي يدعم مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب سنة 2007. التي سبق لمجلس الأمن أن وصفها بأنها «ذات مصداقية وجدّية».
وبالفعل تراجعت واشنطن عن مشروع قرارها، وخرجت العلاقات المغربية - الأميركية من عنق الزجاجة، لكن نار رماد المقترح الأميركي لم تنطفئ تمامًا. ثم جاءت القمة الأميركية - المغربية في واشنطن يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 محاولة إصلاح الكسر الذي طال مرآة العلاقات بين البلدين. وسمع ملك المغرب في البيت الأبيض من الرئيس أوباما إشادة كبيرة بالعلاقات الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، وثناء على ريادته في تعزيز الديمقراطية ببلده ودفعه بالتقدم الاقتصادي والتنمية البشرية خلال العقد الأخير.
رغم ذلك لم تختف «الفزاعة»، وما أن حل أبريل 2014 حتى أجرى الملك محمد السادس اتصالا هاتفيا بالأمين العام للأمم المتحدة قيل في البداية إنه يدخل ضمن الاتصالات والمشاورات الدائمة بين العاهل المغربي والأمين العام، لكنه في الحقيقة كان اتصالا من أجل وضع النقاط على الحروف، وضبط تجاوزات رصدتها الرباط في التقرير السنوي للأمين العام حول قضية الصحراء، والتنبيه إلى زلات محتملة يمكن أن تكون كارثية على مسار القضية فتقوض جهود الأمم المتحدة الهادفة إلى إيجاد حل سياسي مقبول من أطراف النزاع. وقال بيان صدر عن الديوان الملكي المغربي يوم 12 أبريل 2014 إن ملك المغرب أثار انتباه بان كي مون إلى ضرورة الاحتفاظ بمعايير التفاوض كما جرى تحديدها من طرف مجلس الأمن، والحفاظ على الإطارات والآليات الحالية لانخراط منظمة الأمم المتحدة، وتجنب المقاربات المنحازة والخيارات المحفوفة بالمخاطر.
ولعل ما أثار حفيظة المغرب إزاء مشروع تقرير أبريل 2014 أنه عد نزاع الصحراء «قضية تصفية استعمار» من منظور مجلس الأمن، بينما ترى الرباط أن مهمة مجلس الأمن ليست تصفية الاستعمار بل تصفية النزاعات الإقليمية التي تؤثر على الأمن والسلم العالميين، وأعطت مثالا على ذلك قضيتي تصفية الاستعمار في جزر الفولكلاندز وجبل طارق غير المطروحتين على مجلس الأمن. كذلك انتقدت الرباط تقرير الأمين العام لقوله: إنه إذا لم يحصل تقدم لجهة إيجاد حل لنزاع الصحراء في غضون عام 2015، فإن المجلس سيكون مطالبا بإيجاد تصوّر آخر بشأن ذلك. وقال مصدر مغربي مسؤول آنذاك لـ«الشرق الأوسط» إن هذا المعطى المتضمن في التقرير يطرح عدة تساؤلات من بينها أن الأمين العام ومبعوثه الشخصي كريستوفر روس تحدثا عن «مقاربة جديدة للتعاطي مع الملف» من ضمنها الزيارات المكوكية التي أعلن عنها روس، بيد أنهما لم يعبدا الطريق لهذه المقاربة حتى تطبق على أرض الواقع، بل حكم عليها بالوأد قبل ولادتها.
ويومها طرحت الرباط سؤالاً هو «ما طبيعة التقدم المنتظر بشأن ملف نزاع الصحراء في عام 2015، وذلك في سياق الظروف التي كانت وما زالت تعيشها الجزائر؟»، في تلميح لمرض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والانتخابات الرئاسية التي كانت آنذاك على الأبواب. وعدت أجل 2015 بأنه مقاربة غير ذات موضوع وغير واقعية نظرًا لكونها لا تأخذ الواقع الحالي للمنطقة بعين الاعتبار. وتوقف المراقبون آنذاك عند نقطة أساسية تتعلق بأسس التفاوض، قالوا: إنها ليست بيد الأمين العام بل بيد مجلس الأمن نظرًا لكونه هو من قرر في 2007 إطلاق المسلسل السياسي التفاوضي الحالي. وأشاروا إلى أن لدى المغرب حرصًا شديدًا على المحافظة على هذا المسلسل الهادف إلى تحقيق تسوية سلمية للنزاع، وأن الرباط إذا لاحظت وجود بعض «الانزلاقات والمخاطر التي تهدد هذا المسلسل» ستثير الانتباه لذلك. وبعدها ساد اعتقاد في العاصمة المغربية أن الأمانة العامة للأمم المتحدة لا يمكن لها أن تتعامل باستخفاف مع هذا المسلسل وتمضي من خلال ذلك إلى المجهول، ولكن بمرور الأيام ثبت أنها مضت في ذلك بلا تردد.
* مطلوب تعامل مسؤول
رأى المغرب آنذاك أن الظرف الأمني والتهديدات التي تعرفها المنطقة تتطلب تعاملاً مسؤولاً ورصينا مع هذه الأمور. كما تتطلب مشاورات وتفكيرًا قبل الإقدام على أي خطوة قد تزيد في إضعاف السياق الإقليمي الذي يعاني أصلا من الضعف. وقال مصدر مسؤول مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن الاتصال الهاتفي الذي أجراه الملك محمد السادس يوم السبت 12 أبريل 2014 مع بان جاء من منطلق المسؤولية نظرًا لأنه «إذا كان هناك طرف استثمر في المسلسل السياسي التفاوضي لحل نزاع الصحراء فهو المغرب». وشدد على أنه «ليس صدفة أن انطلاق المسلسل تصادف مع إطلاق الرباط مبادرة الحكم الذاتي الموسع في الصحراء، وبالتالي فإن المغرب إذا لاحظ بعض الانزلاقات والمخاطر التي تهدد المسلسل السياسي، سيثير الانتباه إلى ذلك». وهو ما جرى أيضا في المكالمة الهاتفية بين الملك محمد السادس وبان يوم 12 أغسطس (آب) 2012. إلى جانب رسائل كتابية. وخلص المصدر المسؤول إلى أن «ثمة انزلاقات تضمنها تقرير الأمين العام كان ضروريًا إثارة الانتباه إليها وتوضيحها»، وأن الملك محمد السادس تحدث في اتصاله الهاتفي مع بان بكل صراحة، ولمح إلى إمكانيات إنهاء مهام بعثة الأمم المتحدة «مينورسو» فوق التراب المغربي ما لم تصحح تلك الانزلاقات: «نظرا لأن (مينورسو) استنفدت المهام التي قامت من أجلها أي الإشراف على وقف إطلاق النار، والإشراف على عملية تحديد هوية من يحق لهم المشاركة في الاستفتاء بالصحراء، وهي عملية وصلت إلى طريق مسدود، وباءت بالفشل منذ زمن مضى».
