اجتماع باريس يدعم المعارضة.. ويدعو موسكو لإرغام الأسد على احترام المفاوضات

كيري قال إن الأسد «يغرد خارج السرب» ويخرب ما وافق عليه بوتين والإيرانيون

اجتماع باريس أمس الذي جمع وزراء خارجية فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، وألمانيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي لدعم موقف المعارضة في المفاوضات والضغط على وفد النظام لعدم نسف مفاوضات جنيف (إ.ب.أ)
اجتماع باريس أمس الذي جمع وزراء خارجية فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، وألمانيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي لدعم موقف المعارضة في المفاوضات والضغط على وفد النظام لعدم نسف مفاوضات جنيف (إ.ب.أ)
TT

اجتماع باريس يدعم المعارضة.. ويدعو موسكو لإرغام الأسد على احترام المفاوضات

اجتماع باريس أمس الذي جمع وزراء خارجية فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، وألمانيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي لدعم موقف المعارضة في المفاوضات والضغط على وفد النظام لعدم نسف مفاوضات جنيف (إ.ب.أ)
اجتماع باريس أمس الذي جمع وزراء خارجية فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، وألمانيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي لدعم موقف المعارضة في المفاوضات والضغط على وفد النظام لعدم نسف مفاوضات جنيف (إ.ب.أ)

