جيش كردي يحمي الإدارة الذاتية شمال سوريا.. والمعارضة تعتبره «حالة مؤقتة»

4 تشكيلات عسكرية.. و«وحدات حماية الشعب» تشابه البيشمركة العراقية

عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)
عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)
TT

جيش كردي يحمي الإدارة الذاتية شمال سوريا.. والمعارضة تعتبره «حالة مؤقتة»

عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)
عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)

بدأت الإدارة الذاتية في شمال سوريا، تفعيل جناح عسكري جديد خاص بها، عبر خطة تدريبية كشف عنها أمس، ليُضاف إلى سلسلة التشكيلات العسكرية المستقلة في سوريا، وسط معلومات متضاربة عما إذا كانت قوات «وحدات الحماية الذاتية» ستكون نواة «الجيش الوطني» السوري، في المستقبل، وهو ما تراه المعارضة السورية «حلولاً مؤقتة أوجدها وجود داعش، وتنتهي بمجرد التوصل إلى حل سياسي ينهي النظام ورئيسه». وفيما قال القائد العام لهذه القوات ريناس روزا إن «وحدات الحماية الذاتية» تتدرب لتكون «نواة الجيش الجديد الذي سيتولى حماية الإقليم الفيدرالي في شمال سوريا»، قال مصدر بارز في حزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي» لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات سوريا الديمقراطية هي نواة الجيش السوري في المستقبل»، مؤكدًا أن هؤلاء «هم جنود متطوعون في واجب الدفاع الذاتي، يؤدون الخدمة الإلزامية، وأوكلوا مهمة حماية المنشآت والإدارات في داخل المناطق الذاتية»، مشددًا على أنهم «ليسوا قوة قتالية بالدرجة الأولى».
وأكد الناطق باسم «قوات سوريا الديمقراطية» العقيد طلال سلو لـ«الشرق الأوسط» أن «وحدات الحماية الذاتية» مسؤولة عن التجنيد العسكري الإلزامي للشباب في منطقة شمال سوريا: «وتضم القوات مجندين من كافة الفئات وكافة المكونات الإثنية والدينية في المنطقة»، مشيرًا إلى أن هذا التشكيل «موجود من فترة سبقت تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، ويخدم هؤلاء الشباب الذين يبلغون سن الـ18 عامًا، لمدة 6 أشهر في الخدمة الإلزامية»، لكنه لفت إلى أن الفارين من الخدمة الإلزامية ويجري القبض عليهم «يخدمون مدة سنة».
وقال سلو إن هذا التشكيل العسكري «مستقل عن قوات سوريا الديمقراطية، وله قيادة مستقلة، لكن تتم الاستعانة بهم للمشاركة في عمليات قتالية، حين تستدعي الحاجة». وتضم هذه القوات الجديدة، وفق روزا الذي نقلته تصريحاته وكالة «الصحافة الفرنسية»: «آلاف الشبان، من جميع المكونات: أكراد وعرب وسريان وشركس» تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما من «كافة الطبقات الاجتماعية». ويقضي هؤلاء تسعة أشهر إلزامية في التدريب قبل أن ينتقلوا إلى جبهات القتال وحماية المواقع التي سيطر عليها الأكراد مؤخرا بعد استعادتها من تنظيم داعش. وكون الخدمة في قوات الحماية الذاتية إلزامية، يقول مسؤول فيها: «نتفحص أوراق الناس عندما يعبرون الحواجز، وإذا وجدنا من لم يكملوا التدريب مع قوات الحماية الذاتية، نأخذهم فورًا إلى التدريب».
وكانت الحاكمية المشتركة لمقاطعة الجزيرة صادقت، في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، على المرسوم الذي يتضمن قانون أداء واجب الدفاع الذاتي عن مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية. ووقع الحاكمين المشتركين لمقاطعة الجزيرة هدية يوسف والشيخ حميدي الدهام على المرسوم بعد أن أقره المجلس التشريعي في جلسته بتاريخ 16 - 1 - 2016.
والاهتمام بهذه القوة في هذا الوقت، جاء بعد الإعلان عن خطة لفدرلة المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد ومكونات أخرى تحت مسمى «الإدارة الذاتية». لكن صلاحيات هذه القوة، كما أُعلن عنها، تتناقض مع الأسباب التي دفعت لإنشائها في وقت سابق قبل أكثر من عام، كما تتضارب مع صلاحيات القوى العسكرية الرئيسية في إدارة الذاتية.