واستطاع المغرب أن يتجاوز أيضا «فزاعة أبريل» 2014. ذلك أن قرار مجلس الأمن راعى التحفظات التي أبداها الملك محمد السادس خلال مكالمته الهاتفية مع بان كي مون. ومرت الأيام، وفي يوم 22 يناير (كانون الثاني) 2015. أبلغ بان العاهل المغربي في اتصال هاتفي أن «مينورسو» ستواصل عملها في احترام تام لمهمتها الحالية. وقال بان، وفق بيان للديوان الملكي المغربي آنذاك: «إنه أخذ، كما ينبغي، تعاليق وملاحظات المغرب (بشأن مهمة مينورسو)، وأعطى ضمانات بخصوص حيادية وموضوعية نزاهة مسؤولي الأمم المتحدة المكلفين تسيير المهمة الأممية». وذكر البيان أنه على أساس التوضيحات المعبر عنها والضمانات المقدمة، أكد الملك محمد السادس للأمين العام التزام الرباط بدعم عملية التسهيل التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام (الأميركي كريستوفر روس)، وتعاونهما مع المسؤولين المعينين لهذا الغرض من طرف الأمين العام. وإثر ذلك، استأنف روس مهامه بزيارة المنطقة ابتداء من 11 فبراير (شباط) 2015، بعدما كان المغرب قد سحب ثقته منه في 17 مايو (أيار) 2012، عقب استنتاج الحكومة المغربية مفارقات في تصرفاته «تتمثل في تراجعه عن المحددات التفاوضية التي سطرتها قرارات مجلس الأمن، وسلوكه أسلوبًا غير متوازن ومنحازا في حالات كثيرة».
وكان وزير الخارجية المغربي آنذاك سعد الدين العثماني قد أبلغ باريس وواشنطن انزعاج بلاده من روس، وعبر للأمين العام عن «هواجس الرباط»، بخصوص تحدث آخر تقرير لروس عن «خروقات اقترفها المغرب في حق بعثة تنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية». إذ ورد في تقرير صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء في 17 أبريل 2012، قدّم إلى مجلس الأمن، أن اتصالات بعثة الأمم المتحدة مع مقر الأمم المتحدة في الصحراء الغربية قد «اخترقت»، وأضاف أن «عوامل كثيرة قوضت قدرة البعثة على مراقبة الوضع ونقل تقارير ثابتة عنه». وكان روس اتهم المغرب بوضع العراقيل في طريق المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين «البوليساريو» والمغرب عام 1991 و«التجسس» على بعثة الأمم المتحدة.
وهكذا، مرّت فزاعة أبريل 2015، ولكن لترتفع حدتها في أبريل 2016 بسبب زيارة بان كي مون للمنطقة وأدائه دوره كما اتفق. واليوم، ثمة قناعة في الرباط أن قرار بان زيارة المنطقة في الوقت الذي حدّده لها، مستثنيا المغرب، ليس اعتباطيًا. كما أن الكلمات التي اختارها في تصريحاته هي كلمات من الماضي تجاوزتها قضية الصحراء.
وجاء مشروع القرار الأخير الذي اقترحته واشنطن على مجلس الأمن، مطالبة فيه بعودة أنشطة بعثة «مينورسو» بشكل كامل بعدما تعطلت نتيجة طرد المغرب موظفيها المدنيين، وإمهال الرباط والمنظمة الدولية أربعة أشهر للاتفاق على هذا الأمر، ليؤكد أن «فزاعة أبريل» المستعملة ضد المغرب «فزاعة أميركية» 100 في المائة، وأن تحركات بان - كما ترى الرباط - تدخل ضمن دور الكومبارس الذي يقوم به خدمة لأجندة واشنطن، التي قال العاهل المغربي في قمة الرياض إنها تروم «استهداف أمننا الجماعي.. والمسّ بما تبقى من بلداننا التي استطاعت الحفاظ على استقرارها وأنظمتها، وأقصد هنا دول الخليج والمغرب والأردن التي تشكل واحة أمن وسلام لمواطنيها، وعنصر استقرار في محيطها». وهذا قبل أن يضيف «إننا نواجه الأخطار والتهديدات نفسها على اختلاف مصادرها، فالدفاع عن أمننا ليس فقط واجبا مشتركا بل هو واحد لا يتجزأ».
يذكر أنه سبق للملك محمد السادس أن وجه انتقادات حادة للأمم المتحدة والدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، في خطاب ألقاه يوم 6 نوفمبر 2014، بمناسبة الذكرى الـ39 لـ«المسيرة الخضراء السلمية» التي استرجع المغرب بواسطتها الصحراء التي كانت تحتلها إسبانيا، وطالبها بموقف واضح من نزاع الصحراء. وقال: «في الوقت الذي يؤكدون أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب، فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض مع قضية وحدته الترابية». وأكد أن مبادرة الحكم الذاتي هي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده في هذا الشأن، في إشارة إلى محاولات خلفها عدة أطراف تسعى لإقصاء الحل السياسي المقترح من قبل المغرب، وهو ما تأكد اليوم مع ظهور المقترح الأميركي الجديد.
هل سيظهر غدًا في واشنطن من سيقول: إن المقترح الأميركي أيضا «خطوة منعزلة» لسامانتا باور، المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة، ولا تدخل ضمن الاستراتيجية الرسمية الأميركية، كحال خطوة سوزان رايس التي قدمت عام 2013 مشروع قرار يهدف إلى توسيع مهام «مينورسو» لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء.
المشروع الأميركي الأخير أدى إلى انقسام في مجلس الأمن إذ أعربت فرنسا وإسبانيا عن رفضهما القاطع له. واعتبرت باريس أن المبادرة الأميركية قد تؤجج – في حال تبنيها – الصراع في منطقتي الساحل والصحراء. وعليه، عملت باريس ومدريد وداكار (سلطات السنغال) على تعديل مشروع القرار الأميركي وتخفيف حدته، احترامًا للمغرب، لا سيما أن الرباط أعلنت أن قرارها القاضي بطرد العناصر المدنية في بعثة «ينورسو» قرار سيادي لا رجعة فيه.
ولكن كيفما كان قرار مجلس الأمن (كان منتظرًا أن يصدر مساء أمس الجمعة)، يرى مراقبون في الرباط أنه آن الأوان لوضع حد لهذه «الفزاعة الأميركية» التي غدت «مسرحية مملة» لكثرة تكرارها. وهم يرون أن هدفها الرئيسي خلق مزيد من «الفوضى الخلاّقة» التي بشرت بها قبل سنوات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، وزعزعة استقرار منطقة شمال أفريقيا، التي تعرف تدهورًا أمنيًا وتوترات متنوعة.



هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
TT

هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)

لم تعُد المواجهة الأميركية - الإيرانية الجديدة تُقاس بعدد الضربات أو بحجم الحشود البحرية عند مضيق هرمز فحسب. فالحصار الذي أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرضه على الموانئ الإيرانية فتح سلسلة أوسع من الاختبارات السياسية والأمنية، تمتد من سوق النفط والشارع الانتخابي الأميركي، إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وصولاً إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبغداد خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. في هذه الساحات المتداخلة، لا يدور الصراع حول القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً حول الوقت والكلفة والقدرة على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي. وهنا تسعى واشنطن إلى نتائج ملموسة قبل أن ينتقل ثمن التصعيد إلى الناخب الأميركي، بينما تراهن طهران على إبقاء هرمز في منطقة الخطر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط محاولات حكومتي لبنان والعراق استثمار لحظة انكفاء النفوذ الإيراني لانتزاع مساحة أوسع من القرار السيادي.

أعادت الولايات المتحدة هذا الأسبوع فرض الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية، بالتزامن مع توسيع الضربات ضد مواقع الرادارات والدفاعات الساحلية ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستخدمها إيران لتهديد الملاحة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن أكثر من عشرين سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية تعمل في المنطقة، بينما أعلن ترمب أن «المضيق مفتوح أمام السفن غير الإيرانية». غير أن التجربة الميدانية تشير إلى أن إصابة ناقلة واحدة، أو حتى ارتفاع كلفة التأمين، يكفيان لإبطاء الحركة التجارية من دون حاجة إلى إغلاق كامل للممر البحري.

المعضلة الأميركية أن حماية السفن وفرض الحصار مهمتان تتزاحمان على الموارد نفسها. فالمدمّرات المزودة بصواريخ موجهة تستطيع مرافقة الناقلات واعتراض الصواريخ الإيرانية، لكنها مطلوبة أيضاً في خليج عُمان لمنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها. وخلال الشهرين الماضيين، قالت القوات الأميركية إنها ساعدت أكثر من 800 سفينة على عبور المضيق، لكن الهجمات الإيرانية الأخيرة أظهرت أن الصواريخ الساحلية التي تطلق من مسافات قريبة قد تصل قبل اعتراضها. وهذا يجعل السيطرة الأميركية مكلفة وغير مكتملة، ويمنح طهران قدرة تعطيل تفوق وزنها البحري التقليدي.

الإمساك بمفاتيح هرمز

في المقابل، لا تحتاج إيران إلى إغراق عشرات الناقلات كي تثبت أنها ما زالت تمسك بجزء من «مفاتيح» هرمز، بل يكفي أن تُبقي شركات الشحن والتأمين في حالة خوف، وأن تجعل الطريق الجنوبي بمحاذاة عُمان غير مضمون تماماً. ولقد اتهمت واشنطن «الحرس الثوري» بمهاجمة سبع سفن تجارية خلال أسبوع، بينما هددت طهران بوقف صادرات الطاقة في المنطقة إذا مُنعت تجارتها من المرور. وبذا تحاول إيران تحويل الحصار الموجّه ضد اقتصادها إلى أزمة جماعية تصيب منتجي المنطقة والمستهلكين في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مقابلة. ووفق موقع «أكسيوس» ووكالة «رويترز»، يدرس ترمب توسيع «بنك» الأهداف ليشمل محطات الكهرباء والجسور ومواقع استراتيجية أعمق إذا رفضت إيران العودة إلى التفاوض. ولقد بدأت الضربات بالفعل تتجاوز الشريط الساحلي، فيما يستمر استهداف منشآت مدنية مزدوجة الاستخدام، أو مواقع محصّنة في العمق كـ«جبل الفأس»، انتقالاً إلى مستوى مختلف من الحرب، ما قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية على قواعد أميركية أو منشآت طاقة في دول المنطقة وإسرائيل. ولذا يحاول الطرفان البقاء تحت سقف يصعب ضبطه: قتال مؤلم بما يكفي للضغط، لكنّه ليس واسعاً إلى درجة إسقاط كل فرص التسوية.

النفط وصناديق الاقتراع

الساعة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى ترمب ليست عسكرية فقط، بل انتخابية. فانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل تضع حداً زمنياً واضحاً أمام البيت الأبيض. وارتفع سعر خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل بعد انهيار التهدئة، فيما بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.84 دولار للغالون. وهنا يرى محللون أن السعر قد يتجاوز 4 دولارات خلال أيام إذا استمرت اضطرابات هرمز، وهو مستوى يسهل أن يتحوّل إلى قضية انتخابية يومية.

