ما أسرار نجاح «الصناديق السيادية»؟

«الشرق الأوسط» تحلل أبرز تجاربها العالمية

ما أسرار نجاح «الصناديق السيادية»؟
TT

ما أسرار نجاح «الصناديق السيادية»؟

ما أسرار نجاح «الصناديق السيادية»؟

تسعى المملكة العربية السعودية لتنويع اقتصادها، عن طريق خلق «أكبر صندوق سيادي في العالم»، والذي سيتحكم في أكثر من تريليوني دولار. وقال ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في مقابلته التي أثارت ضجة عالمية مع بلومبيرغ، إن ما تبقى الآن هو تنويع الاستثمارات، فخلال 20 عاما سيكون الاقتصاد السعودي لا يعتمد على النفط بشكل رئيسي.
وفتحت تلك التصريحات أبوابا واسعة للتساؤلات حول مفهوم «الصناديق السيادية»، ومغزاها، واستثماراتها، وفوائدها الاقتصادية.. إلى جانب كيفية الاستفادة القصوى من هذه الصناديق، استرشادا بتجارب الصناديق العملاقة حول العالم. وفيما يلي تحاول «الشرق الأوسط» الإجابة عن كل هذه التساؤلات والنقاط.
بالمفاهيم الاقتصادية، تعد صناديق الثروة السيادية هي صناديق مملوكة من قبل الدولة أو المؤسسات الكبرى، وتستثمر في العقارات والأصول المالية كالأسهم والسندات وصناديق التحوط وصناديق الأسهم الخاصة. ويتم تمويل معظم صناديق الثروة السيادية من عائدات صادرات السلع الأساسية، أو من احتياطات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية.
ومنذ وقت مبكر في بداية الألفية، اتسعت دائرة الصناديق السيادية حتى عام 2014 بما يقدر بتسعة أضعاف، فأصبحت موضع اهتمام كبير. وكان 48 في المائة من صناديق الثروة موجودا بالفعل منذ أكثر من عقد من الزمان (10 سنوات)، ويدير 52 في المائة من الصناديق حول العالم مديرون خارجون «محترفون».
وبلغ إجمالي الأصول المدارة للصناديق السيادية، التي وصلت 39 صندوقا في عام 2002. ما يقرب من 650 مليار دولار، تنامت حتى بلغت 5.5 تريليون دولار حتى عام 2014. وهو ما يشكل معدل نمو سنوي مركب يقرب من 20 في المائة.
لكن التحليل الكلي للصناديق السيادية لا يعد أمرا واضحا لعدة أسباب، أهمها تنوع الصناديق والسرية المتبعة غالبا في أكبر الصناديق حول العالم.
* أبرز المجالات الاستثمارية
تمتلك 46 دولة صناديق سيادية، بعضها يمتلك صندوقا واحدا على الأقل، بإجمالي يبلغ 73 صندوقا. وبلغ إجمالي استثمارات هذه الصناديق 7.088 تريليون دولار في عام 2015، منها استثمارات في مجال النفط والغاز بلغت ما يقرب من 4.042 تريليون دولار، وفقا لتقرير مؤسسة صناديق الثروة السيادية الصادر بنهاية العام الماضي.
وتزايدت الصناديق السيادية في العدد ورأس المال خلال السنوات الثلاث بين 2013 إلى 2015 بنحو 71 في المائة، وزاد عدد الدول المالكة بنحو 11 دولة في تلك الفترة.
