{الخارجية الأميركية}: إيران تمارس الاضطهاد العرقي.. والمرشد «متسلط»

تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان أشار إلى أن الشرطة الإيرانية تمارس الاعتقال التعسفي والقتل > كيري: التعديات على القيم الديمقراطية تشير إلى «أزمة حكم عالمية»

متظاهرون من المهاجرين الإيرانيين يحتجون على أوضاعهم في معسكر كاليه شمال فرنسا (أ.ف.ب)
متظاهرون من المهاجرين الإيرانيين يحتجون على أوضاعهم في معسكر كاليه شمال فرنسا (أ.ف.ب)
TT

{الخارجية الأميركية}: إيران تمارس الاضطهاد العرقي.. والمرشد «متسلط»

متظاهرون من المهاجرين الإيرانيين يحتجون على أوضاعهم في معسكر كاليه شمال فرنسا (أ.ف.ب)
متظاهرون من المهاجرين الإيرانيين يحتجون على أوضاعهم في معسكر كاليه شمال فرنسا (أ.ف.ب)

في أقوى تقرير تصدره الخارجية الأميركية عن حقوق الإنسان في العالم، حذرت الولايات المتحدة الحكومات حول العالم، من الاستمرار في قمع الحريات الأساسية، مؤكدة تسارع موجة «في كل بقعة من العالم»، تقودها جهات حكومية وغير حكومية تسعى لإغلاق الفضاء أمام المجتمع المدني، وخنق وسائل الإعلام وحرية الإنترنت، وتهميش الأصوات المعارضة، «وفي الحالات القصوى، قتل الناس أو حملهم على مغادرة منازلهم».
وجاء التقرير الذي اعتادت الخارجية الأميركية إصداره سنويا، قاسيا على عدد من الدول من بينها دول حليفة مثل فرنسا، وتركيا، ومصر. ورغم التحسن الأخير في العلاقات بين واشنطن وطهران، بعد توقيع الاتفاق النووي، شن التقرير هجوما لاذعا على إيران في مجال حقوق الإنسان، وربط ذلك بنشاطات إيران الإرهابية الخارجية. وأشار التقرير إلى استمرار الاضطهاد العرقي والتمييز الذي تتعرض له الشعوب غير الفارسية في إيران مثل الأكراد والأحوازيين العرب والآذريين والبلوش. ونوه إلى تلك القوميات تتعرض للاعتقال التعسفي والاحتجاز لفترات طويلة والتعذيب، كما أن الحرس الثوري يفرض السيطرة الأمنية على مناطقهم. كما توقف التقرير عند حالات الإعدام المتزايدة والتمييز في السجون بغض النظر عن التهم الموجهة إلى أبناء تلك القوميات، استنادا إلى تقارير منظمات حقوقية إيرانية.
وقال وزير الخارجية جون كيري في مقدمة التقرير السنوي حول حقوق الإنسان أن التعديات على القيم الديمقراطية تشير إلى «أزمة حكم عالمية». ولا يترتب على التقرير الذي أعده دبلوماسيون أميركيون على أساس كل بلد على حدة، آثار قانونية على سياسة الولايات المتحدة، كما أنه لا يرغم واشنطن على قطع العلاقات أو وقف المساعدات العسكرية لمنتهكي حقوق الإنسان أو فرض عقوبات عليهم. لكن كيري شدد على أن التقرير المفصل، وهو الأربعين لوزارته، من شأنه أن يزيد من تصميم الولايات المتحدة على تعزيز ما وصفه بـ«الحريات الأساسية» ودعم الجماعات التي تعتبرها واشنطن من المدافعين عن حقوق الإنسان.
وتابع وزير الخارجية الأميركي أن البعض «ينظر إلى هذه الأحداث ويخشى أن تكون الديمقراطية في تراجع. في الواقع، إن هذا رد فعل على إحراز المثل الديمقراطية تقدما، والطلب المتزايد من الناس من كل الثقافات والمناطق كي تستجيب لهم الحكومات». وبحكم المتوقع كالعادة، فإن التقرير يوجه انتقادات إلى خصوم الولايات المتحدة مثل روسيا والصين، إذ يقول إن جماعات الحقوق المدنية تواجه قمعا متزايدا، وإلى أعداء مثل إيران وكوريا الشمالية، حيث يواجه المواطنون القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب. وبشأن إيران لفت التقرير إلى التمييز السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشعوب غير الفارسية، خاصة فيما يتعلق بالحصول على مساعدات اقتصادية، وفرص العمل، والقبول في الجامعات، وتراخيص أعمال، ومنعهم من نشر الكتب، وحق امتلاك السكن والأراضي، على الرغم من أن الدستور يعترف بمساواة جميع المجموعات القومية في إيران. كما أشار إلى معاناة الطوائف الدينية الأخرى غير الشيعة، في ظل نظام يؤمن بولاية الفقيه وإجبارهم على تبعيته. كما أن تلك الطوائف، (البلوش، العرب، الكرد) يواجهون مشكلات كثيرة في الاندماج بالحياة المدنية في إيران بسبب السياسات التي تتبعها السلطة.
وشرح التقرير معاناة الأكراد في إيران من خلال تطبيق القوات الأمنية قانون الطوارئ في مناطقهم، ومنعهم من ممارسة النشاط المدني وقمع الأنشطة المشروعة للمنظمات غير الحكومية الكردية، وحظر الصحف باللغة الكردية، وحرمانهم من تسجيل الأبناء بالأسماء الكردية في السجلات الرسمية. وبشأن الأحواز استند التقرير إلى تقارير المقرر الأممي الخاص بحقوق الإنسان في إيران، أحمد شهيد، وأكد فيه معاناة العرب من الاضطهاد والقمع والتمييز. وذكر التقرير أن السلطات اعتقلت نحو 1000 أحوازي خلال أغسطس (آب) 2015 عقب احتجاجات مدنية اندلعت بعد وفاة يونس عساكرة البائع الذي انتحر بعد تعرضه لمضايقات من القوات الأمنية. كما ذكر التقرير أن السلطات اعتقلت 100 أحوازي في الذكرى العاشرة لانتفاضة 2005 السلمية في الأحواز.
وحول معاناة الآذريين ذكر التقرير أنهم يشكلون نسبة 16 في المائة من السكان في إيران، وعلى الرغم من اندماجهم الجيد في المؤسسات فإن السلطات تمنعهم من تعليم لغة الأم وتقمع النشطاء الآذريين، كما قامت بتغيير الأسماء الآذرية بأخرى فارسية، وذكر التقرير أن الحرس الثوري اعتقل 170 ناشطا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بتهمة التحريض على تعلم اللغة الآذرية. كذلك أشار التقرير إلى معاناة البلوش وفقا لتقارير منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان الإيرانية، وتوقف التقرير عند الفقر والحرمان والتهميش المتعمد الذي يعاني منه البلوش في مناطق سكناهم، كما أنهم يواجهون محدودية في الحصول على فرص للمشاركة السياسية والتعليم والعمل والرعاية الصحية والسكن، خاصة أهل السنة الذين يشكلون غالبية البلوش. وأشار التقرير إلى الاعتقالات التعسفية والتعذيب وإصدار الأحكام الجائرة من المحاكم الإيرانية.
ووجه التقرير اتهامات متعددة عن خرق المسؤولين الإيرانيين لحقوق الإنسان، وبدأ بوصف إيران بأنها «جمهورية دينية، في ظل نظام سياسي شيعي، أساسه ولاية الفقيه. وأن رجال الدين الشيعة، وأبرزهم المرشد الأعلى، والقادة السياسيين المدعومين من قبل رجال الدين، يهيمنون على السلطة الأساسية». وبينما قال التقرير إن «آليات الانتخاب الشعبي موجودة داخل بنية الدولة»، أشار إلى «تأثير المرشد الأعلى تأثيرا كبيرا على السلطتين التشريعية والتنفيذية في الحكومة، من خلال مجالس غير منتخبة تقع تحت سلطته». وان المرشد الاعلي «يسيطر على السلطة الدستورية، والسلطة القضائية، ووسائل الإعلام التي تديرها الحكومة، وعلى القوات المسلحة». وأيضا، «يسيطر المرشد الأعلى بشكل غير مباشر على قوى الأمن الداخلي، وغيرها من المؤسسات الرئيسية».