هذه الأرقام تفسّر جانباً من مقامرة طهران؛ فالقيادة الإيرانية تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات، لكنها تراهن على أن الألم السياسي في الولايات المتحدة قد يتصاعد أسرع من الانهيار الاقتصادي داخل إيران. ووفق تحليل لصحيفة «وول ستريت جورنال»، يعتقد كل طرف أن بإمكانه إبقاء المواجهة منخفضة الوتيرة حتى يرضخ الآخر: ترمب يريد فتح المضيق وانتزاع تنازلات نووية قبل الانتخابات، وطهران تريد الصمود حتى يتحوّل ارتفاع الوقود والتضخم إلى عبء يومي على الجمهوريين.

غير أن الرهان الإيراني ليس مضموناً؛ إذ أظهرت الأشهر الأولى من الحرب أن واشنطن قادرة، ولو جزئياً، على فتح مسارات ملاحية وتأمين عبور مئات السفن. كما أن الحصار المتجدّد يهدد بتجفيف إيرادات النفط التي تحتاج إليها طهران لإعادة بناء الصواريخ والدفاعات الجوية. وفي الوقت نفسه، قد يختار ترمب التصعيد بدلاً من التراجع إذا شعر بأن استمرار الاشتباك حتى نوفمبر سيبدو هزيمة سياسية له. وهنا تتحول الانتخابات من قيد على الرئيس إلى حافز لطلب «نصر واضح»، ما يجعل الأسابيع المقبلة أكثر خطورة.

ومع أن البيت الأبيض يراهن على «احتواء» الصدمة النفطية عبر زيادة الصادرات من خارج إيران، وتوسيع استخدام المسارات البديلة، وإشراك الحلفاء في حماية الملاحة، فإنه في المقابل لا يملك أي ضمانة بأن السوق ستنتظر.

إذ أظهرت بيانات تتبّع السفن أن معظم العابرين قبيل بدء الحصار الجديد كانوا مرتبطين بالتجارة الإيرانية، بينما غابت تقريباً ناقلات التحميل من منتجي المنطقة الآخرين. وبالتالي، إذا طال الاضطراب، فلن يبقى أثره في محطات الوقود وحدها، بل سيمتد إلى النقل والسلع والتضخّم وأسعار الفائدة، في حين كان ترمب يأمل باستخدام تراجع الأسعار دليلاً على نجاحه الاقتصادي. ومع ذلك، يستطيع ترمب إصدار أوامر تنفيذية تسمح لإدارته بتقديم مساعدات مالية للعائلات الأميركية للتعويض عن ارتفاع الأسعار، كما جرى خلال جائحة «كوفيد - 19».

حسابات جبهة لبنان

بالتوازي مع التصعيد في الخليج، استضافت روما جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بوساطة أميركية لتنفيذ «الاتفاق الإطاري» الذي جرى التوصل إليه في واشنطن يوم 26 يونيو (حزيران). وتتركّز المباحثات على منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان: بتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، ونشر الجيش اللبناني، ثم بدء انسحاب إسرائيلي تدريجي. ووصف مسؤول أميركي المباحثات بأنها إيجابية، لكنه أقرّ ضمنياً بأن التقدّم سيكون بطيئاً؛ إذ تتمسّك بيروت ببدء الانسحاب الإسرائيلي كي تتمكن الدولة من إثبات جدوى المسار، بينما تعلن إسرائيل أنها لن تنسحب ما دام «حزب الله» يحتفظ بسلاحه.

هذا الخلاف ليس إجرائياً فقط، بل يتعلّق بمَن سيبدأ الخطوة التي لا يمكن التراجع عنها. لبنان يخشى أن ينفذ التزاماته الأمنية ثم يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي قائماً، فتظهر الدولة عاجزة أمام جمهورها، ويستعيد «حزب الله» مبرّر السلاح. أما إسرائيل فتخشى أن تنسحب أولاً ثم يعيد الحزب بناء مواقعه جنوبي الليطاني أو يتسلّل إلى المناطق التي يتسلمها الجيش. ولهذا تحاول واشنطن و«سنتكوم» بناء نموذج محدود يمكن التحقق منه ميدانياً قبل تعميمه، مع مراقبة انتشار الجيش وتفكيك المواقع وانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل متزامنة.

بالنسبة إلى إيران، سيكون نجاح هذا النموذج أخطر من خسارة موقع عسكري منفرد. فـ«حزب الله» كان طوال عقود أكثر أذرعها الإقليمية تنظيماً وقدرة على الردع، و«الجسر» الذي يربط النفوذ الإيراني بالساحة المتوسطية. وبالتالي، حصر سلاحه تدريجياً بيد الدولة اللبنانية لا يعني فقط إضعاف الجبهة الإسرائيلية الشمالية، بل إعادة تعريف موقع الحزب داخل لبنان، من قوة تقول إنها تحمي البلاد إلى طرف يُحمّله خصومه مسؤولية إطالة الاحتلال وتعطيل السيادة.

ولكن هذا التحول لا يحدث بقرار خارجي؛ فالحزب رفض الاتفاق ومسار نزع السلاح، ولا يزال يملك قاعدة اجتماعية وتنظيماً مسلحاً وقدرة على تعطيل التنفيذ أو رفع كلفته داخلياً. وأي محاولة أميركية أو إسرائيلية لتصويره «عدواً للبنان»، لا قوة سياسية وعسكرية لبنانية متجذّرة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد الاستقطاب الداخلي بدلاً من تعزيز سلطة الدولة.

أيضاً، لا يمكن فصل روما عن هرمز؛ فقد ربطت إيران في تفاهماتها السابقة مع واشنطن بين التهدئة وإنهاء الحرب في لبنان، وفي حين تراهن الإدارة الأميركية الآن على معادلة معاكسة: كلما ضاقت الخيارات على طهران في المضيق، ازدادت فرص انتزاع أوراق منها في لبنان؛ وكلّما تراجعت قدرة «حزب الله» على المبادرة، أصبحت إيران أكثر عزلة في أي تفاوض نووي أو إقليمي.

بغداد تبدّل معادلة النفوذ

الجبهة الثالثة ظهرت في واشنطن، حيث استقبل ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي في زيارة ركزت على انسحاب القوات الأميركية، والاستثمارات والطاقة، ومستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. وأعلن الجانبان أن القوات الأميركية المتبقية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، منهية مرحلة عسكرية بدأت قبل 23 سنة، مع نقل «مركز الثقل» في العلاقة من الوجود القتالي إلى التعاون الاقتصادي والأمني.