وحول أنشطة الصناديق التفصيلية، بعيدا عن النفط والغاز، تستثمر 58 في المائة من تلك الصناديق في مجالات البنية التحتية الاقتصادية، فيما تستثمر 44 في المائة منها في استثمارات خدمية اجتماعية (مستشفيات ومدارس)، و86 في المائة في استثمارات في أدوات الدخل الثابت، و81 في المائة منها تستثمر في الأسهم العامة.
أيضا، تستثمر 70 في المائة من الصناديق في واحدة على الأقل من قطاعات أو مجالات «الأصول البديلة»، والتي تتمثل أفضلها في العقارات ومشروعات البنية التحتية.
* التوزيع الجغرافي
ووفقا لتوزيع الأصول للصناديق السيادية، تمتلك آسيا أكبر قيمة إجمالية للصناديق بنحو 2.746 تريليون دولار، ثم الشرق الأوسط بنحو 1.977 تريليون دولار، ثم أوروبا بنحو 1.040 تريليون دولار، ثم أميركا الشمالية 219 مليار دولار فقط، ثم أفريقيا 150 مليار دولار، ثم أستراليا 104 مليارات دولار، وأخيرا أميركا الجنوبية بمبلغ يقدر بنحو 72 مليار دولار.
* آليات حاكمة
وتتغير البيئة الاستثمارية لصناديق الثروة وفقًا لتغيرات المشهد الاقتصادي، مثل برامج التخفيف الكمي، وانخفاض النمو في كثير من المناطق، وتحديات الاقتصاد الكلي لصناديق الثورة السيادية.
* أبرز صناديق العالم
ويعد أكبر صندوق سيادي في العالم - حتى الآن - هو صندوق التقاعد الحكومي النرويجي الذي بلغت قيمته 853.6 مليار دولار، وهو يستثمر في قطاع النفط، ويبلغ فيه نصيب الفرد من الثروة نحو 174 ألف دولار، وهو حاصل قسمة قيمة الصندوق على عدد المواطنين. وحصل الصندوق على درجة 10 من 10 في تقيم الشفافية.
أما ثاني أكبر صندوق على المستوى العالمي، فهو صندوق هيئة استثمار أبوظبي، وهو صندوق حكومي يمول من عائدات النفط، وهو أكبر صندوق سيادي في الشرق الأوسط، وقدر بنحو 773 مليار دولار، ليبلغ نصيب الفرد من الثروة نحو 839 ألف دولار، وحصل على 6 من أصل 10 في تقييم الشفافية.
أما المركز الثالث، فاحتله صندوق مؤسسة الاستثمار الصينية بنحو 746.7 مليار دولار، ويمول الصندوق من احتياطي النقد الأجنبي الصيني، ويبلغ نصيب الفرد 484 دولارا، وحصل الصندوق على 8 من أصل 10 في تقييم الشفافية.
والمركز الرابع لصندوق المركزي السعودي بنحو 617.8 مليار دولار، ويمول الصندوق من الاحتياطي الأجنبي لدى المملكة. وأسست مؤسسة النقد السعودي (البنك المركزي) في عهد الملك عبد العزيز آل سعود، أما الصندوق فقد تم إنشاؤه في يونيو (حزيران) 1986 في عهد الملك فهد بن العزيز. وأرباح الصندوق تأتي في غالبها من تصدير النفط الخام.
وتمتلك المملكة صندوقا آخر أنشئ في عام 2008، أطلق عليه صندوق الأصول العامة، لتسهيل حركة التنمية في اقتصاد المملكة بإجمالي 5.3 مليار دولار، ليبلغ نصيب الفرد نحو 181 ألف دولار.
