لم يعد من شاغل لطرابلس غير «المرآب» الذي اتخذ قرار أن يكون مكانه وسط المدينة، وتحت ساحة التل. وهي الفسحة الوحيدة المتبقية للأهالي بعد أن أكل الباطون جماليات الفيحاء، ما يجابه بمعارضة شعبية، وشبه توافق بين السياسيين.
المعتصمون في الساحة منذ الخميس الماضي، يتأكلهم الغضب. يقضون النهار تحت سقيفة تقيهم أشعة الشمس، وفي الليل يبيتون يومهم في الخيام التي نصبوها، خشية أن تغدر بهم جرافات المتعهد الذي تم تلزيمه المشروع، وتبدأ الحفر. يتحدث المعتصمون، عن صفقات، وسمسرات، وأحابيل تحاك في الخفاء. يسأل أحدهم: «يظنون أنهم حلوا كل مشكلات المدينة، ولم يعد عندنا من مطلب غير موقف للسيارات؟ يريدون دفن 20 مليون دولار تحت الأرض، والناس تموت جوعًا». يرد آخر: «سياسيو طرابلس تقاتلوا فيما بينهم طوال ست سنوات، واتفقوا فقط على موقف للسيارات». النقاشات بين المعتصمين والمارة لا تتوقف، أحد الواقفين يطالب بمساكن شعبية، لأن «آلاف البنات من دون زواج، والشبان لا يجدون مسكنًا، فليبنوا بالعشرين مليون دولار بيوتًا للعازبين».
تدهشك المعلومات التي جمعها بعض الموجودين هنا، ممن يظهر عليهم رقة الحال. ثمة إحساس بأنه بلغ السيل الزبى، يعدّون لك كل المشاريع التي قيل بأنها لإنماء طرابلس وفشلت، وكأنما هذا المرأب، فجر نقمة عمرها سنوات. يقول مجدي عمري من «لجنة تنسيق التحرك ضد المرأب» التي تضم هيئات وجمعيات المجتمع المدني المعارضة: «المتعهد الأول أخذ المشروع بعشرين مليون دولار، وأوكله إلى آخر بمبلغ 11 مليونا. يعني أن 9 ملايين اختلست قبل البدء بالمشروع». تساؤلات أيضا عن الرمال التي ستخرج من باطن الأرض. «التربة هنا –يقول أحدهم - وبعد الحفر، بعض البيوت القديمة من الممكن أن تتصدع، والرمال المستخرجة ستباع بما يقارب ثلاثة ملايين دولار، لمن ستذهب العائدات؟» يهزأ أحد المعتصمين: «المهندسون يقولون: إن المياه موجودة في الساحة على عمق 19 مترًا، أي أن المتعهد سرعان ما سيطالب بمضاعفة المبلغ، لسحب المياه وإكمال العمل». مجدي عمري يقول: «البلدية لا تستطيع أن تحمي فتاة تمر في المنشية الصغيرة المجاورة، فمن سيحمي امرأة تركن سيارتها في الطابق الرابع تحت الأرض؟ لم تتمكن البلدية بعد صيانة الساعة العثمانية وسط التل، من دفع 300 دولار لإصلاحها ميكانيكيًا، وها هي متوقفة، من سيدير مرأبا من أربع طبقات، وينظم أوضاعه؟».
مشروع المرأب، فكرة قديمة موجودة في الأدراج، منذ ما يقارب 15 سنة، أقرها مجلس الوزراء، وأحالها إلى مجلس الإنماء والإعمار لتنفيذها، بعد أن وافقت حكومة الرئيس ميقاتي على 100 مليون دولار لإنماء طرابلس، سيقطع منها ما هو مرصود للمرأب. ومنذ نحو السنة –تروي ريان كمون، من لجنة متابعة مشاريع طرابلس - اجتمع المجلس البلدي، ورفض المشروع، ليعود ويجتمع بعد 72 ساعة، وهي مهلة غير قانونية، لا ندري، ما الذي حصل خلالها، لتعود الغالبية وتقره، متمنية على مجلس الإنماء والإعمار تزويدها بمخطط توجيهي، وهو ما لم يحدث. أي أنه ليس هناك، لغاية الآن، دراسة علمية حول جدوى المشروع ولا مدى ملاءمته للمنطقة الأثرية، أو صورة متكاملة حول ما يراد الوصول إليه من أهداف تنموية لطرابلس القديمة. كفانا مشاريع عشوائية. أحد المعتصمين يقول: «قدموا لنا صور فوتوشوب ليضحكوا علينا، أنجزوها في عدة أيام. نحن لسنا بلهاء، الدراسة تستلزم شهورًا».