ترمب قدّم الزيارة بلغة «الصفقات»، قائلاً إن الولايات المتحدة ستعقد اتفاقات كثيرة مع العراق، وإن شركات أميركية ستشارك في استخراج النفط، بينما سعى الزيدي إلى تأكيد أن رحيل الجنود لا يعني رحيل المصالح الأميركية.

واشنطن أيضاً تبحث دعم إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، الذي ينقل النفط العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بوصفه ممرّاً بديلاً يقلّل الاعتماد على هرمز. وفي لحظة تستخدم فيها إيران المضيق «ورقة ضغط»، يصبح فتح طرق تصدير برّية جزءاً من استراتيجية أمنية، لا مشروعاً تجارياً فقط.

لكن الثمن السياسي لهذه الشراكة واضح: واشنطن تريد من بغداد ضبط الفصائل الموالية لإيران ونزع سلاحها أو دمجها فعلياً تحت سلطة الدولة. وبالفعل تعهّدت الحكومة العراقية بمعالجة ملف السلاح بحلول نهاية سبتمبر، وهو الموعد نفسه لخروج القوات الأميركية. والجمع بين الموعدين يمنح الزيدي حجّة داخلية مهمة؛ إذ يستطيع القول إن الدولة لا تنزع سلاح الفصائل لإبقاء الوجود العسكري الأميركي، بل بالتزامن مع إنهائه.

بيد أن هذا يضعه أيضاً أمام اختبار بالغ الصعوبة؛ لأن بعض هذه الفصائل جزء من مؤسّسات رسمية، ولديها تمثيل سياسي ونفوذ اقتصادي وشبكات محلية يصعب تفكيكها بقرار إداري. كذلك تستطيع القوى المرتبطة بطهران تصوير الضغوط الأميركية باعتبارها محاولة لإبدال النفوذ الإيراني بوصاية أميركية اقتصادية وأمنية، خصوصاً إذا بدت العقود النفطية منحازة إلى الشركات الأميركية أو غير شفّافة.

اقتصادياً، يحاول الزيدي توسيع هامش استقلال العراق بعدما ألحقت الحرب أضراراً بإنتاجه النفطي وماليته العامة. وطالب خلال زيارته بحصة «عادلة» داخل منظمة «أوبك». وقال إن حروب العراق والإرهاب ألحقت بالبلاد خسائر تتجاوز 400 مليار دولار، ومن هنا تأتي حاجته إلى استثمارات أميركية في النفط والغاز والكهرباء وإعادة الإعمار.

في المقابل، يرى محللون أنه إذا نجح الزيدي في تأمين طرق تصدير بديلة وشراكات لا تمر عبر إيران، وفي وضع الفصائل تحت سلطة الحكومة، فسيكون العراق قد بدأ خروجاً تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني المباشر. لكن هذا لا يعني انتقاله السريع إلى الفلك الأميركي، إذ ستبقى الروابط التجارية والدينية والسياسية والأمنية بين العراق وإيران أعمق من أن تلغيها زيارة أو اتفاق نفطي. والأرجح أن بغداد ستواصل محاولة الموازنة بين الجانبين، مع استخدام الشراكة الأميركية لزيادة قدرتها على التفاوض مع طهران.

«عض الأصابع»

وحقاً، تبدو ملفات هرمز وبيروت وبغداد منفصلة على الخرائط، لكنها تنتمي إلى مواجهة واحدة حول مستقبل النفوذ الإيراني وشروط القيادة الأميركية للمنطقة.

مع ذلك، يرى البعض أن حجارة «الدومينو» لا تسقط دائماً في الاتجاه الذي يريده اللاعب الأقوى. فكل ضغط إضافي على إيران قد يدفعها إلى استخدام ما تبقى لديها من أوراق بعنف أكبر؛ وكل تأخر إسرائيلي في الانسحاب من لبنان يمنح «حزب الله» ذريعة جديدة للاحتفاظ بسلاحه؛ وكل اندفاعة عراقية غير محسوبة نحو تفكيك الفصائل قد تفتح أزمة داخلية يصعب احتواؤها.

أما ترمب، الذي يريد خوض انتخابات نوفمبر بمظهر الرئيس القادر على فتح هرمز وخفض أسعار الوقود وإضعاف شبكة طهران، فقد يجد نفسه أمام «حرب استنزاف» تتآكل فيها المكاسب قبل أن تنضج نتائج الحصار.

لذلك، لن يُحسم سباق «عضّ الأصابع» بمَن يتحمل الضربات زمناً أطول فقط، بل بمَن يستطيع تحويل الصمود إلى نتيجة سياسية قابلة للصرف.

إيران قادرة على إيلام الاقتصاد العالمي عبر هرمز، لكنها في المقابل تخاطر بخسارة مواقع نفوذها الأكثر حساسية في لبنان والعراق. والولايات المتحدة تستطيع تشديد الحصار وتوسيع بنك الأهداف، لكنها قد تصل إلى الخريف من دون مضيق آمن أو اتفاق نووي أو أسعار وقود مقبولة انتخابياً. وبين هذين الرهانين، قد لا يكون المنتصر مَن يملك القوة الأكبر، بل مَن لا تنفد ساعته أولاً. طهران تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات... لكنها تراهن على ألم أميركا سياسياً


آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام
TT

آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام

يتأهب آندي بيرنهام لخلافة كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، الاثنين المقبل، بعد مسار سياسي بدا في أسابيعه الأخيرة خاطفاً، وإن كان في حقيقته ثمرة نحو ربع قرن أمضاها الرجل بين البرلمان والحكومة والمعارضة، قبل أن يعيد بناء حضوره السياسي بعيداً عن لندن ومنصب عمدة «مانشستر الكبرى»؛ إذ لم تمضِ سوى أسابيع على عودة بيرنهام (56 سنة) إلى مجلس العموم، حتى فُتحت أمامه أبواب «10 داونينغ ستريت». وبات في طريقه لتسلّم زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، الاثنين، بعدما حصد دعم 349 نائباً عمالياً، ما جعل من المتعذر على أي منافس بلوغ العتبة اللازمة لخوض السباق ضده.