وجاء صندوق هيئة العامة للاستثمار الكويتية في المرتبة الخامسة، بإجمالي 592 مليار دولار، ويستثمر الصندوق في الأسواق المحلية والعالمية. والمكتب الرئيسي للصندوق في العاصمة الكويت، في حين يمتلك مكاتب أخرى في بكين ولندن، ويبلغ نصيب الفرد من الثورة نحو 162 ألف دولار.
* «السيادية» و«التحوط»
صناديق التحوط هي أحد منافذ الاستثمارات البديلة التي تلجأ إليها الصناديق السيادية، لكن صناديق التحوط تسمح للمستثمرين الأفراد والمؤسسات بالاستثمار فيها، ما خلق نوعا من الارتباك حول ضرورة وجود «آليات ضابطة» لتلك العمليات.
وتوصل أهم نقاش في المنتدى الدولي لصناديق الثروة السيادية في مارس (آذار) الماضي إلى اتفاق مشترك مع جمعية صناديق التحوط من أجل تحقيق معايير حوكمة أفضل في صناعة الاستثمارات البديلة.
* أرباح الربع الأول من 2016
قاد انخفاض أسعار النفط عالميا إلى تراجع في أرباح صناديق الثروة السيادية، فقد حققت تراجعا بنحو 17 في المائة، مقارنة بالربع الرابع من عام 2015، بإجمالي خسائر بلغت 19.2 مليار دولار.
وأظهر تقرير مؤسسة طومسون رويترز، أن صناديق الثروة السيادية التي تستثمر في إيرادات النفط والسلع الأخرى للأجيال القادمة قد شاركت في 46 صفقة خلال الربع الأول، بانخفاض خمس صفقات مقارنة بالربع السابق.
ويرى خبراء استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم أن هذه الخسائر «لا تمثل تدهورا لهذا النوع من الاستثمار».
وقال إليوت هنتوف، رئيس قسم السياسات والبحوث في «ستات ستريت غلوبال للاستشارات»، في تصريح سابق إن «عدد الصفقات لا يدل على القيمة أو الربح من الصفقة، والتي يمكن أن تنقلب تماما اعتمادا على عروض الصفقة».
وما زالت أكبر صفقة لهذا العام معلقة، وهي تلك الخاصة بالموانئ الأسترالية وخطوط السكك الحديدية «آشيانو ليمتد»، بقيمة إجمالية بلغت 9.5 مليار دولار، والتي ستشهد تقسيم العمل إلى وحدتين.
ويرى سفين برندت، العضو المنتدب لمؤسسة جيو إيكونوميكا، وهي شركة للاستشارات المالية مقرها جنيف، أن «صناديق الثروة لا تزال منخرطة بالأسواق العالمية رغم انخفاض أسعار النفط وتراجع الإيرادات.. فما زال على تلك الصناديق تنويع محافظهم الاستثمارية».
وفي الوقت الذي تعلن فيه المملكة عن خططها التوسعية لتدشين «أضخم صندوق سيادي في العالم» لعصر ما بعد النفط، عدلت الصناديق القائمة من اتجاهاتها الاستثمارية، خاصة في قطاع النفط.. بما فيها صندوق المعاشات النرويجي، الذي توجه إلى قطاع العقارات، وهو ما يؤكده هنتوف بأن هناك التزاما للاستثمار طويل الأجل.



أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
TT

أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)

انخفضت أسعار النفط، خلال تعاملات جلسة الاثنين، بداية تعاملات الأسبوع، مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بذل جهود عالمية لتأمين مضيق هرمز.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 92 سنتاً لتصل إلى 102.22 دولار للبرميل بحلول الساعة 12:48 بتوقيت غرينتش، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.45 دولار، أو 3.5 في المائة، ليصل إلى 95.26 دولار.

وارتفع كلا العقدين بأكثر من 40 في المائة هذا الشهر، مسجلين أعلى مستوياتهما منذ عام 2022، بعد أن دفعت الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى وقف الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

وذكر مصدران، وفقاً لـ«رويترز»، أن إنتاج الإمارات العربية المتحدة اليومي من النفط انخفض بأكثر من النصف؛ حيث أجبر الصراع الإيراني والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز شركة النفط الحكومية العملاقة أدنوك على تنفيذ عمليات إيقاف واسعة النطاق للإنتاج.

وأفاد مصدران آخران باستئناف بعض عمليات الشحن في ميناء الفجيرة، وأشار أحدهما إلى أن اثنين من مراسي الميناء الثلاثة ذات النقطة الواحدة، التي ترسو فيها السفن، يعملان بكامل طاقتهما.

وذلك بعد تعليق «أدنوك» عمليات تحميل النفط الخام في ميناء الفجيرة بالإمارات، بعد أن تسبب هجوم بطائرة مسيرة في اندلاع حرائق في محطة التصدير الرئيسية.

وتعد الفجيرة، الواقعة خارج مضيق هرمز، منفذاً لنحو مليون برميل يومياً من خام مربان، وهو النفط الرئيسي للإمارات، أي ما يعادل نحو 1 في المائة من الطلب العالمي.

وصرحت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، خلال مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، يوم الاثنين، بأن الرئيس دونالد ترمب يجري محادثات مع الحلفاء الأوروبيين والعديد من الدول الأخرى بشأن فتح مضيق هرمز.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين أيضاً، إن بريطانيا لن تنجر إلى حرب أوسع نطاقاً مع إيران، لكنها ستعمل مع الحلفاء على خطة «قابلة للتطبيق» لإعادة فتح مضيق هرمز.

وصرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لشبكة «سي إن بي سي» بأن وزارة الخزانة لم تتدخل في أسواق النفط، وأن أي إجراء أميركي للحد من ارتفاع الأسعار سيعتمد على مدة الحرب.

وقالت وكالة الطاقة الدولية، يوم الخميس، إن الحرب في الشرق الأوسط تتسبب في أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ؛ حيث خفضت دول منتجة رئيسية للنفط، مثل السعودية والعراق والإمارات، إنتاجها.

ويوم الأحد، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن أكثر من 400 مليون برميل من احتياطيات النفط ستبدأ بالتدفق إلى السوق قريباً من دول مجموعة السبع بالتنسيق، في سحب قياسي يهدف إلى مكافحة ارتفاع الأسعار الناجم عن حرب الشرق الأوسط.

ويرى المحلل تاماس فارغا من شركة «بي في إم» أن المستثمرين يدركون أن عواقب نزاع مطوّل ستكون وخيمة، لا سيما مع استنزاف المخزونات بشكل مطرد، في ظل الأضرار الجسيمة التي لحقت بالإنتاج والصادرات والتكرير جراء أسبوعين فقط من الاضطرابات في مضيق هرمز.


الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

بدأ الاقتصاد الصيني العام على أسس أكثر صلابة، مع تسارع وتيرة الإنتاج الصناعي، وانتعاش مبيعات التجزئة والاستثمار في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، مما وفر ارتياحاً مبكراً لصناع السياسات، في ظل ما تُضفيه الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران من حالة عدم يقين جديدة بشأن النمو.

وجاءت هذه المرونة في أعقاب طفرة في الصادرات مدفوعة بالطلب المتزايد على التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والذي دعم أيضاً قطاع التصنيع، على الرغم من تحذير المحللين من مخاطر التوترات الجيوسياسية، وهشاشة ثقة المستهلك، والضغوط في أسواق التجارة والطاقة العالمية على التوقعات.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء، الصادرة يوم الاثنين، ارتفاع الإنتاج الصناعي بنسبة 6.3 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً نسبة النمو المسجلة في ديسمبر (كانون الأول)، والبالغة 5.2 في المائة. وقد تجاوز هذا النمو توقعات استطلاع أجرته «رويترز» والتي أشارت إلى نمو بنسبة 5 في المائة، مسجلاً بذلك أسرع نمو منذ سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.

وقال هاو تشو، كبير الاقتصاديين في شركة «غوتاي جونان» الدولية: «على الرغم من ازدياد المخاطر التي تهدد التوقعات، وسط التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي تشهدها أسواق التجارة والطاقة العالمية، تشير أحدث الأرقام إلى أن الصين دخلت العام بقاعدة نمو أقوى مما كان يُعتقد سابقاً».

