«إخوان» الأردن.. الدخول إلى بيت الطاعة؟

ذنيبات: ترخيص الجمعية ليس انشقاقًا بل تصحيح لواقع الجماعة

«إخوان» الأردن.. الدخول إلى بيت الطاعة؟
TT

«إخوان» الأردن.. الدخول إلى بيت الطاعة؟

«إخوان» الأردن.. الدخول إلى بيت الطاعة؟

شهد الأردن أخيرًا خطوة سياسية وأمنية لافتة، إذ أعلنت جماعة الإخوان المسلمين غير المرخص لها أن السلطات داهمت مقرها الرئيسي في منطقة العبدلي بالعاصمة عمّان، وبعد إخراجها من كان فيه، أغلقته بالشمع الأحمر. وحصلت المداهمة بناءً على شكوى تقدم بها عبد المجيد ذنيبات، الأمين العام للجناح المرخص له من الجماعة، التي تعدّ من أكبر التنظيمات في البلاد، ويعد جناحها السياسي الذي يحمل اسم «جبهة العمل الإسلامي» أحد من أقوى الأحزاب السياسية في الأردن. وكانت قيادة الجماعة (الملغاة رخصتها) التي يرأسها المراقب العام الدكتور همام سعيد قد قرّرت فصل المراقب العام السابق عبد المجيد ذنيبات و49 قياديا على خلفية انشقاقهم وتقدّمهم بطلب للحكومة لترخيص الجماعة وتصويب وضعها القانوني لفك ارتباطها بالجماعة الأصل في مصر.
يصرّ عبد المجيد ذنيبات، المراقب العام الجديد لجمعية جماعة الإخوان المسلمين في الأردن المرخّصة، على أن «قيادة الإخوان الحالية أصبحت غير شرعية وغير قانونية» في أعقاب موافقة الحكومة الأردنية على ترخيص جديد لجمعيته في مارس (آذار) العام الماضي، وفكّ ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، و«لذا فإن قيادة جماعة الإخوان أصبحت فاقدة للشرعية، ولا تمثل الإخوان المسلمين».
ذنيبات يضيف أن حصوله على ترخيص جديد «ليس انشقاقا بل هو تصحيح لواقع الجماعة الذي لم يكن قانونيًا في الأردن» وأن ما دفعه ومجموعة من أعضاء الإخوان إلى التقدّم بطلب ترخيص من الحكومة لتشكيل جمعية هو أن الإخوان في الأردن رخّص لهم عام 1945 على أنهم فرع لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر. وبعد قرار حل الإخوان في مصر، واعتبارها «منظمة إرهابية»، ولأن الفرع يتبع الأصل، لذا فإنهم منذ سنتين دعوا من أجل تصويب الوضع القانوني للجماعة في الأردن عبر فك ارتباطها بـ«إخوان» مصر، لكن القيادة في الجماعة رفضت ذلك. ويؤكد ذنيبات أن جمعيته الجديدة لا يهمّها اعتراف أي منظمة دولية أو عربية لأن أعضاءها أصبحوا «جماعة أردنية لا تتبع أحدًا»، وهم يملكون الشرعية الأردنية. ويضيف أنه رُفع الغطاء القانوني عن القيادة السابقة للجماعة في الأردن، داعيًا الجميع إلى الانضمام للجمعية التي رُخصت.
اليوم الحكومة الأردنية من منطلق اعتبارها غير مرخّصة منعت الجماعة الأم من ممارسة أي نشاط جماهيري أو تنظيم أي احتفالات. وكانت دائما تعلل سبب المنع بأن هناك شكوى من الجمعية المرخّصة بانتحال اسمها، وهو ما دفع الجماعة الأم إلى تنظيم فعاليات ومسيرات محدودة العدد باسم حزب «جبهة العمل الإسلامي» ذراعها السياسي.
إلى ذلك تقدّمت الجمعية المرخّصة بطلب إلى محكمة استئناف عمّان بنقل أملاك الجماعة ومقرّاتها وأموالها إلى الجمعية لكن القضاء انتصر للجماعة ورفض الطلب باعتبار أن الجمعية مكوّن جديد ولا علاقة لها بالجماعة الأم، ومع هذه الضغوط والمضايقات التي فرضتها الحكومة على الجماعة فإنها أصرّت على إجراء انتخابات داخلية من أجل انتخاب مجلس شورى جديد ينتخب من خلاله المراقب العام الذي تنتهي ولايته في نهاية الشهر الحالي. هذا، وكان محافظ العاصمة قد وجّه إلى الجماعة إنذارًا بعدم إجراء هذه الانتخابات لمخالفتها قانون الاجتماعات العامة حيث لم تنصع الجماعة لهذا الإنذار مما أدى إلى اتخاذ قرار بإغلاق المقر العام وإغلاق خمسة مقرات والتي جرت بها الانتخابات الفرعية حيث طالت فروع عمان وإربد والمفرق وجرش ومادبا والعقَبة. ولكن، على الرغم من المنع والإغلاق أجريت انتخابات للفروع في منازل الأعضاء وفاز معظم القيادات الحالية بالتزكية.
من جهته، رفض محمد المومني، وزير الدولة لشؤون الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، إعطاء أي صبغة أو بعد سياسي لإغلاق مقرات الإخوان. وقال المومني خلال مؤتمر صحافي قبل أيام بأنه من هذا المنطلق حاول المسؤولون الحكوميون تجنّب التصريح في الموضوع. وأردف «هناك قضايا في المحاكم بين جماعة الإخوان المسلمين وجمعية الإخوان المسلمين، لكن ما يجري شكاوى تتقدم بها الجمعية المرخصة». وتابع: «تذكرون ما حصل حينما أرادت الجماعة عقد نشاط بذكرى مرور 70 سنة على تأسيسها... وصحيح أن القضاء لم يبت بعد بالقضايا، لكن الجمعية راجعت المؤسسات التنفيذية المعنية بنفاذ القانون مرات عدة بأن جهات أخرى تستخدم اسمها». ومن ثم حثّ المومني الجميع على الانصياع للقانون والالتزام به، قائلا: إنه لا توجد جهات يمكنها أن تتجاوز على القانون.
وحول الاتهامات بـ«اقتحام» مقر حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي جرى قبل أيام، قال الوزير المومني بأن هناك خلطًا في المقرات بين شعب «الإخوان» ومقرات حزب «جبهة العمل الإسلامي»، مشددًا على أن الحزب غير مستهدف ويعمل كونه مرخّصا.
خلفية الموضوع
كما سبقت الإشارة، كانت قيادة جماعة الإخوان المسلمين التي يرأسها المراقب العام الدكتور همام سعيد قرّرت فصل المراقب العام السابق عبد المجيد ذنيبات و49 قياديا في الإخوان، على خلفية «انشقاقهم وتقدمهم بطلب للحكومة لترخيص جماعة الإخوان المسلمين». ولقد حاولت مجموعة ما يعرف بـ«حكماء الإخوان» حل الأزمة وتطويق ذيولها إلا أنها فشلت، وتركّزت الخلافات على الأسباب التالية:
الأول: اتهام كل من تيار «الحمائم» و«اللجنة التحضيرية لإصلاح جماعة الإخوان المسلمين» قيادة الجماعة الحالية ممثلة في المكتب التنفيذي - الذي يرأسه الدكتور سعيد - بقيادة تيار إقصائي، والعمل على تحريك تنظيم سرّي داخل الجماعة، وبتزوير الانتخابات من خلال «شراء الأصوات» و«شراء الذمم»، بينما يردّ المكتب باتهام معارضيه برفض الخضوع لنتائج الانتخابات.
الثاني: اتهام تيار «الحمائم» قيادة الجماعة بالتعنّت ورفض مبادرات الإصلاح، وعدم الالتفات للأصوات المعارضة لها، واللجوء بدلاً من ذلك لتشويه هذه المعارضة والاعتماد على شرعية الصندوق بدلاً من شرعية التوافق، بينما يقول المكتب إن دعاوى الإصلاح تتم خارج أطر الجماعة وتسعى للانشقاق عليها.
الثالث: الاختلاف على برنامج الجماعة وعملها، إذ يتهم «الحمائم» قيادة الجماعة برفض العمل بأجندة وطنية أردنية وإيلاء القضية الفلسطينية الأهمية الكبرى في برامجها، وعدم الاهتمام بالقضايا الوطنية وهموم الأردنيين، وبالعمل لمصلحة تيار من حركة حماس يريد السيطرة على إخوان الأردن، بينما ينفي المكتب هذه التهم ويرد بعض مؤيديه باتهام تيار «الحمائم» بالتخلي عن دعم «القضية المركزية للأمة».