وعن انتخابات عام 2013 التي انتخب فيها الناخبون الرئيس حسن روحاني، قال التقرير إنه «رغم مشاركة شعبية عالية بعد مناقشات مفتوحة» لم تكن الانتخابات «حرة تماما، وذلك لأن كل مرشح كان لا بد أن يخضع لاختبارات وضعتها مؤسسات غير منتخبة». وقال إن «القيود المفروضة على وسائل الإعلام، وسيطرة الدولة على قوات الأمن، وقمع المظاهرات.. أثر على حرية الاختيار». وأشار التقرير إلى أن أهم مشكلات حقوق الإنسان هي «القيود المتشددة على الحريات المدنية. بما في ذلك حرية التجمع، وتأسيس الجمعيات، وحرية التعبير (بما في ذلك عن طريق الإنترنت)، وحريات الأديان، والصحافة». وأشار التقرير إلى وضع «قيود على قدرة المواطنين على اختيار الحكومة اختيارا سلميا من خلال انتخابات حرة ونزيهة». وأشار أيضا إلى «سوء استخدام الإجراءات القانونية النزيهة»، وإلى «تصاعد استخدام عقوبة الإعدام على الجرائم التي لا تعتبر من أخطر الجرائم، أو التي يرتكبها مذنبون صغار في السن».
وأشار التقرير إلى «عدم احترام السلامة الجسدية للأشخاص الذين تعتقلهم الشرطة، وانتشار الاعتقال التعسفي، وغير القانوني، والتعذيب، والقتل، والاختفاء، والمعاملة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة، بما في ذلك بتر أعضاء جسدية، والجلد». وتحدث التقرير عن «العنف ذي الدوافع السياسية، والقمع السياسي، وسوء الأوضاع في مراكز الاحتجاز، وفي السجون». وأشار إلى «استمرار الإفلات من العقاب لقوات الأمن»، و«عدم وجود سلطة قضائية مستقلة»، وإلى «القيود الشديدة المفروضة على الحرية الأكاديمية، والمفروضة على حرية التنقل، والفساد الرسمي، وانعدام الشفافية الحكومية». وقال التقرير: «اتخذت حكومة إيران خطوات قليلة للتحقيق ومقاضاة، ومعاقبة، أو محاسبة المسؤولين، سواء في الأجهزة الأمنية، أو في أي موقع آخر في الحكومة، الذين ارتكبوا انتهاكات». لهذا «يظل الإفلات من العقاب هو السائد في جميع مستويات قوة الحكومة والأمن».
وأدانت الولايات المتحدة في تقريرها السنوي حول وضع حقوق الإنسان في العالم، أمس الخميس، تصاعد كراهية الإسلام ومعاداة اليهود في فرنسا وأعمال العنف التي تقوم بها الشرطة الفرنسية ضد المهاجرين والانتهاكات الجنسية للجنود الفرنسيين في أفريقيا.
ورسم التقرير صورة قاتمة لأوضاع حقوق الإنسان في بعض الدول الحليفة، وقال التقرير الذي قدمه وزير الخارجية الأميركي جون كيري إن وزارة الخارجية الأميركية لاحظت العام الماضي «وقوع عدد متزايد من حوادث معاداة السامية وكراهية المسلمين في فرنسا». وأضاف التقرير نقلا عن مرصد كراهية الإسلام في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أن عدد الشتائم والاعتداءات التي استهدفت مسلمين أو مساجد ارتفع بنسبة 281 في المائة في الأشهر الستة الأولى من 2015، بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام 2014. وتابع نقلا عن الحكومة الفرنسية أيضا أن الأعمال المعادية للمسلمين في فرنسا ارتفعت بمقدار ثلاثة أضعاف على مدى عام.
وأدانت الخارجية الأميركية أيضا عمليات «طرد المخيمات غير الشرعية لغجر الروما» والحوادث التي «أفرطت فيها» الشرطة الفرنسية في استخدام القوة، سواء لتوقيف «المهاجرين أو طالبي اللجوء أو ضدهم». وأضافت أن الشرطة الفرنسية «ضربت مهاجرين وطالبي لجوء في مرفا كاليه واستخدمت غازا مسيلا للدموع ضدهم». كما نددت «بالادعاءات التي تتمتع بالصدق حول انتهاكات جنسية ضد أطفال ارتكبتها القوات الفرنسية لحفظ السلام في أفريقيا». وأخيرا انتقد التقرير الأميركي اكتظاظ السجون الفرنسية، وسوء الظروف الصحية فيها، وأعمال العنف ضد النساء وتهريب البشر والتمييز بسبب الجنس أو الإعاقة أو الجنسية.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.