وقفزت مبيعات التجزئة -وهي مؤشر على الاستهلاك- بنسبة 2.8 في المائة، متسارعة من وتيرة 0.9 في المائة المسجلة في ديسمبر، محققة بذلك أكبر زيادة لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

وكان المحللون قد توقعوا نمواً بنسبة 2.5 في المائة. ويعود هذا الزخم القوي جزئياً إلى طول عطلة رأس السنة القمرية في البلاد خلال شهر فبراير، وساهمت الاحتفالات في رفع إجمالي الإنفاق السياحي بنسبة تقارب 19 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، والتي كانت أقصر بيوم واحد.

ولكن الإنفاق السياحي الداخلي لكل رحلة انخفض بنسبة 0.2 في المائة، مما يشير إلى استمرار حذر المستهلكين. وعلى سبيل المثال، أظهرت بيانات صدرت مطلع الأسبوع الماضي انخفاض مبيعات سيارات الركاب محلياً بنسبة 26 في المائة خلال الشهرين الأولين.

وتجمع الصين بيانات شهرَي يناير وفبراير لتخفيف حدة التشوهات الناتجة عن عطلات الأعياد التي قد تقع في أي من الشهرين.

انتعاش غير متوقع للاستثمار

وقدمت بيانات يوم الاثنين مؤشراً مشجعاً آخر لصناع السياسات؛ حيث خفف الانتعاش غير المتوقع في الاستثمار من حدة التحدي المتمثل في التراجع المطول في قطاع العقارات الحيوي.

وارتفع الاستثمار في الأصول الثابتة الذي يشمل الاستثمار في العقارات والبنية التحتية، بنسبة 1.8 في المائة خلال الشهرين الأولين، متجاوزاً التوقعات بانخفاض قدره 2.1 في المائة بعد انكماشه بنسبة 3.8 في المائة في عام 2025، وهو أول انخفاض سنوي له منذ نحو 3 عقود.

وقاد الاستثمار في البنية التحتية هذا الانتعاش، مسجلاً نمواً بنسبة 11.4 في المائة، مع بدء تأثير الدعم الحكومي، بما في ذلك أداة تمويل جديدة من البنوك لتمويل المشاريع الرئيسية. ورغم أن البيانات الإجمالية تُظهر بعض الزخم الإيجابي، فإنها لا تزال تشير إلى فجوة واسعة بين الطلب الخارجي القوي وضعف استهلاك الأسر، وهو ما يحذر المحللون من أنه قد يعيق آفاق النمو الصيني على المدى الطويل.

وقال تشاوبينغ شينغ، كبير استراتيجيي الصين في بنك «إيه إن زد»: «لا يمكن استبعاد استمرار تعرض بيانات الطلب المحلي في مارس (آذار) لضغوط نزولية»، مضيفاً أن البيانات الإجمالية لا تدعم خفض أسعار الفائدة على المدى القريب.

وأشارت بيانات الإقراض الصادرة الأسبوع الماضي إلى استمرار تراجع اقتراض الأسر. كما أظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن معدل البطالة على مستوى البلاد -وفقاً للمسح- ارتفع إلى 5.3 في المائة في أول شهرين من العام، مقارنة بـ5.1 في المائة في ديسمبر، وهو ما يثير القلق بشأن توليد الدخل.

وقال خريج جامعي يُدعى باي، متخصص في التعليم، في أثناء حضوره معرضاً للتوظيف في بكين: «لا تزال سوق العمل الحالية مليئة بالتحديات، ويصعب العثور على وظائف».

وفي الاجتماع السنوي للبرلمان الذي اختُتم الأسبوع الماضي، حدد صناع السياسات هدف النمو الاقتصادي لهذا العام بنسبة تتراوح بين 4.5 في المائة و5 في المائة، بانخفاض عن هدف العام الماضي الذي كان نحو 5 في المائة. وقد تحقق هذا الهدف في عام 2025 بفضل فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، مما زاد من قلق شركاء الصين التجاريين.