مثلما كان متوقعا من اجتماع باريس السداسي، أمس، فقد أعرب وزراء الخارجية الخمسة «الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا» ونظيرتهم فدريكا موغيريني «وزيرة» خارجية الاتحاد الأوروبي عن «تضامنهم» مع المعارضة السورية المعتدلة التي سعوا إلى شد أزرها قبل انطلاق الجولة الجديدة من محادثات السلام غير المباشرة اليوم في جنيف، كما نددوا بالمواقف الأخيرة للنظام السوري ودعوا راعييه الروسي والإيراني إلى حمله على احترام التعهدات التي التزموا بها، إن في بيان فيينا أو في القرار الدولي رقم 2254.
اجتماع باريس تم بمبادرة من وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت. وبحسب مصادر فرنسية رسمية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أمس، فإن الوزراء الأوروبيين «كانوا راغبين بالاستماع إلى الوزير كيري ليشرح لهم تصوره للمرحلة التي ستنطلق اليوم باعتباره أحد عرابي وقف الأعمال العدائية ولنقل ملاحظاتهم إزاء الأداء الروسي وتصرف النظام، والمطالبة بأن يتم ضم الأوروبيين إلى مجمل المسار وإشراكه في آلية متابعة وقف الأعمال العدائية كطرف له مصالحه وتأثيره».
بيد أن أهم ما خرج به الاجتماع هو تبني مقاربة المعارضة السورية التي تعود إلى جنيف، وهي بحاجة لمن يقف بجانبها بينما ممثلو النظام يعبرون عن مواقف راديكالية من شأنها نسف الجولة الجديدة من المحادثات وتدمير جهود المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا. وفي هذا الخصوص، نال وزير الخارجية السوري وليد المعلم حصته من الانتقادات العنيفة بعد تصريحاته أول من أمس عن «الخطوط الحمراء» ورفضه المطلق مقاربة موضوع الانتخابات الرئاسية ودور الأسد أو حتى الحديث عن «المرحلة الانتقالية» التي برزت أمس في المؤتمر الصحافي للستة في باريس على أنه «واسطة العقد» في المسار السياسي.
وفيما توقع أيرولت أن تكون محادثات جنيف «صعبة»، رأى أن عملية الانتقال السياسي وفق بيان جنيف «2013» والقرار الدولي رقم 2254، ستكون في قلب المحادثات»، مضيفا أن الستة الذين اجتمعوا أمس في باريس «حريصون على ذلك»، وهو ما كرره الوزير كيري حرفيا. لكن الأخير ذهب أبعد من ذلك عندما أطلق تحذيرا واضحا موجها «للنظام وحلفائه»، ومفاده أنه «يتعين على كل الأطراف أن تحترم وقف الأعمال العدائية وأن تبدي التعاون في إيصال المساعدات الإنسانية وأن تحترم مسار المفاوضات الهادفة إلى التوصل إلى عملية انتقال سياسية». وأضاف كيري أنه «إذا كان النظام وحلفاؤه يعتقدون أن بمقدورهم اختبار حدود (صبرنا)، فإنهم يخطئون». بيد أن كيري الذي كان الوحيد مع الوزير أيرولت اللذين تحدثا عن الموضوع السوري، امتنع عن تعريف تصوره لعملية الانتقال السياسية وما ينتظر منها تحديدا. لكن الوزيرين انتقدا بشدة تصريحات المعلم التي اعتبرها أيرولت «استفزازية» وتمثل «مؤشرا سيئا لا يتوافق مع روحية الهدنة» المعمول بها منذ 27 فبراير (شباط) الماضي. أما نظيره كيري، فقد رأى فيها محاولة «لإرباك المسار» التفاوضي.
الواقع أن رهان الغربيين ليس على التزام النظام السوري بما تم التوافق عليه في فيينا أو ميونيخ أو الأمم المتحدة، بل على الراعيين الأساسيين له، وهما روسيا وإيران. ولذا، فإن الوزير كيري أشار إلى تبني موسكو وطهران بياني فيينا وميونيخ والقرار الدولي رقم 2254، وكلها تشير إلى عملية الانتقال السياسي. والمعنى المضمر في كلام الوزير الأميركي أنه يتعين على هاتين العاصمتين حمل الأسد على احترام ما وقعا عليه. كذلك ناشد كيري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «ينظر كيف يتصرف الأسد» فيما خص وقف الأعمال القتالية واحترام الهدنة. وقال كيري: «الرئيس الأسد يغرد خارج السرب ويرسل وزير خارجيته أمس كي يتصرف كمخرب ويسحب من على طاولة (المفاوضات) ما وافق عليه الرئيس بوتين والإيرانيون».
وترى المصادر الأوروبية أن تصريحات المعلم «موجهة للطرف الروسي بقدر ما هي موجهة للمعارضة وللغربيين على السواء»، وأنه يمكن فهمها على أنها رسالة مفادها أن النظام «ما زالت له القدرة على المناورة والتعطيل» وأنه «لا يتعين على أحد أن ينظر إليه على أنه يطيع بصورة عمياء ما يقرره الآخرون عنه». وتضيف هذه المصادر أن وفد النظام يصل إلى جنيف وهو يشعر أن «أمامه هامش من المناورة لكننا سنرى سريعا جدا ما إذا كان يناور ليحصل على تنازلات من الطرف المقابل، أم أن مواقفه هذه نهائية وعندها علينا أن نراقب ما سيصدر عن موسكو بالدرجة الأولى».
ورغم المساندة السياسية التي صدرت عن الوزراء الستة أمس للمعارضة المعتدلة ولمطالبتها بعملية الانتقال السياسي، فإن أحدا من المؤتمرين لم يتبن علنا مطالبتها بتنحي الأسد عن السلطة مع بدء المرحلة الانتقالية. وجل ما جاء في هذا الخصوص، هو إشارة كيري السريعة إلى الحاجة إلى انتخابات رئاسية «في لحظة معينة» لا أحد يعرف متى ستحل.
واضح أن اجتماع باريس لم يخرج بمقررات ثورية من شأنها قلب الوضع في سوريا أو على طاولة المفاوضات رأسا على عقب. لكن المهم فيها، كما تقول مصادر رافقت أمس ما حصل في باريس، أنه «أعاد إبراز جبهة غربية واحدة داعمة للمعارضة السورية وضاغطة سياسيا على النظام وعلى الراعي الروسي، فضلا عن أنه شدد على ضرورة الاحترام الكامل للهدنة ولإيصال المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق المحاصرة أو المعزولة بلا عوائق». وأشار الوزير أيرولت إلى أن الغربيين «سيضغطون مجددا كلما دعت الحاجة». لكن السؤال الذي لا بد أن يطرح هو التالي: هل يمكن أن يفضي هذا الضغط إلى شيء؟
يبدو أن الوزير المعلم عندما استبق اجتماع باريس ومحادثات جنيف أراد أن يضع النقاط على الحروف بشكل لا يقبل التأويل أو التفسير، عندما أعلن أن المعارضة «ستكون واهمة إذا ما اعتبرت أنها ستحصل في جنيف ما لم تستطع انتزاعه في ميدان المعارك». والترجمة المباشرة لكلام المعلم هي أن مجرى المفاوضات يعكس ما يحصل ميدانيا لا أكثر ولا أقل. ولذا، من الواضح أن الرد السياسي الذي أفرزه اجتماع الوزراء الستة الذين اجتمعوا في باريس أمس، لن يكون كافيا، بل يتعين التفكير في ردود أنجع يمكن أن يفهمها النظام. ولا يكفي من هذا المنظور أن يشير كيري إلى «الإنجازات» التي حققها التحالف الدولي ضد «داعش»، حيث أشار إلى خسارته 40 في المائة من الأراضي التي احتلها في العراق و20 في المائة في سوريا ومقتل 600 من مقاتليه.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.