إيران تلوح بـ«العدل الدولية» بعد قرار «الدستورية الأميركية» بحجز أموالها بسبب الإرهاب

انتقادات من الحكومة الإيرانية ضد أحمدي نجاد لاستثماره في الأسواق الأميركية

صورة أرشيفية لرئيس البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف وهو يتحدث إلى رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لرئيس البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف وهو يتحدث إلى رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي (أ.ف.ب)
TT

إيران تلوح بـ«العدل الدولية» بعد قرار «الدستورية الأميركية» بحجز أموالها بسبب الإرهاب

صورة أرشيفية لرئيس البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف وهو يتحدث إلى رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لرئيس البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف وهو يتحدث إلى رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي (أ.ف.ب)

لم يتوقف الجدل في إيران منذ إعلان المحكمة الأميركية العليا الأربعاء الماضي، إلزام طهران دفع 2.65 مليار دولار؛ بسبب دعمها للإرهاب، وتحولت الحكم إلى منصة جديدة لتبادل الاتهامات بين المسؤولين الإيرانيين حول السبب الرئيسي وراء مصادرة تلك الأموال، فيما استدعت، أمس، طهران حافظ المصالح الأميركية في طهران وسلمته مذكرتين احتجاجيتين ضد قرار المحكمة.
واحتجت إيران على مدى الأيام الماضية على لسان وزير خارجيتها محمد جواد ظريف والناطق باسم الخارجية، وهدد ظريف بمقاضاة واشنطن أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي في حال «الاستيلاء على» هذه الأموال لتعويض ضحايا هجمات، بينما عدت الحكومة الإيرانية تنفيذ الحكم وسحب الأموال من الأموال الإيرانية المجمدة سرقة لأموال الشعب الإيراني. وبينما انتقدت إيران المحكمة الأميركية بشدة، لكن الموضوع أثار جدلا في الداخل الإيراني بعد كشف استثمار مالي واسع قامت به الحكومة الإيرانية السابقة برئاسة محمود أحمدي نجاد بواسطة شرائها مستندات مالية والاستثمار في أميركا.
وتواجه إدارة الرئيس الإيراني حسن روحاني ضغوطا داخلية متزايدة من قبل خصومها في السلطة بعد إعلان تنفيذ الاتفاق النووي، وتضاعفت الانتقادات الداخلية الموجهة للاتفاق النووي في الشهر الأخير بعد انتقادات لاذعة وجهها المرشد الأعلى علي خامنئي وقائد الحرس الثوري. في غضون ذلك، عدت أطراف داخلية إصدار حكم المحكمة العليا دليلا على فشل الاتفاق النووي، متهمين الولايات المتحدة الأميركية بالتخلي عن وعودها في الاتفاق، وفي المقابل الحكومة الإيرانية وجهت أصابع الاتهام لمن استثمر تلك الأموال في «بلد متخاصم» مع إيران.
وكان رئيس البنك المركزي ولي الله سيف أول من كشف ملابسات الأموال الإيرانية المحتجزة بعدما اتهم الحكومة السابقة برئاسة أحمدي نجاد بـ«الإهمال» و«عدم الانتباه» في استثمارها في مجال الدولار. وبحسب سيف فإن حكومة أحمدي نجاد استثمرت في الأوراق المالية الأميركية قبل إقرار منع تعامل إيران بالدولار في 2008، وازداد الأمر سوءا بالنسبة إلى أحمدي نجاد عندما أعلنت الإدارة الأميركية حجز الودائع الإيرانية في 2012 بعد تطبيق عقوبات جديدة ضد طهران. تابع سيف قائلا: «للأسف الحكومة السابقة على الرغم من تحذيرات الخبراء والمسؤولين في البنك المركزي لتجنب الاستثمار في الأوراق المالية الأميركية، أقدمت على شراء تلك الأوراق وساهمت في ضياع حقوق الشعب الإيراني».
وأوضح سيف أن الحكومة الإيرانية استثمرت في الأوراق المالية في الفترة نفسها التي كان أحمدي نجاد يطلق تهديدات باتجاه الإدارة الأميركية بمقاطعة الدولار واختيار عملة أخرى، وهي الفترة نفسها التي كان يدعو فيها لإزالة إسرائيل. وبعد إقرار مجلس الأمن عقوبات ضد إيران عدها أحمدي نجاد «مسودة لا قيمة لها». إلى جانب انتقاده أداء الحكومة الإيرانية السابقة، انتقد رئيس البنك المركزي الحكومة الحالية ووزارة الخارجية؛ بسبب تأخيرها في إخراج الأموال المحتجزة. ولم تعلق حكومة روحاني على الانتقادات الموجهة إليها بهذا الخصوص. في هذه الأثناء، وجدت الأطراف المؤيدة للحكومة والاتفاق النووي، الورقة التي كشف عنها رئيس البنك المركزي فرصة مناسبة للضغط على الجانب الآخر في محاولة تخفيف الضغوط.
من جانبه، حمل ظريف مسؤولية مصادرة الأموال الإيرانية المحتجزة في أميركا لحكومة أحمدي نجاد منتقدا «الإهمال الحكومي» في اتخاذ قرار الاستثمار في الأسواق المالية الأميركية. وفق المسؤولين الإيرانيين الحكومة السابقة أخطأت باختيارها الأسواق الأميركية للاستثمار، متهمين الحكومة الأميركية إصدار قرارات غير قانونية من أجل التصرف بالأموال الإيرانية. على المنوال نفسه، انتقد المساعد الدولي والسياسي لوزير الخارجية الإيراني حميد بعيدي، نجاد وعد شراء الأوراق المالية من قبل حكومة أحمدي نجاد مغايرا للحكمة والتدبير.
في السياق ذاته، طالب المستشار الأعلى للرئيس الإيراني، أكبر تركان، أول من أمس، السلطة القضائية الإيرانية محاكمة المسؤولين السابق في إدارة أحمدي نجاد؛ بسبب شراء مستندات مالية والاستثمار في «بلد متخاصم». وردا على انتقادات تتعرض لها الحكومة الإيرانية من البرلمان والانتقادات الموجهة للاتفاق النووي تساءل تركان في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية «إيرنا» عن موقف البرلمان الإيراني عندما كانت حكومة أحمدي نجاد تستثمر في أميركا، عادا الاستثمار في أميركا التي وصفها بالمعادية مخالفا للدستور الإيراني، وفي إشارة إلى ذكر اسم شركة «بتروبارس» طالب السلطة القضائية الإيرانية بفتح تحقيق حول دور حكومة أحمدي نجاد في وثائق بنما.
ومن جانبه، دعا النائب الأصولي علي مطهري، أمس، إلى محاكمة أحمدي نجاد؛ بسبب أداء حكومته واستغل خصوم أحمدي نجاد مصادرة الأموال المحتجزة في الهجوم على أحمدي نجاد الذي يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة. وتداولت وسائل إعلام إيرانية خلال الشهر الأخير معلومات متباينة حول نية أحمدي نجاد العودة إلى الحياة السياسية ومنافسة حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما أن تنقل أحمدي نجاد وإلقاءه خطابات حول القضايا السياسية الإيرانية أثار غضب كثير من منتقديه.
إلى ذلك، أعلنت الخارجية الإيرانية في بيان استدعاء السفير السويسري في طهران الذي يمثل مصالح واشنطن الثلاثاء وتسليمه «احتجاجا رسميا» على تجميد أموال إيران في نيويورك لتعويض ضحايا اعتداءات إرهابية. وتصف مذكرة تلقاها السفير السويسري جوليو هاس من مسؤول الشؤون الأميركية في الوزارة محمد كشاورز زاده، قرارا للمحكمة الأميركية العليا بتجميد ملياري دولار من أموال إيران بأنه «انتهاك واضح للتعهدات المشتركة المتوافق عليها» بين إيران والولايات المتحدة. وبين هذه التعهدات حماية «الأموال والممتلكات» الإيرانية في الولايات المتحدة، بحسب بيان الوزارة. وأكدت مذكرة الخارجية الإيرانية أن هذه «الاتهامات لبلدنا بلا أساس، بلا أي دليل (...) سخيفة ومنافية لجميع المعايير الدولية المعترف بها».
وأفادت وكالة «إيرنا» نقلا عن الخارجية أنه «تم توضيح اعتراض إيران الشديد على الحكم أثناء الاجتماع بين مسؤول إيراني والمبعوث السويسري، وأكد المسؤول الإيراني أن الحكم يتعارض مع القوانين الدولية والاتفاقات الثنائية».
وتمثل السفارة السويسرية المصالح الأميركية في إيران لعدم وجود بعثة للولايات المتحدة هناك منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، واحتجاز 52 أميركيا رهائن لمدة 444 يوما. وقضت المحكمة العليا الأميركية بأن الكونغرس لم يتعد على سلطة القضاء عندما أصدر في 2012 قانونا ينص على أن الأموال المجمدة يجب أن تنفق في تنفيذ حكم بالتعويض قيمته 2.65 مليار دولار أصدرته محكمة اتحادية أميركية عام 2007 لصالح الأسر الأميركية.
ومن بين المتأثرين بالحكم أسر 241 جنديا أميركيا قتلوا في هجمات بشاحنات ملغومة على ثكنات تابعة لمشاة البحرية الأميركية في بيروت في أكتوبر (تشرين الأول) 1983.
كما تسلم السفير السويسري احتجاجا يتعلق بقرار آخر للقضاء الأميركي حول تعويض إيران لضحايا اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك (أكثر من 3000 قتيل).
فنتيجة دعوى رفعها أحد الضحايا، أدانت محكمة في نيويورك إيران في مارس (آذار)، وحكمت عليها بدفع تعويضات بقيمة 10. 5 مليار دولار؛ لعجزها عن الإثبات أنها لم توفر مساعدة لمنفذي الهجمات التي تبناها تنظيم القاعدة.



مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».