ويقول المحللون إن الصين تواجه تحديات كبيرة في سعيها لتحقيق نمو مستدام طويل الأجل. وبينما تعهدت الحكومة بارتفاع «ملحوظ» في استهلاك الأسر، فقد أوضحت إجراءات محدودة تشير إلى توجه نحو إصلاحات جذرية في جانب الطلب.

ويُضيف الصراع في الشرق الأوسط مزيداً من عدم اليقين؛ إذ يُؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، مما يزيد من أهمية زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين في أواخر مارس الجاري للقاء الرئيس شي جينبينغ.

وصرَّح فو لينغ هوي، المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاء، في مؤتمر صحافي، يوم الاثنين، بأن حرب الشرق الأوسط قد فاقمت تقلبات أسعار النفط واضطرابات السوق، ولكن إمدادات الطاقة الإجمالية للصين من شأنها أن تُساعد في تخفيف الصدمات الخارجية. وأضاف أن تأثير الصراع على الأسعار المحلية سيتطلب مزيداً من التدقيق.

وعلَّق تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول، بالقول: «من المتوقع أن تظهر آثار الاضطرابات في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة... وأتوقع أن يستجيب صناع السياسات من خلال السياسة المالية إذا لزم الأمر».


اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية حول مضيق هرمز، برزت محاولات إيران لربط عبور شحنات الطاقة بالدفع بعملات غير الدولار خطوةً تكتيكية تهدف إلى الضغط على مراكز القوى الدولية. وعلى الرغم من أن هذا التوجه لا يمثل حتى الآن «حرب عملات» معلنة، فإنه يسلط الضوء على تزايد المساعي الدولية لتقليل الاعتماد على العملة الأميركية في أسواق الطاقة.

يأتي ذلك في وقت يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بتحالف دولي لتأمين مضيق هرمز، مشككاً في استعداد إيران للتفاوض، في حين يبدو باب الدبلوماسية حتى الآن مغلقاً، مع بداية اليوم السابع عشر من الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران.

وبينما نفى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أي تحركات حول طلب التفاوض أو وقف إطلاق النار، حذر ترمب من أن حلف شمال ‌الأطلسي (ناتو) يواجه مستقبلاً «سيئاً ‌للغاية» إذا ‌تقاعس ⁠حلفاء الولايات المتحدة ⁠في مد يد العون بشأن فتح مضيق هرمز، على الرغم من استمرار تل أبيب في ضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية حتى كتابة هذه السطور.

إزاحة الدولار

يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن التحولات في أسواق الطاقة تعكس توجهاً عالمياً أوسع نحو «تنوع العملات» في المعاملات الدولية. وفي تعليقه لـ«الشرق الأوسط» على المقترح الإيراني، يشير بن صقر إلى أن هذا التحرك يعبر عن رغبة متزايدة في استكشاف بدائل نقدية في ظل المتغيرات الجيوسياسية؛ ما يسرع من وتيرة النقاش العالمي حول استقرار العملات المستخدمة في تجارة الطاقة.

ويؤكد بن صقر أن هذا التوجه يندرج ضمن مسار «إعادة هيكلة» تدريجية لنظام المعاملات العالمي، خاصة مع زيادة اعتماد القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين وروسيا، على عملاتها الوطنية في اتفاقياتها التجارية الثنائية.

ويرى أن انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال العقد الأخير - من 65.3 في المائة في 2016 إلى 59.3 في المائة في 2024 - يشير إلى تحول تدريجي، ويعكس توجه الدول نحو إدارة المخاطر الجيوسياسية والبحث عن خيارات اقتصادية أكثر مرونة، وهو ما يُعدّ تطوراً طبيعياً في هيكل النظام المالي العالمي المتجه نحو التعددية النقدية.