تداعيات «الربيع العربي»
ومع انطلاق شرارة ما بات يعرف بـ«الربيع العربي» دخلت المنطقة في حالة غير مسبوقة من النشاط السياسي والإعلامي والشعبي، بات معها من المستحيل لأي جماعة سياسية أن تعمل في السر، وأخذت نشاطات الإخوان وأسماء قياداتهم وأعضاء المجالس القيادية ونقاشاتهم الداخلية تظهر على صفحات المواقع الإلكترونية حتى قبل أن يعرف بها الإخوان أنفسهم!
ويرى علي أبو السكر، رئيس مجلس شورى حزب «جبهة العمل الإسلامي» وأحد أبرز قياديي جماعة الإخوان أن الجماعة «تتعرّض لضغوط من الحكومة والأجهزة الأمنية لكن العلاقة معها لا تصل إلى حالة القطيعة التامة أو المواجهة، لأن الحكومة تُدرك أن للجماعة دورًا كبيرًا في الوحدة الوطنية. وحتى الشارع الأردني يعرف أن الجماعة هي صمام أمان للوحدة الوطنية ومنع انزلاق الشباب نحو التطرّف والإرهاب لأنها تُشبع حاجاتهم الروحية في الانتماء الديني من خلال هذا الإطار المتوازن المعتدل البعيد عن العنف».
ويقول أبو السكر إن جماعة الإخوان «لها حضور شعبي واسع على الساحة الأردنية والعربية، وقاعدة واسعة في أكثر من 90 دولة في العالم، وتأثير في الشارع العربي والإسلامي، كما كان للجماعة حضور قوي في ثورات الربيع العربي، وهذا ما عرّضها لمحاولات الانتقام من قبل الأنظمة السياسية خلال السنوات القليلة الماضية».
لمحة تاريخية
إلا أن مراقبين يتساءلون عما جرى بين الدولة الأردنية والإخوان على الرغم من تجربة التعايش الطويلة التي بدأت مع استقلال الأردن عام 1946. وعبر 70 سنة كان هناك تعاون في المفاصل التي مرت بها المملكة، فالملك عبد الله الأول هو الذي افتتح أول دار لـ«الإخوان»، وكان مؤسسو الجماعة على علاقة وثیقة به إذ كانت أبوابه مُشرعة لهم يستقبلهم ويستمع إليهم. وحین جاء الملك طلال لم يطرأ أي تغییر على العلاقة.
ثم جاءت مرحلة الملك الحسین التي طال فيها التعاون الاستراتيجي مع الإخوان للفترة الأطول في تاريخ الأردن (47 سنة)، وشهدت العلاقة خلالها تعاونًا في خندق المناهضة للانقلابیین البعثیین والناصريین. على الرغم من أن الإخوان ما كانوا قوة عسكرية فإنهم شكلوا ثقلاً شعبيًا ظهر بصور متعددة منها التظاهر والبیانات والخطب. وبعدها وقف الإخوان ضد مصادمة الفدائیین الفلسطينيين للدولة الأردنیة، كما لم يستغل الإخوان «أحداث الجنوب» (الأردني) كما فعل الیساريون.
هذا كله يحفظه النظام الأردني على الرغم من تفهمه أن الإخوان بمواقفهم هذه إنما كانوا يدافعون أيضًا عن أنفسهم لأن المتحركین في كل هذه المحطات هم أعداء لـ«الإخوان» ولو صار لهم الأمر لكان الإخوان في مقدمة ضحاياهم، كما حصل في مصر وسوريا والعراق ولیبیا.
وحقًا، كان الملك الحسین ممتنًا لمواقف الإخوان وعبر عن ذلك عام 1997م في معرض دعوته لهم للمشاركة في الانتخابات.