تعهّد آندي بيرنهام، الرئيس العتيد للحكومة البريطانية، بتشكيل حكومة تمثل مختلف أجنحة الحزب، واضعاً تكاليف المعيشة والنمو الاقتصادي ونقل مزيد من الصلاحيات من لندن إلى المناطق في صدارة أولوياته. ووفقاً للـ«بي بي سي»، سيكون بيرنهام رئيس الوزراء التاسع والخمسين لبريطانيا، وأول سياسي يقدّم هويته الشمالية باعتبارها جزءاً مركزياً من مشروعه منذ هارولد ويلسون في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

بين ليفربول ومانشستر

وُلد آندرو موراي بيرنهام يوم 7 يناير (كانون الثاني) 1970 في أينتري، إحدى ضواحي ليفربول، لكنه نشأ في قرية كالتشيث الهادئة في مقاطعة تشيشير، الواقعة بين ليفربول ومانشستر، في منزل شديد الارتباط بحزب العمال.

والده كان مهندساً لدى شركة الاتصالات البريطانية «بي تي»، بينما عملت والدته موظفة استقبال في عيادة طبيب عام. وعُرف الوالدان مؤيدَين مخلصين لحزب العمال، ما جعل السياسة حاضرة في المنزل منذ طفولته. ويقول بيرنهام إن المسلسل التلفزيوني الذي بثته الـ«بي بي سي» بعنوان «بويز فروم ذا بلاكستاف»، وتناول البطالة والفقر في ليفربول، دفعه إلى الانضمام إلى حزب العمال وهو في الرابعة عشرة. كما كان للتوترات الاجتماعية التي شهدتها بريطانيا في عهد رئيسة الوزراء المحافظة مارغريت ثاتشر أثرٌ مبكر في تشكيل رؤيته السياسية.

الـ«بي بي سي» تصفه أيضاً بأنه كان طفلاً شديد التنافس ومولعاً بالرياضة؛ إذ لعب الكريكيت ضمن فريق مدارس لانكشاير، وظل حتى اليوم مشجّعاً مخلصاً لنادي إيفرتون لكرة القدم. وفي مدرسته الكاثوليكية المحلية، ترشّح ممثلاً لحزب العمال في انتخابات مدرسية تجريبية وفاز بفارق كبير.

من ناحية أخرى، كان بيرنهام وشقيقاه أول أفراد العائلة الذين التحقوا بالجامعة. ولقد درس الأدب الإنجليزي في جامعة كمبريدج العريقة، مع أنه كتب لاحقاً في كتابه «هيد نورث» أنه وجد صعوبة في الشعور بالانتماء إلى الوسط الجامعي، ولازمه إحساس بأنه «دخيل» على بيئة يغلب عليها أبناء الطبقات الأكثر ثراءً ونفوذاً. لكن فرقاً موسيقية مثل «ذا سميثس» و«ذا ستون روزز»، خلقت عنده شعوراً بالهوية والثقة داخل الجامعة، حيث تعرّف إلى زوجته المستقبلية ماري فرانس فان هيل، المولودة في هولندا.

من الصحافة المتخصصة إلى قلب وستمنستر

بعد تخرّجه في كمبريدج، انتقل بيرنهام إلى لندن وبدأ حياته المهنية في الصحافة المتخصصة، فعمل لفترة وجيزة في مجلات تجارية من بينها «تانك وورلد» و«باسنجر وورلد مانجمنت». وجاءت انطلاقته السياسية عندما عمل باحثاً لدى النائبة العمالية الراحلة تيسا جوويل، التي أصبحت لاحقاً من أبرز وزيرات حكومتي توني بلير وغوردون براون. ثم عمل مستشاراً لوزير الثقافة كريس سميث، ما وضعه في قلب مشروع «العمال الجديد» (نيو ليبر) الذي قاده بلير في تسعينات القرن الماضي.

ثم، عام 2001، انتُخب نائباً عن دائرة لي في منطقة «مانشستر الكبرى» (طوق ضواحي المدينة). وتدرج سريعاً داخل البرلمان، قبل أن يتولى مناصب وزارية صغرى في وزارة الداخلية ووزارة الصحة إبان عهد بلير.

ومع وصول غوردون براون إلى رئاسة الحكومة عام 2007، رُقّي بيرنهام إلى مجلس الوزراء، فعُيّن كبير أمناء الخزانة، ثم وزيراً للثقافة والإعلام والرياضة، وأخيراً وزيراً للصحة بين عامي 2009 و2010. وبرلمانياً، ظل نائباً عن دائرة لي من عام 2001 إلى عام 2017، قبل عودته أخيراً إلى مجلس العموم نائباً عن ميكرفيلد في يونيو (حزيران) الماضي.

هيلزبورو... «نقطة التحوّل»

يربط بيرنهام تحوّله السياسي الأعمق بحادثة وقعت في أبريل (نيسان) 2009، عندما حضر بصفته وزيراً للثقافة مراسم الذكرى العشرين لكارثة ملعب هيلزبورو في مدينة شفيلد، التي أودت بحياة 97 من مشجّعي نادي ليفربول عام 1989؛ إذ قوبلت كلمته في ملعب «آنفيلد» (معقل نادي ليفربول) بصيحات غاضبة من عائلات الضحايا والمشجعين المطالبين بتحقيق العدالة وكشف مسؤولية الشرطة والمؤسسات الرسمية عن الكارثة، بعدما تبنّت السلطات لسنوات رواية تلقي باللوم على الجماهير.

وبالفعل، ظل ملف هيلزبورو ملازماً لمسيرته. وبعد عودته إلى البرلمان هذا الصيف، شارك في الدفع نحو إقرار قانون يفرض واجباً قانونياً على المسؤولين والمؤسسات العامة بالإفصاح الصادق والتعاون مع التحقيقات، بهدف منع تكرار عمليات التستر الرسمية.

هزيمتان قبل انتزاع زعامة الحزب

بعد خسارة حزب العمال الانتخابات العامة عام 2010 واستقالة غوردون براون، خاض بيرنهام أول محاولة لقيادة الحزب، دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»، وهي صيغة حاول من خلالها الجمع بين إعادة توزيع الثروة وتشجيع الطموح الفردي. لكنه حلّ رابعاً بين خمسة مرشحين، وفاز إد ميليباند يومذاك بالزعامة. وأمضى بيرنهام السنوات التالية في «حكومة الظل»، خصوصاً في ملف الصحة، وعمل على تعزيز العلاقة بين أعضاء الحزب والنقابات.

وعام 2015، جرّب حظّه مجدداً، وهذه المرة قدّم نفسه مرشحاً وسطياً وصديقاً لقطاع الأعمال. بل أطلق حملته من مقر شركة «إرنست آند يونغ»، معتبراً إن رجال الأعمال ينبغي أن يُعاملوا باعتبارهم من أبطال المجتمع، إلى جانب العاملين في التمريض. بيد أن حملته لم تصمد أمام موجة التأييد الواسع للقيادي اليساري جيريمي كوربن، وبالتالي، حلّ ثانياً بفارق كبير. ولكن، بعكس عدد كبير من شخصيات الجناحين الوسطي واليميني، قبل بيرنهام العمل تحت قيادة كوربن وتولّى منصب «وزير داخلية الظل». ورفض المشاركة في موجة الاستقالات التي استهدفت إسقاط كوربن عام 2016، بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» (البريكست).

عمدة «مانشستر الكبرى»

عام 2017، ترك آندي بيرنهام مقعده البرلماني ليترشّح لمنصب أول عمدة منتخب لـ«مانشستر الكبرى» - إحدى التجمّعات الحضرية الثلاثة الأكبر في إنجلترا، مع «لندن الكبرى» والـ«ويست ميدلاندز» (قلبها مدينة برمنغهام)، عندما كانت تجربة قادة الحكم المحلي الإقليميين لا تزال جديدة وغير مضمونة النتائج. ويومذاك، فاز بيرنهام بأكثر من 60 في المائة من الأصوات، ثم أعيد انتخابه بهوامش أكبر. وساعد نجاحه في الانتخابات المحلية على ترسيخ سمعته بوصفه أحد أكثر السياسيين العماليين «قدرة على الفوز».

ومع أن المنصب لم يكن يتمتع بالصلاحيات التنفيذية الواسعة المتاحة لرئيس الحكومة أو حتى لرئيس بلدية لندن، فإن بيرنهام استثمر سلطته السياسية والشعبية لتحويله إلى مركز قوة، طارحاً نفسه مدافعاً عن المدن والمناطق التي يرى أن الحكومات المتعاقبة أهملتها. وكان أبرز إنجازاته إعادة الحافلات إلى الإدارة العامة، لتصبح «مانشستر الكبرى» أول منطقة في إنجلترا - خارج لندن - تستعيد التحكم في خدمات الحافلات بعد عقود من الخصخصة؛ إذ جُمعت خدمات الحافلات والترام ووسائل النقل الأخرى تحت هوية موحّدة باسم «بي نتوورك».

«ملك الشمال»

بلغت صورة بيرنهام الإقليمية ذروتها إبان جائحة «كوفيد - 19»، عندما دخل في مواجهة علنية مع حكومة بوريس جونسون المحافظة بشأن القيود المفروضة على «مانشستر الكبرى»، وحجم الدعم المالي المقدّم للشركات والعاملين. واتّهم بيرنهام تلك الحكومة آنذاك بمعاملة شمال إنجلترا بـ«ازدراء»، ورفض قبول قيود صحية إضافية من دون تمويل كافٍ لحماية المتضررين. وظهر في مؤتمر صحافي متحدياً سياسات لندن، في مشهد أكسبه لقب «ملك الشمال»، المستوحى من مسلسل «صراع العروش».

ومنذ ذلك الوقت، بنى بيرنهام هويته على ثنائية واضحة: السياسي الذي يعرف وستمنستر من الداخل، لكنه يدّعي أنه تحرّر من ثقافتها؛ والرجل الذي شغل أعلى المناصب الوزارية، لكنه يقدّم نفسه بوصفه ممثلاً للأماكن التي لا يكترث لها المركز.

من «البليرية» إلى اليسار

يصعب وضع آندي بيرنهام داخل خانة آيديولوجية محدّدة؛ إذ بدأ حياته السياسية داخل منظومة «العمال الجديد»، وعمل مع شخصيات بارزة مقرّبة من توني بلير، وتولى منصباً وزارياً في حكومته. وفي تلك المرحلة، كان يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الوسط أو يمين الوسط داخل الحزب.

وبعدها ارتبط صعوده الوزاري بغوردون براون، الذي أدخله مجلس الوزراء ومنحه ثلاثة مناصب كبرى. وجمعت حملته عام 2010 بين إرث براون القائم على العدالة الاجتماعية، ولغة الطموح الفردي التي اشتهر بها بلير.

ثم عام 2015، عاد إلى طرح وسطي مؤيد للأعمال، قبل أن يقبل العمل تحت قيادة كوربن بعد هزيمته. وهو ما دفع منتقديه إلى وصفه بأنه «متقلّب» تتأرجح مواقفه مع اتجاه الرياح السياسية. لكن سنوات مانشستر منحته قاعدة سياسية أكثر اتساقاً. فقد تبنى الرقابة العامة على النقل، ودافع عن تأميم شركات المياه المتعثرة، وأيّد زيادة السيطرة العامة على الطاقة والمرافق الأساسية.

وبالتالي، يُصنّف بيرنهام اليوم غالباً ضمن «اليسار الناعم» للحزب: أكثر تدخلاً في الاقتصاد من ستارمر، وأقل راديكالية من يسار كوربن، مع نزعة محلية تركز على الخدمات والملكية العامة الجزئية أكثر مما تركز على الصراع الآيديولوجي.

تعميم «المانشسترية»

يقول بيرنهام إن أجندته في رئاسة الحكومة ستقوم على نقل ما يسميه «المانشسترية» إلى البلاد بأكملها؛ أي الجمع بين الاستثمار العام والخاص، ومنح السلطات المحلية صلاحيات أكبر، ووضع الاحتياجات الإقليمية قبل حسابات المركز والحزب.