تتحدث ريان كمون عن رفض من قبل البلدية ومهندس المشروع لإعطاء أي توضيحات «ليقال: إننا نرفض وليس لدينا معلومات، إذن زودونا بما نسألكم عنه. طلبنا خرائط المشروع رفضت البلدية وعرضت علينا خرائط قديمة. سألنا المهندس المسؤول، لم يعطنا سوى فتاتا. هناك غموض مريب. حتى الكلفة تتحرك صعودًا وهبوطًا في البدء قالوا عشرين مليونا والآن انخفضت إلى 11 مليونا. وبدل المخطط التوجيهي صاروا يتحدثون عن مخطط جمالي أي القليل من الأشجار، ودهن للحيطان، وأنا مهندسة معمارية وأعلم الفرق بين المخططين».
لجنة التنسيق ضد المرأب، تضم مهندسين ومحامين وصحافيين، وخبراء من مختلف الاختصاصات وتقدمت بشكوى ضد مخالفات قامت بها البلدية وتنتظر الرد. وتقول الناشطة المهندسة كمون، بأن المواجهة الأولى جاءت في الخامس من هذا الشهر. كان ذلك فجر الأحد. علمنا في وقت متأخر من الليل، أنهم سينتهزون يوم العطلة ليبدأوا مشروعهم «كنا أربع نساء نرابط على الساحة خشية أن يأتوا بآلياتهم ويبدأوا العمل، وحين ذهبنا لنتناول الفطور عند الخامسة والنصف صباحًا، غافلنا المتعهد وبدأ بوضع السياج فجئنا، على عجل واقتلعناها، واتصلنا بالمتضامين الذين حضروا فورًا. يوم الخميس الماضي، أعلن محافظ الشمال رمزي نهرا أن العمل سيبدأ بمؤازرة الجيش والقوى الأمنية. تجمع آلاف الناشطين والمحتجين، ولم يأت المتعهد خشية الاصطدام بالأهالي. من حينها والمعتصمون في الساحة، يقولون: إنهم باقون حتى تعلن بلدية طرابلس أنها سحبت المشروع أو جمدته، وتنتظر أن تتم الانتخابات البلدية المقبلة بعد شهرين، والمجلس المقبل هو الذي يقرر. كمون تتهم المجلس الحالي، بأنه يريد تمرير المشروع مستفيدًا من الوقت القصير المتبقي له. ثمة تبادل اتهامات بين مناصرين لـ«تيار المستقبل»، ومناصرين آخرين للرئيس نجيب ميقاتي، على اعتبار أن الأول هو أكثر المتشجعين للمرأب. لكن أحدًا من سياسيي طرابلس لم يعلن صراحة أنه ضد المرأب. الرئيس ميقاتي ربط موافقته بخطة تنموية شاملة للمنطقة الأثرية وكذلك الوزير السابق فيصل كرامي، وطلب الوزير محمد الصفدي بعض التعديلات. ولا يوفر المعتصمون أحدا من السياسيين من غضبهم، ويقولون: إن اعتراضهم تنموي معيشي، ولا صلة له بالانتماءات السياسية. «نحن هنا من كل التيارات والتوجهات، وكان معنا بالأمس (الخميس) رئيس البلدية السابق نادر الغزال الذي أقر برئاسته المشروع وشرح لنا أنه تعرض لضغط سياسي وقد تراجع، ومعنا الجماعة الإسلامية. الموضوع ليس سياسيا، وإنما يتعلق بحياتنا وحياة أولادنا» يشرح، مجدي عمري.
«مرآب» للسيارات يفجر غضبًا ضد السياسيين في طرابلس
اعتصام وسط المدينة ينتظر التراجع عن المشروع وإلا التصعيد
«مرآب» للسيارات يفجر غضبًا ضد السياسيين في طرابلس
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة