«الاتجار بالبشر» في لبنان.. جريمة بوجوه متعددة

اللجوء السوري يفاقم انتشاره والنساء والأطفال أبرز ضحاياه

«الاتجار بالبشر» في لبنان.. جريمة بوجوه متعددة
TT

«الاتجار بالبشر» في لبنان.. جريمة بوجوه متعددة

«الاتجار بالبشر» في لبنان.. جريمة بوجوه متعددة

يشكّل «الاتجار بالبشر» أحد أبرز وجوه الفساد المستشري في لبنان. فهذه الظاهرة القديمة الجديدة المنتشرة في المجتمعات اللبنانية بوجوه وأساليب متعددة بدأت تتفاقم مع أزمة اللجوء السوري بحيث تحوّل اللاجئون الذين تخطى عددهم المليون ونصف المليون شخص، ولا سيّما النساء منهم والأطفال، إلى الهدف الأساسي والحلقة الأضعف.
من الدعارة إلى ظاهرة التسوّل التي تشهد عليها شوارع المناطق اللبنانية ويقف خلفها شبكات تستغل الأطفال وعائلاتهم في أحيان كثيرة، إضافة إلى بيع الأطفال تحت عنوان «التبنّي» والمعلومات التي يجري التداول بها حول «بيع الأعضاء» إنّما بوتيرة محدودة، كلّها جرائم تمارس منذ سنوات في لبنان، بعلم أو على الأقل بتجاهل من قبل السلطات المعنية. ولعلها كانت قد بقيت على ما هي عليها لو لم يتم الكشف بالصدفة قبل أسابيع قليلة عن أكبر شبكة للدعارة وتحرير عشرات الفتيات من قبضتها، ليفتح معها باب «الاتجار بالبشر».
لم يأتِ وضع لبنان في التقرير السنوي لمكافحة الاتجار بالأشخاص، الذي تصدره الولايات المتحدة الأميركية، على قائمة المراقبة للبلدان المصنفة في الفئة الثانية من لا شيء. إذ أكد التقرير الأخير، الذي نشر في يوليو (تموز) 2015، أن لبنان لا يلتزم بأدنى المعايير لمكافحة الاتجار بالأشخاص، كما أنه لم يقدم خدمات دعم وحماية للضحايا، بل يتكل في ذلك على منظمات غير حكومية. هذا مع العلم، أنّ الضابط الذي نجح في الكشف عن الشبكة الأخيرة في لبنان، كان قد خضع لدورة تدريبية لـ«مكافحة الاتجار بالبشر» ضمن برنامج «الزائر الدولي القيادي» (IVLP) الذي تنظمه الولايات المتحدة، حسبما كشف المدوّن اللبناني جوني رعيدي الذي سبق له أيضًا أن شارك في البرنامج.
ويشير أكثر من مصدر إلى أن دائرة «التبني غير الشرعي» بدأت تتوسّع مع اللجوء السوري، مع التأكيد على أنها كانت موجودة في لبنان قبل سنوات وتعود إلى مرحلة الحرب الأهلية، بحيث وثّقت آلاف حالة بيع وشراء أطفال لبنانيين.
وفي هذا الإطار، تؤكد زينة علّوش، مؤسسة «جمعية بدائل»، أن هناك الكثير من المعطيات التي تثبت وجود حركة بيع أطفال ناشطة في لبنان تحت غطاء «التبني»، وأن هذا الأمر يتزايد عادة في أزمات اللجوء وما يترافق معها أيضًا من تزويج القاصرات. وتلفت علوش في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المعلومات التي تشير إلى وجود أكثر من 10 آلاف طفل في أوروبا يعرفون بـ«غير المصاحب» أي من دون عائلة، تؤكد أن هؤلاء يخرجون عبر معابر عدّة ومن دول تستقبل اللاجئين، ولا سيما بواسطة بواخر في البحر من دون عائلاتهم، وهذا يعني أن هناك حالات اتجار تعرضوا لها.
وفي حين تلفت علّوش إلى «غياب الإحصاءات والأعداد الدقيقة لحالات الاتجار بالأطفال تحت غطاء التبني في لبنان، فهي تؤكد أن الجمعية تتلقى بشكل دائم اتصالات من جهات عدّة تبدي استعدادها لشراء أطفال، وهو ما يثبت أن هناك عمليات بيع تتم تحت هذا العنوان، إضافة إلى معلومات تصل إلينا بشكل دائم بأن هناك أطفالاً يولدون في لبنان ولا يُسجّلون أو يُسجّلون بأسماء لعائلات غير تلك التي يتحدرون منها، وبالتالي تزوير الأوراق الثبوتية». وترى علّوش أن كل المعطيات اليوم تتشابه مع تلك التي كانت موجودة في الحرب اللبنانية وما جرى توثيقه من عمليات شراء وبيع أطفال، مشيرة إلى أنّه يُقدّر عدد الأطفال اللبنانيين الذين كانوا ضحية عمليات بيع وشراء بعشرة آلاف طفل، وثّق منهم إلى الآن نحو 2500.
وفي حالة تثبت «الاتجار بالأطفال» في لبنان، تروي عاملة إثيوبية ما حصل مع صديقتها التي كانت تعمل في لبنان، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «أصبحت صديقتي حاملاً نتيجة علاقة غير شرعية مع شاب رفض الاعتراف بالطفل، ولجأت وهي في الشهر الثالث إلى مؤسسة اجتماعية تعنى بمساعدة حالات كهذه، فعمدت المؤسسة إلى إبقائها لديها والاهتمام بها إلى أن أنجبت طفلها بحيث أخذته منها ومن ثم أحالتها إلى الأمن العام»، وهو ما توضحه مساعِدة اجتماعية في إحدى المؤسسات المتخصصة بلبنان، وتقول: «في حالة كهذه يجب أن تتم الإجراءات بشكل عكسي، إذ يفترض إحالة المرأة فورًا إلى الأمن العام للتحقيق معها.. وفي الوقت عينه ما حصل مع العاملة الإثيوبية يحصل مع الكثيرات في لبنان، وتقوم المؤسسة فيما بعد ببيع الطفل الذي تتخلى عنه والدته لأسباب اجتماعية تحت عنوان التبني».
«التبنّي» تحت المجهر
وكانت وسائل إعلام عدّة قد عرضت تحقيقات أكدت لجوء بعض الأشخاص إلى بيع وشراء الأطفال، تحت عنوان التبني، وهو ما يضعه مصدر أمني، في خانة «الحالات الاستثنائية»، رافضا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» وصف ما يحصل بـ«الظاهرة» مؤكدًا ملاحقة أي قضية يتم التبليغ عنها. وهنا تذكّر علّوش بما سبق أن أعلنته وزارة الصحة السورية لجهة عمليات بيع أطفال تجري في لبنان بالتنسيق بين أطباء لبنانيين وسوريين، مشيرة إلى أنه لم يتم ملاحقة الموضوع أو التحقيق به. وكان نقيب الأطباء السوريين عبد القادر حسن، قد كشف في نهاية العام الماضي، عن عمليات بيع أطفال، يتعاون على تنفيذها أطباء لبنانيون وسوريون. وتابع أن نقابته أقدمت على فصل ثلاثة أطباء هم «طبيب نسائي وطبيب أطفال وطبيب عام». ولفت حسن حينها إلى أن الأطباء يأخذون أطفالا حديثي الولادة لبيعهم مقابل مبالغ طائلة..
من جهته، يشير المحامي نزار صاغية، مؤسس «المفكرة القانونية» في لبنان، إلى أن عمليات بيع وشراء للأطفال تحصل في لبنان، ويستدرك: «نسمع عن حالات كهذه من عاملين في الإغاثة إنما لغاية الآن لم نتمكن من توثيقها». ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كما في مرحلة الحرب الأهلية ترتبط عمليات بيع وشراء الأطفال تحت غطاء التبني إلى حد كبير باللجوء السوري بحيث يُنقل أطفال من بلاد الحرب إلى بلاد آمنة، كما أننا نسمع عن آلاف حالات اختفاء لأطفال، كلّها تندرج تحت هذا الإطار». ويؤكد صاغية أن الاتجار في البشر موجود في لبنان منذ سنوات عدّة، إنما ومع اللجوء السوري توسّعت دائرته بحيث تزايدت الفئات الضعيفة مما يسهّل استغلالها.
وعن استغلال الفتيات في الدعارة، يقول صاغية: «تقليديًا في لبنان كانت هذه العمليات تجري تحت غطاء العمل في مجال الفن، لا سيما استقدام فتيات من أوروبا الشرقية وبعض الدول العربية وفقًا لما ينص عليه القانون. والأمر نفسه يحصل اليوم مع بعض الفتيات اللواتي يُجلبن إلى لبنان ومن ثم يصار إلى استغلالهن للعمل في الدعارة». ويضيف: «إن إجبار الفتيات على العمل في الدعارة بالإكراه وتعرضهن للعنف والضرب كلّ ذلك يوضع تحت خانة الاتجار بالبشر». ثم يشرح قائلاً: «منذ إقرار قانون الاتجار بالبشر في لبنان عام 2011، فإنه لا يُطبّق لأسباب عدّة. إنما اليوم وبعد كشف النقاب عن شبكة الدعارة الأخيرة، وما تلاها من فضائح في هذا الإطار، نراهن أن تكون بداية جيدة وحافزًا لتطبيق القانون». وبالمناسبة، ينص قانون الاتجار بالبشر في لبنان، وتحديدا استغلال أي شخص بالقوة والتهديد على فرض عقوبة السجن ما بين 5 و15 سنة، وغرامة مالية بين مائة و600 ضعف الحد الأدنى للأجور، ويعتبرها القانون جناية ولا تقل خطورة عن ترويج المخدرات وبيعها».
جدير بالذكر أنه قبل بضعة أسابيع كشف أمر أخطر شبكة «اتجار بالبشر» في لبنان، يقودها رجل أعمال لبناني هو صاحب ملهى ليلي اسمه «شي موريس» بالتعاون مع شخص سوري، ومن ثم أمكن تحرير 75 فتاة معظمهن من السوريات تعرضن لأبشع أنواع التعذيب، وذلك، بعدما أفلحت فتيات منهم من الهروب والتبليغ عنها.
وفورًا لاقت هذه القضية اهتمام الرأي العام اللبناني والمسؤولين. وكشفت بعض التصريحات مسؤولية بعض السلطات أو تقاعسها في أحيان كثيرة، لا سيما أن المعلومات أكدت أن القوى الأمنية كانت قد داهمت الملهى المذكور مرات عدّة، وأغلقته بالشمع الأحمر قبل أن تعيد فتحه. وفي حين اتهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، النائب وليد جنبلاط كبار المسؤولين في «سرية الآداب» بالتورّط في عمل هذه الشبكة، نفى وزير الداخلية نهاد المشنوق الاتهامات واضعًا إياها في خانة الافتراءات.
قضية شي موريس فتحت الباب على هذه الظاهرة المنتشرة في لبنان، وعمدت بعد ذلك القوى الأمنية إلى إغلاق عشرات الملاهي الليلية، وتوقيف عدد كبير من الأشخاص في بعض المناطق.
ويوم الثلاثاء الماضي، أصدر قاضي التحقيق في جبل لبنان بيتر جرمانوس قراره الظني في هذا الملف. واتهم 22 لبنانيًا وسوريًا بتأليف هذه الشبكة، بقيادة السوري عماد ريحاوي (فار من العدالة) واستغلال الفتيات في أعمال الدعارة بعد استدراجهنّ وتعذيبهنّ، مؤلّفين بذلك أكبر شبكة للاتجار بالبشر والدعارة وإجهاض الفتيات، وطلب إنزال عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بحقهم.
وأظهرت التحقيقات أن الفتيات تعرضن للضرب والاحتجاز والتعذيب وحجز حريتهن، وإرغامهن على ممارسة الدعارة داخل الملهى من قبل الريحاوي، الذي كان مع رجاله يجلبون الفتيات من سوريا والعراق إلى لبنان عبر معابر شرعية وغير شرعية، بعد إيهامهن بالعمل في مجالات شرعية، ولكن فور وصولهن إلى الملهى يحتجزن وتصادر أوراقهن ويُرغمن على العمل في الدعارة.
مَن المسؤول؟
مصدر مطّلع أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «مكتب مكافحة الاتجار بالأشخاص وحماية الآداب»، الذي لا يزيد عدد عناصره على 20 شخصًا «يقوم بواجبه على أكمل وجه». وأوضح أن مسؤولية المكتب تنتهي عند توقيف المتهمين وإحالتهم إلى القضاء، وبالتالي، فإن قرار الإفراج عن هؤلاء أو إعادة فتح الملهى الليلي بعد إغلاقه بالشمع الأحمر يعود إلى القضاء المختص، وهو ما حصل مع ملهى «شي موريس» الذي كان قد أقفل في عام 2012. ويضيف المصدر: «لا بدّ هنا من مساءلة الأمن العام المسؤول عن التثبت من شرعية وجود الأجانب في لبنان وطريقة دخولهم إلى الأراضي اللبنانية»، ويتابع أن «الأمن العام هو الذي كان قد أطلق سراح الريحاوي في المرة السابقة بعد توقيفه».
من جهة ثانية، يشرح القاضي حاتم ماضي، مدّعي عام التمييز السابق، الإجراءات القضائية التي تتبع في حالة كهذه لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «عندما يتم ضبط استخدام أي مكان عام لأعمال غير مشروعة يتخذ قرار بإقفاله من قبل القاضي المختص حتى إشعار آخر. ويكون هذا القرار نوعًا من التدبير المؤقت إلى حين اتخاذ قرار آخر برفع الشمع الأحمر وإعادة فتحه، على أن يوضع تحت المراقبة الدائمة، على اعتبار أنّ معتادي الإجرام من الطبيعي أن يكرّروا جريمتهم». ويضيف: «ولكن طبعًا هذه المراقبة ليست من مهمة القضاء الذي يتولى مهمة المعاقبة وليس المراقبة التي هي من مسؤولية القوى الأمنية المختصة».
وهنا نشير إلى أنه قبل كشف قضية «شي موريس» التي فضحت عملية جماعية لـ«اتجار بالبشر»، فإن حالات كثيرة كان قد كشف عنها «مكتب حماية الآداب في لبنان» وأثبتت أن تشغيل الفتيات في الدعارة، والاتجار بهن، يجري في دوائر ضيّقة، ومن قبل أحد الأقرباء، قد يكون الزوج أو الأب في أحيان كثيرة.
«مافيات» تشغيل الأطفال
على صعيد آخر، إذا كانت قضية الاتجار بالفتيات وتشغيلهن في الدعارة تحدث بين جدران مغلقة وغير ظاهرة للعلن، فإن منظر الأطفال في شوارع معظم المناطق اللبنانية، ليس خافيًا على أحد. وهذه ظاهرة بدورها تخضع في معظمها لشبكات «الاتجار بالبشر» التي تستغل فقر العائلات، وخصوصًا اللاجئين منهم، في تشغيلهم في التسّول. وهذا ما يشير إليه المحامي صاغية، قائلاً: «مما لا شكّ فيه أن هناك عصابات تعمل على تشغيل الأطفال، إنما لا بد هنا من التمييز بين الفقر بحيث يضطر الأهل للتسوّل مع أبنائهم، وبين تشغيل العصابات لهؤلاء الأطفال، إذ إنه لا ينسحب على الأهل توصيف الاتجار بالبشر الذي يفترض أن القانون المتعلق به وجد لمحاكمة الأقوى الذي يستغل الضعيف».
من جهته، لم ينفِ وزير العمل اللبناني سجعان قزي أنّ في لبنان «مافيات» تشغّل الأطفال في التسوّل في مختلف المناطق اللبنانية. وسبق له أن أعلن أن الدولة اللبنانية تتعامل مع الأطفال، إنما المشكلة تكمن بأن «المافيات» تعمل بطريقة سرية مستترة، وهو ما يصعّب المهمة أمام القوى الأمنية، التي إضافة إلى أنها غير مجهزة بشكل كافٍ، تولي الاهتمام اليوم لقضايا أكبر كالإرهاب والمحافظة على الوضع الأمني.
وتكمن المشكلة الأكبر في لبنان للحد من ظاهرة «أطفال الشوارع» في غياب مؤسسات قادرة على استقبال هؤلاء لإنقاذهم من الحياة التي يعيشونها، لا سيما أنّ عائلات معظمهم غير مؤهلة أو قادرة على حمايتهم.
ويقول ماهر طبراني، المدير المسؤول في «بيت الرجاء»، المؤسسة الوحيدة التي تستقبل أطفال الشوارع في لبنان وتستوعب لنحو 70 طفلاً، «شبكات تشغيل الأطفال» موجودة في لبنان منذ سنوات لكن مع اللجوء السوري بدأ حضورها يتّسع مستغلة فقر العائلات الهاربة من الحرب.
ويوضح طبراني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» مفصلاً: «في حين هناك عائلات مشرّدة تضطر اللجوء إلى التسّول لتأمين لقمة عيشها، هناك شبكات تعمل على تشغيل هؤلاء الأطفال وبعضها بالتنسيق مع الأهل.. كذلك هناك عائلات كاملة تعمل بكل أفرادها في التسول، بإدارة كبير العائلة، الذي قد يكون الجدّ على غرار إحدى العائلات التي يعمل أطفالها في بيع الورد في منطقة جونية، ويبلغ عددهم نحو 20 طفلا».
ويلفت طبراني إلى أنه «مع اللجوء السوري، بات هناك شركاء في الشبكات التي تشغّل الأطفال، إذ يعمل دائما شخص سوري مع آخر لبناني، بحيث يقوم الأول بتأمين الأطفال للثاني لاستغلالهم وتشغيلهم بالتسول». ولا ينفي طبراني، الذي يتسلّم الأولاد من القوى الأمنية بعد توقيفهم، أن السلطات الأمنية على علم بشبكات تشغيل الأطفال، إنما يصفها بأنها «أكبر من الدولة»، ويستطرد: «معظمها تعمل منذ سنوات وبات لديها الخبرة اللازمة في التعامل مع الموضوع. والمشكلة تبقى أن القانون اللبناني لا يدعم الولد الذي يتعرّض لهذا الاستغلال، إذ وبعد توقيفه وبقائه في المؤسسة لفترة محددة، يجري تسليمه للأهل بعد توقيعهم على تعهّد بعدم إعادته إلى الشارع، لكن ذلك يبقى حبرًا على ورق، وفي اليوم التالي نجد الولد في المكان نفسه عائدًا إلى التسول، في حين أن (الرأس المدبّر) أي رئيس الشبكة أو الأب إذا كان هو المشغّل يبقى حرًا من دون محاسبة».
ويلفت طبراني إلى أن أكثر المناطق التي ينتشر فيها هؤلاء الأطفال هي في بيروت، وتحديدًا في عين المريسة والروشة والرملة البيضاء والحمرا، إضافة إلى جونية. ويوضح: «من يحاول مراقبة هؤلاء الأطفال فسيجد أن هناك مَن يحضرهم إلى المكان الذي يتمركزون فيه كل يوم في وقت محدد ويعودون بهم في وقت محدد أيضًا، وفقًا لطبيعة كل منطقة، إذ يختلف الدوام بين الليل والنهار». ويضيف: «كذلك يقوم شخص بالمرور على الأطفال على دراجة نارية، كل نحو ساعتين ليعمل على جمع الأموال التي يحصلون عليها وعدم ترك المبالغ معهم طوال النهار».
وكانت الدراسة التي أعدتها وزارة العمل، بالتعاون مع منظمات «العمل الدولية» وصندوق الطفولة الدولي (اليونيسيف) و(أنقذوا الطفولة) العام الماضي، أظهرت أنّ اللجوء السوري أدى لزيادة عدد الأطفال في الشوارع، وكشفت أن عدد الأطفال الآتين من سوريا يشكل نحو 73 في المائة بعدما كانت النسبة نحو الثلثين، بينما يشكل اللبنانيون نحو 10 في المائة. كذلك بينت الدراسة أنه على الرغم من أن الأرقام موجودة على نطاق من الممكن التحكّم به، فإن المسألة تُعتبر معقدة للغاية نظرًا لارتباطها بقضايا الاتجار بالبشر والأنشطة غير المشروعة الأخرى فضلاً عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والقانوني للأطفال المتضررين.
وبينما يُرجِع معظم المسؤولين تفشّي «الاتجار بالبشر» لزيادة اللجوء السوري في لبنان، فإن وضع العاملات الأجنبيات في المنازل، والقانون المتعلّق بهن يعود إلى سنوات طويلة ويندرج أيضًا ضمن الجريمة نفسها. وهذا ما يتطرق إليه صاغية مؤكدا أن هذا الأمر يتم تحت غطاء نظام الكفالة ويندرج أيضًا ضمن خانة «الاتجار بالبشر»، بحيث تُجبَر الأجنبيات اللواتي يقدّر عددهن في لبنان بـ150 ألفًا، على العمل براتب صغير وتصادر أوراقهن الثبوتية.
وعلى الرغم من وجود هذا العدد الكبير، تبقى هؤلاء العاملات عرضة لحرمانهن من أبسط حقوقهم بالراحة، وحرية التنقل، والأجر اللائق، ولشروط عمل قسري يقرب من العبودية، بفعل غياب الضمانات القانونية. ففضلاً عن أن القانون يستثنيهم من حمايته، فإن السلطات العامة تمنح بفعل نظام الكفالة، امتيازا لأصحاب العمل من خلال ربط علاقة العمل بصحة الإقامة في لبنان، بحسب توصيف «المفكرة القانونية»، إذ وبموجب نظام الكفالة، تفقد العاملة حقها بالإقامة في لبنان وتصبح غير نظامية معرضة للتوقيف والترحيل بمجرد تركها العمل، وحتى لو تم الترك على مسؤولية صاحب العمل. وتعتبر «المفكرة» السلطات العامة في لبنان تبدو من خلال ذلك وكأنها تشرعن الاستغلال الذي تتعرض له شريحة مهمة من هؤلاء العاملات.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.