ولقد تعهد بإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن التابعة للمجالس المحلية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإصلاح ضرائب الأعمال لإنعاش التجارة، ووضع التعليم التقني والأكاديمي على قدم المساواة، وتوسيع السيطرة العامة على المياه والطاقة والنقل والإسكان لتقليل تكاليف المعيشة. وتضم أولوياته أيضاً خفض فواتير الطاقة وأسعار القطارات، وتوفير وظائف وتدريب مهني أفضل للشباب، وإعادة بناء قطاعات صناعية في مجالات الدفاع والطاقة والغذاء والزراعة، إلى جانب استخدام الإنفاق العام لتحفيز استثمارات خاصة طويلة الأجل.

الاختبار الأكبر

لم يُقدّم بيرنهام بعدُ تفاصيل كاملة عن كيفية تمويل برنامجه، خصوصاً أنه وعد بتوسيع الاستثمار العام مع الحفاظ على الانضباط المالي وعدم رفع الضرائب الأساسية على العاملين. وبالتالي، سيجد نفسه أمام ملفات لم تختبرها تجربته المحلية، من الإنفاق الدفاعي والهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، إلى التعامل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحرب أوكرانيا والتوترات الشرق الأوسط. بعد خسارة العمال انتخابات عام 2010 ترشح بيرنهام لأول مرة لقيادة الحزب دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»


«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)
TT

«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)

بينما يعدّ آندي بيرنهام لأن يصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عشر سنوات، تثير وتيرة تعاقب رؤساء الوزراء غير المسبوقة في بريطانيا تساؤلات واسعة، لا سيما مع تحول «10 داونينغ ستريت» إلى «باب دوّار» في مرحلة ما بعد مغادرة «الاتحاد الأوروبي» (البريكست). وفي ما يلي نظرة على رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على بريطانيا منذ استفتاء عام 2016.

ديفيد كاميرون: 0102 - 6102

أعلن ديفيد كاميرون استقالته في يونيو (حزيران) 2016، بعد يوم واحد من تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج من «الاتحاد الأوروبي» في استفتاء مفصلي كان قد قاد حملة قوية ضد نتيجته. وكان كاميرون، الذي فاز بغالبية برلمانية في انتخابات عام 2015، قد دعا إلى إجراء الاستفتاء في محاولة لإنهاء الانقسامات المزمنة داخل حزب المحافظين بشأن علاقة بريطانيا بـ«الاتحاد». وانتهت ولايته بعد 6 سنوات و64 يوماً في رئاسة الحكومة.

كاميرون (آ ف ب)

تيريزا ماي: 6102 - 9102

خلفت تيريزا ماي، كاميرون، وتولّت مهمة التفاوض على صيغة خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي». وواجهت خطة ماي، التي حصلت على استحسان بروكسل، تمرّداً من بعض النواب المحافظين الذين رأوا أن مقترحها يُبقي بريطانيا داخل المجال الاقتصادي الأوروبي. وفي مايو (أيار) 2019، قدمت ماي استقالتها، واستمرت ولايتها 3 سنوات و12 يوماً.

بوريس جونسون: 9102 - 2202

وصل بوريس جونسون، رئيس بلدية لندن السابق وأحد أبرز منتقدي ماي، إلى رئاسة الحكومة متعهّداً بإنجاز خروج حاسم من «الاتحاد الأوروبي». ونجح في التوصل إلى اتفاق «البريكست»، والإشراف على خروج بريطانيا رسمياً من «الاتحاد»، قبل أن يقود البلاد إبان جائحة «كوفيد - 19». لكن سلسلة من الفضائح الأخلاقية والسياسية أطاحت به، في مقدمتها إقامة حفلات في «داونينغ ستريت» ومقار حكومية أخرى خلال فترات الإغلاق التي فرضتها حكومته على المواطنين لمكافحة الجائحة. واستمرت ولايته 3 سنوات و45 يوماً.

ليز تراس: 2202

خلفت ليز تراس، جونسون، لكنها أصبحت صاحبة أقصر ولاية في التاريخ البريطاني، واستقالت بعد 6 أسابيع فقط من تسلمها السلطة. وتراس قدّمت نفسها باعتبارها من أنصار تقليص دور الدولة في الاقتصاد والتخفيضات الضريبية، متعهدةً بإحداث تحوّل جذري في الاقتصاد البريطاني. لكن خطتها الاقتصادية تسببت في اضطرابات حادة في الأسواق، ودفعت الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، وأزمة حادّة في قطاع العقار. وهكذا استقالت بعد 50 يوماً فقط من دخولها «داونينغ ستريت».

ريشي سوناك: 2202 - 4202

حصل ريشي سوناك على دعم نواب حزب المحافظين لخلافة تراس، ودخل التاريخ باعتباره أول رئيس وزراء بريطاني من أصول هندية، فضلاً عن كونه أصغر من تولى المنصب منذ نحو 200 سنة. واعتبر المحافظون سوناك أكثر كفاءة واستقراراً من تراس، لكن سنوات الاضطراب والانقسامات داخل الحزب كانت قد ألحقت أضراراً عميقة بشعبيته لدى الناخبين، وفق الـ«نيويورك تايمز». أيضاً لم ينجح سوناك في تحسين موقع الحزب في استطلاعات الرأي، ودعا بعد نحو عام ونصف العام في الحكم إلى انتخابات عامة أُجريت في يوليو (تموز) 2024. ومُني المحافظون فيها بأكبر هزيمة انتخابية عبر تاريخ حزبهم الممتد لنحو قرنين. واستمرت ولاية سوناك سنة و255 يوماً.

ستارمر (آ ف ب)

كير ستارمر: 4202 - 6202

وصل كير ستارمر إلى السلطة عقب فوز ساحق لحزب العمال في انتخابات عام 2024، متعهداً بإعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة المنهكة، واستعادة ثقة البريطانيين بالسياسة. لكن فوز العمال لم يؤدِ إلى مرحلة الاستقرار التي وعد بها. إذ واجهت حكومته انقسامات داخلية متزايدة، وتراجعت شعبية العمال بصورة حادة بعد أقل من سنتين على فوزه الانتخابي الكبير، فقرر الاستقالة بعد تصاعد الضغط عليه عقب الخسائر التي تكبّدها الحزب في الانتخابات المحلية خلال مايو (أيار) 2026.