وفي قراءته لدور الصين وروسيا في ذلك، يرى بن صقر أن كلا البلدين يروج لعملته، حيث تعمل الصين على ذلك، من خلال مبادرة الحزام والطريق، بينما تعمل روسيا على ذلك، من خلال اتفاقيات التجارة الثنائية.

مضخة نفط في حقل نفط مهجور في سارجينتيس دي لا لورا بالقرب من بورغوس شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

تأثير رمزي

على الجانب الآخر، يرى مدير مركز «فيجن» الدولي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور سعيد سلّام، أن تأثير المطالبة الإيرانية محدود «عملياً» على المدى القريب، لكنه يحمل ثقلاً «رمزياً» استراتيجياً طويل الأمد.

وقال سلّام، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن التأثير على أسواق الطاقة يزيد التقلبات وعدم اليقين، مع تعقيد الصفقات بسبب نقص سيولة اليوان، إضافة إلى ارتفاع التأمين البحري، وتكاليف النقل بنسبة 20 - 30 في المائة عبر طرق بديلة.

وأوضح أن هذه الخطوة تزيد من حالة عدم اليقين والتقلبات في الأسواق؛ فبدلاً من الاستقرار، قد تنشأ سوق نفط منقسمة، حيث تُدفع كميات محدودة باليوان للصين عبر هرمز، في حين تُعاد توجيه الكميات المتبقية عبر طرق بديلة باهظة التكلفة؛ ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز والأسمدة والمواد الغذائية، وهو ما قد يهدد بدفع الاقتصاديات الآسيوية والأوروبية نحو الركود.

استراتيجية الصين

ويوضح سلّام أن بكين، رغم طموحها لتعزيز اليوان، تتبنى استراتيجية «الموازنة الدقيقة»؛ فهي تقبل صفقات محدودة لتأمين وارداتها النفطية، لكنها ترفض أي تصعيد يهدد استقرار المضيق الذي تعبر منه 40 في المائة من وارداتها.

في المقابل، توظف موسكو المقترح الإيراني «رمزياً» ضمن إطار «بريكس» لإحراج واشنطن وتمويل أجندتها الدفاعية، رغم أن استقرار أسواق الطاقة يظل مصلحة روسية عليا لضمان عوائدها التصديرية.

تاجر عملات يمر أمام شاشة إلكترونية تعرض أسعار خام برنت وخام دبي في غرفة تداول العملات الأجنبية ببنك هانا (أ.ف.ب)

ارتدادات الأزمة

ويرى سلّام أن هذه الضغوط الإيرانية – بين المتوسطة والقوية – تتجاوز حدود المنطقة لتطول مراكز القوى العالمية. أميركياً، يؤدي الربط باليوان إلى إذكاء التضخم ورفع تكاليف الطاقة؛ ما يضع الاقتصاد الأميركي أمام «خطر الركود» في توقيت سياسي حساس، ويُضعف فاعلية سلاسل العقوبات.

أما دولياً، فإن «صدمة الأسعار» الناتجة من اضطراب الإمدادات تهدد الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، كأوروبا واليابان، وتخلق واقعاً نقديّاً منقسماً يزيد من تكاليف التجارة العالمية؛ ما يعزز في المحصلة شعوراً عاماً بتآكل الهيمنة النقدية الأميركية.

ويخلص سلّام إلى أن المطالبة الإيرانية تسرّع رمزياً من وتيرة التحول عن الدولار (De-dollarization)، وتخلق صدمات سعرية واضحة في الأسواق العالمية، إلا أن تأثيرها الفعلي يظل مقيداً بعوائق دبلوماسية وعملية جمّة. ويشدد على أن «جوهر الأزمة» يظل في الإغلاق الفعلي للمضيق وليس في شرط العملة بحد ذاته. ومع ذلك، يظل الدولار يحتفظ بهيمنته الراسخة على تجارة الطاقة العالمية، رغم أن هذا المشهد يبقى رهناً بالتطورات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة التي قد تغير موازين القوى في الأيام المقبلة.