وقال مدير مركز الدراسات الكردية نواف خليل لـ«الشرق الأوسط» إن القوة الأساسية في مناطق الإدارة الذاتية هي «وحدات حماية الشعب»، التي تعد جزءًا من «قوات سوريا الديمقراطية»، مشيرًا إلى أن «وحدات الحماية الذاتية» تعد جزءًا من القوات المقاتلة، وتتحول إلى قوة إسناد إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وأوضح أن المهام الموكلة إليها في هذا الوقت تتمثل في «حماية الإدارات والمراكز الموجودة في المنطقة، وستكون جزءًا من القوات التي تحمي الفيدرالية». ونفى خليل أن يكون هناك تضارب في صلاحيات التشكيلات العسكرية والأمنية في الإدارة الذاتية في شمال سوريا، قائلاً: «جميع القوى العسكرية هي واحدة، لها قيادات واضحة توزع المهام وتنسق بين الصلاحيات، وليس هناك أي تناقض بين تلك القوى. وتعمل جميعها وفق طريقة متناغمة، ومتكاملة، بتنسيق مع القيادة العسكرية للإدارة الذاتية».
وتنتشر في منطقة الإدارة الذاتية «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعد التشكيل الأبرز، ويطمح الأكراد وحلفاؤهم من المكونات الأخرى لأن يكون «نواة جيش سوريا المستقبل». وتقاتل وحدات حماية الشعب ضمن صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» في المعارك ضد «داعش».
أما «وحدات الحماية»، فتعد القوة الأساسية في مناطق الإدارة الذاتية، وهي قوات النخبة في تلك المنطقة، وتتولى الآن القتال في منطقة شمال سوريا التي يطلق الأكراد عليها «روج أفا». وبحسب مصادر كردية، فإن وحدات حماية الشعب «لن تخضع للحل في سوريا المستقبل، لأنها ستكون القوة العسكرية الضامنة لحماية الإدارة الذاتية في المستقبل، وستكون على نسق قوات البيشمركة في العراق».
هذا، وتوجد قوات «واجب الدفاع الذاتي» التي يُطلق عليها أيضا اسم «وحدات الحماية الذاتية»، وهي موكلة حماية الإدارات والمناطق وتتضمن المجندين في الخدمة الإلزامية. أما قوات «الأسايش»، فهي قوات الأمن الداخلي الشرطة، وتتضمن قوة تدخل سريع ضمن تشكيلاتها.
وتوجد قوات الحماية الذاتية في مقاطعتي الجزيرة وعفرين على أن تقام قريبا معسكرات أخرى في كوباني أيضا.
وتنتشر في شمال سوريا، أربع تشكيلات في منطقة الإدارة الذاتية، وعشرات التشكيلات المحلية في مناطق سيطرة المعارضة وسيطرة النظام وحلفائه، وهو ما تراه المعارضة «حالة مؤقتة، تنتهي مع رحيل النظام».
وقال المعارض السوري البارز سمير نشار لـ«الشرق الأوسط» إن «الحديث عن كثرة المجموعات العسكرية في سوريا، هي محلية في مواضع معينة في الجغرافيا السورية، وليست على امتداد الوطن»، مؤكدًا أنها «حالات تعبر عن إشكاليات في المنطقة التي تنشأ فيها في مناطق الشمال الشرقي، حيث وجود داعش أصبح ذريعة لبعض القوى المدعومة من قوى إقليمية ودولية لإنشائها».
وأعرب نشار عن اعتقاده بأنه «بمجرد الانتهاء من داعش، كل الحالات سوف تنتهي، لأنها حالات مؤقتة لا تتسم بالجذرية والشمولية ولا موقف واضحًا لها من النظام، وتتعايش مع الصراع مع داعش الذي يعد منظمة إرهابية، يحاول الجميع التصدي لها». وقال إنه «من دون إيجاد حل سياسي في سوريا يغير النظام ورئيسه، لا يمكن إيجاد حلول مؤقتة لأن وجود النظام استولد تلك الحالات الإرهابية، والتشكيلات التي تتصدى لها، وأنشأ البيئة الجاذبة لتلك التشكيلات العسكرية».
إلى ذلك، تتواصل خطة تدريب «وحدات الحماية الذاتية» في منطقة عامودا في الحسكة. ويوضح روزا ببزته العسكرية ولحيته الخفيفة في تصريحات لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «قواتنا تخضع لثلاث مراحل أساسية من التدريبات» على أيدي قوات حماية الشعب الكردية، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، الحزب الكردي الأبرز في سوريا، والتي أثبتت أنها الأكثر فعالية قي قتال تنظيم داعش في سوريا.
ويشير روزا إلى أنه خلال أول شهرين يتم تدريب الشبان «على التنظيم العسكري والتكتيك فضلا عن أساليب القتال»، كما أنهم يخضعون «لتدريبات سياسية في بعض المؤسسات المدنية».
وتصاعد نفوذ الأكراد مع اتساع رقعة النزاع في عام 2012 مقابل تقلص سلطة النظام في المناطق ذات الغالبية الكردية. وبعد انسحاب قوات النظام تدريجيا من هذه المناطق، أعلن الأكراد إقامة إدارة ذاتية مؤقتة في مقاطعات كوباني وعفرين (ريف حلب الشمالي والغربي) والجزيرة (الحسكة)، وأطلق عليها اسم «روج آفا» (غرب كردستان).
وفي 17 مارس (آذار)، أعلن الأكراد في مؤتمر واسع شاركت فيه مكونات عربية وسريانية وأرمنية وغيرها النظام الفيدرالي في مناطق سيطرتهم في شمال سوريا. وسرعان ما لاقى هذا الإعلان رفض الحكومة السورية والمعارضة على حد سواء، إلا أن الأكراد بدوا مصرين على إكمال مشروعهم الذي طالما حلموا به، وقوات الحماية الذاتية ليست سوى جزء منه.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.