التغيّر والتغيير
وهنا يرى الوزير الأسبق الدكتور بسام العموش أنه «منذ العام 1997 بدأ الخطاب الإخواني يتغیر إذ دخل طابع الحدة والتحدي وصار خطابهم أقرب لخطاب الیساريین الثوريین». ويتابع أنه «حینما حل الربیع العربي على الأمة ظهر خطاب مختلف جدًا يتصل بـ(الدولة) الإخوانیة وبخاصة بعد انتخاب الرئیس محمد مرسي في مصر ووجود حماس في غزة، وكانت قراءتهم أن تؤول لهم الأمور في تونس وسوريا ولیبیا، كما أنهم شعروا بأن تركیا تقف معهم... كل هذا دفع إخوان الأردن لرفع وتیرة الخطاب والتحدي وفرض الشروط، وراح واحد منهم يقول: نحن نجلب الغاز المصري للأردن. وراح قائدهم يقول: إن مطلب الإخوان تعديل المواد 34 و35 و36 من الدستور وهي المواد التي تتعلق بصلاحیات الملك!».
ويضيف الدكتور العموش، الذي كان من قياداتهم قبل أن يستقلّ عنهم، أن الإخوان «لم يفكّروا بمن ستؤول له هذه الصلاحیات؟ فهل هم ضامن لرئیس الوزراء إذا كانوا يعنون ذلك؟». ويتساءل ماذا لو كان رئیس الوزراء يساريًا أو رأسمالیًا أو أو أو؟ ثم يقول: «لقد حضرت شخصیًا جلسة في حضرة الملك عبد الله الثاني حیث قال لقائد إخواني: إذا غیّرتم فخبّرونا كي نغیّر؟!! وفهمت من ذلك أن الملك يريد الاستمرار في العلاقة على سنن أبيه وجديه، ملوك الأردن، في العلاقة مع الإخوان، لكنه سیقرّر تغییر ذلك إذا غیّر الإخوان سیاستهم».
ويتابع العموش «نعم لقد غیّرت الجماعة طريقتها في التعامل مع المملكة الأردنية، ولهذا كان لا بد من التغییر، لكنه التغییر على الطريقة الأردنیة ولیس الطريقة المصرية أو السورية أو العراقیة أو اللیبیة. إنها طريقة تتحدّث عن حرفیة القانون، فالإخوان جمعیة وحین يصدر قانون للجمعیات ويطلب من الجماعة تصويب أوضاعها وفقه فعليها أن تفعل!. ولكن تلكأ الإخوان وراح المراقب العام يقول إن الجماعة أكبر من القانون، مما دفع المنشقین عن الإخوان للاستفادة من الفرصة والحصول على رخصة باسم (جمعیة الإخوان). وهنا وقع الإشكال في وجه الجماعة. فمن هو ممثل الإخوان؟ الجماعة التي تستند إلى التاريخ.. أم الجمعیة التي تأقلمت مع الواقع وقنصت الرخصة؟».
وهنا بدأ التنفیذ على الأرض حیث تم وضع الشمع الأحمر على مقار الجماعة التاريخیة باعتبارها غیر مرخصة، وهو تنفیذ لا يقف عند حدود الشمع الأحمر، بل هو إعلان عن نهاية حقبة وبدء عهد جديد ينسجم مع المحیط العربي والسیاسة الدولیة. وحسب العموش، مهما تحدث الإخوان عن مؤامرة أو تسییس فإنهم بلا شك هم الذين لم يفهموا الظروف ولم يحسنوا التعامل معها. والأخطر قد يقع إذا قرر الإخوان المواجهة فإنهم بلا شك سیسارعون إلى خط النهاية التي قد تكون ولن تبكي عليهم دول تعتبرهم جماعة إرهابیة وهو ما لا نريده للأردن صاحب السیاسة المتمیزة.
ولذا يتوقع العموش «أن يستسلم الإخوان لهذا الأمر ويكتفوا بالإعلان أنهم فكرة والأفكار لا ترخص، وأنهم لیسوا مجرد مقار، كما أن وجودهم الحزبي قائم عبر الذراع السیاسیة حزب (جبهة العمل الإسلامي) وهذا لا يعني توقفهم عن نقد الخطوة الحكومیة، بل ربما سعوا للقاء الملك. وفي ظني أن الأبواب قد أغلقها الإخوان يوم رفضوا دعوة الملك لهم عام 2013 للمشاركة في الانتخابات».
بين «الجماعة» و«الجمعية»
من جهته، يرى الدكتور إبراهيم نصير، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية، أن الجماعة «تعيش واقعًا صعبًا وتكمن صعوبته في أن المأزق الذي تمر به لا مخرج له. وهو مستعصٍ على مستويين: يتمثل الأول في وجود صراع بين الجمعية الجديدة والجماعة القديمة، والثاني ناجم عن الصراع داخل الجماعة القديمة متمثلة بتيار يقوده مجموعة من المخضرمين على رأسهم عبد اللطيف عربيات وإسحق الفرحان وحمزة منصور يحاول إحداث تغيير في بنية الجماعة، وإعادة تشكيل مكتب تنفيذي جديد، ومجلس شورى جديد، على أمل أن تبرز شخصيات أكثر اعتدالاً ووسطية، ربما يخفف من حالة التصادم القانوني والسياسي والإعلامي بين الدولة والجماعة». ويضيف أنه «إذا نجح هؤلاء في محاولتهم فإن الضغط الحكومي على الجماعة سيخفف في مقدمة لمصالحة مع الجمعية الجديدة. أما إذا فشلوا في ذلك فإن حزب جبهة العمل الإسلامي سيكون ملاذهم القانوني الوحيد». أما عن تجربة الجمعية فإن نصير يستبعد أن تحظى «بشرعية ودعم الشارع الأردني، كما حصل في تجارب سابقة مثل (جماعة زمزم) و(حزب الوسط الإسلامي)، وستبقى الشرعية الحقيقية مع جماعة الإخوان المسلمين الأم، لأن الجمعية المُرخصة بلا غطاء شعبي باعتبارها ملتصقة بالحكومة».
في المقابل، يقول الكاتب والمحلل السياسي فهد خيطان بأن قيادة الجماعة غير المرخصة «تدرك أن مسار الأحداث سيأخذها إلى أضيق مربّع في تاريخ علاقتها مع الدولة، وأن زمن الصفقات والتسويات في الغرف المغلقة انتهى إلى غير رجعة وأن المسار القانوني حسم النزاع على الشرعية وليست التطورات السياسية». ويضيف أن قيادة الجماعة «قللت كثيرًا من أهمية هذا المتغيّر، كونها تحوز على شرعية تنظيمية تفوق بكثير ما لدى الجمعية المرخصة. لكن مثل هذا الأمر يبدو بلا قيمة في نظر القانون. ومع مرور الوقت، ستفرض الوقائع نفسها، وتجد الجماعة غير المرخصة نفسها عاجزة فعليًا عن ممارسة نشاطاتها تحت اليافطة نفسها. وهذا ما حدث عندما أغلقت السلطات المقر الرئيسي، الذي يعد غرفة عمليات الجماعة، ومركز عملها الرئيسي.
ثم إن أملاك الجماعة في الأصل هي محل نزاع قضائي، ومن غير المتوقع حسم النزاع في وقت قريب. وبغض النظر عن طبيعة القرار النهائي للقضاء، فإن فرص الجماعة بمواصلة عملها كما كان في السابق تبدو معدومة تمامًا، إذ سيكون بمقدور السلطات الرسمية تفعيل القانون في أي لحظة، ومنع الجماعة من القيام بأي تحرك أو نشاط».
ويرى خيطان أن الخيار الوحيد المتاح في هذه الحالة «هو العمل تحت مظلة حزب جبهة العمل الإسلامي، باعتباره العنوان الدائم والوحيد للعمل السياسي، والتنازل عن الجماعة كإطار فقد مشروعيته من الناحية القانونية».. ويؤكد أنه «إذا كانت الدولة جادة فعليًا في تصويب الاختلالات التاريخية في علاقتها مع الجماعة والحزب، فإن عليها في المقابل أن تطلب من الجمعية المرخصة عدم ممارسة أي نشاط سياسي، وتأسيس حزب سياسي مستقل تماما عن جماعة الإخوان المسلمين، ولا يخضع لسلطتها بأي شكل من الأشكال». ويعتقد أن «الازدواجية التنظيمية بحد ذاتها مرفوضة وتخالف القانون، وتخلق وضعا شاذا يسمح بوجود تنظيمين، واحد تحت الأرض والثاني فوقها. أما بالنسبة لمن يود العمل في المجالات الخيرية والدعوية، فذلك متاح له ضمن صيغة يكفلها قانون الجمعيات في الأردن». ويختتم بالقول: «باختصار، لا نريد جماعة مدللة وأخرى مضطهدة في الأردن، وإنما أحزاب سياسية تحت الشمس، تعمل في ظل الدستور والقانون. بخلاف ذلك، فلتغلق كل المقرّات بالشمع الأحمر».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».