الفيدرالية السورية.. خطة تبديد الديموغرافيا السنيّة

خريطتان تثبتان النفوذ الكردي في الشمال.. والخطة مدعومة من دول غربية وروسيا رغم رفض المعارضة السورية

الفيدرالية السورية.. خطة تبديد الديموغرافيا السنيّة
TT

الفيدرالية السورية.. خطة تبديد الديموغرافيا السنيّة

الفيدرالية السورية.. خطة تبديد الديموغرافيا السنيّة

ليس الكشف عن طرح التقسيم الفيدرالي لسوريا وليد تسريبات تقارب «جسّ النبض».. فالخرائط التي انتشرت، منذ العام الثاني للأزمة السورية، أظهرت أن مسعى التقسيم، بعناوينه ومقترحاته المختلفة، جدي إلى حدّ بعيد، بوصفه مخرجًا للحرب المستمرة في البلاد، وتسوية محتملة لإرضاء أفرقاء النزاع السوري، لا سيما طرفه الكردي. وعززت إمكانية اللجوء إلى الفيدرالية، باعتبارها حلا أخيرا لإنهاء النزاع، خريطة انتشار القوى ميدانيًا، ومواقع سيطرتها الحالية التي قسّمت البلاد بحكم الأمر الواقع إلى دويلات حكم ذاتي، تبدأ شمالاً من إدارة الحكم الذاتي الكردي، وتنزلق غربًا إلى المنطقة العلوية في الساحل، وتمر عبر دمشق، بوصفه موقعا جامعا للحكومة المركزية، فيما تترك للدروز جنوبًا، إدارتهم الخاصة. وتشير سائر مقترحات الفدرلة في سوريا، إلى أن الخاسر الأبرز من تلك الخطط، هو السنّة العرب الذين يتضاءل نفوذهم، ويتوزعون في مناطق معزولة غير استراتيجية في الداخل السوري.

لم تتبلور خريطة التقسيم بعد. كل ما يُتداول به، لا يزال مجموعة من الاقتراحات. ففي حين رفضت جميع الأطراف المنخرطة في النزاع فكرة تقسيم البلاد، مؤكدة الحفاظ على «وحدة الأراضي السورية»، بدأت مقترحات أخرى تحتل حيزًا من تفكير المعنيين في الأزمة السورية، والدول الكبرى المعنية بها، لعل آخرها ما كشف عنه دبلوماسيون، مؤكدين أن قوى كبرى قريبة من محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة بشأن سوريا تبحث إمكانية تقسيم الدولة التي مزقتها الحرب «تقسيما اتحاديا» يحافظ على وحدتها باعتبارها دولة واحدة، بينما يمنح السلطات الإقليمية حكما ذاتيا موسعا.
والنظام الفيدرالي، يعني انتفاء صفة الدولة المركزية، لتُستبدل بها حكومات صغرى في أقاليم البلد الذي يعمل به هذا النوع من الأنظمة السياسية، بينما تتولى الدولة المركزية السياسة الدفاعية والخارجية، وإلى حد ما ترسم السياسات المالية المرتبطة بالسياسات الاقتصادية وأنظمة الضرائب وغيرها، وتوكل مهام الحفاظ على النظام المالي واستقراره عبر المصرف المركزي.
والواقع أنه بعد خمسة أعوام من الحرب التي حصدت أرواح 250 ألف شخص، وشردت نحو 11 مليون آخرين، فإن الأراضي السورية باتت منقسمة بالفعل بين أطراف مختلفة منها الحكومة وحلفاؤها والأكراد المدعومون من الغرب وجماعات معارضة وتنظيم داعش.
وبحسب خرائط الانتشار الميداني الأخيرة، فإن النظام السوري يسيطر على نحو 25 في المائة من الجغرافيا السورية، بينها مراكز المحافظات باستثناء الرقة التي يسيطر عليها «داعش»، وإدلب التي يسيطر عليها «جيش الفتح» الذي يتألف من مقاتلين معتدلين ومقاتلين متشددين بينهم جبهة النصرة، وهي فرع تنظيم القاعدة في سوريا. أما تنظيم داعش فيسيطر على أكثر من 40 في المائة من الجغرافيا السورية، لكن معظم تلك المناطق صحراوية وخالية من السكان. بينما يسيطر مقاتلو المعارضة السورية وحلفاؤهم في جيش الفتح والفصائل الإسلامية، على ما يقارب الـ8 في المائة، بحسب ما أعلنت عنه الحكومة السورية المؤقتة أواخر العام الماضي، رغم أن معظم تلك المناطق مأهولة بالسكان، وتشكل عصب الانتشار الديموغرافي. وفي المقابل، تسيطر وحدات حماية الشعب الكردي على 15 في المائة من الجغرافيا السورية، وتتركز على طول الشريط الحدودي مع تركيا في مناطق الحسكة، حيث تتمدد في ريفها الجنوبي وريفها الغربي.
المقصود من طرح الفيدرالية، يعزز الاعتقاد بالعزم على تثبيت نفوذ الأكراد ضمن مناطق سيطرتهم الحالية. ويتماهى إلى حد بعيد مع مقترحات كردية. وفي أحدث تصريح له الأسبوع الماضي، أوضح صالح مسلم، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا الذي يتمتع بنفوذ واسع على المناطق الكردية في سوريا، أن الحزب منفتح على الفكرة. وقال مسلم لـ«رويترز»: «ما تصفونه ليس مهما.. قلنا مرارا وتكرارا إننا نريد سوريا لا مركزية.. فلنسمها إدارات أو لنسمها اتحادية.. كل شيء ممكن».
هذا، وأبلغ مسؤولون أكراد في أوروبا ممثلي الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، دعمهم لقيام نظام فيدرالي في سوريا، يضمن لهم «حقوقهم» المتمثلة بـ«تكريس إدارة الحكم الذاتي في سوريا»، وهي تجربة بدأ الأكراد باختبارها منذ مطلع عام 2013، وأنشأوا لهذه الغاية «إدارة حكم مشتركة» في عفرين (شمال حلب)، وكوباني (شمال شرقي حلب)، والجزيرة (شمال شرقي سوريا)، يحكمها الأكراد وعشائر عربية ضن نظام مشاركة. وأبلغت مصادر كردية «الشرق الأوسط» أن هذه المقترحات «لاقت آذانًا مصغية بوصفها مقترحات تجنّب سوريا التقسيم الفعلي»، وبأنها «مخرج للحفاظ على وحدة الأراضي السورية»، و«بديلاً عمليًا للتقسيم القائم حاليًا على أساس عرقي وطائفي بحكم سلطة الأمر الواقع».
يستند المقترح الأخير إلى مجموعة من المعطيات الاستراتيجية، أهمها أن وضع سوريا «يستحيل أن يعود إلى ما كان الأمر عليه قبل مارس (آذار) 2011»، وأن النظام السوري الحالي «يستحيل أن يستعيد نفوذه الذي كان قبل اندلاع الاحتجاجات ضده قبل خمس سنوات». وعليه، يصبح البحث في «فكرة عملية تقوم على المشاركة الفعلية في الحكم، عبر النظام الاتحادي الفيدراليّ، هو الأفضل بالنسبة للجميع».
* تطبيق النموذج السويسري
غير أن صورة التقسيم الاتحادي، لم تتبلور بعد. تمثل جميع نماذج الحكم الفيدرالي في العالم فرصة للتجربة على النموذج السوري، عبر إسقاطها نظريًا على سوريا، ودراسة ما إذا كانت مناسبة. ورغم ذلك، يطرح المسؤولون الأكراد، النموذج السويسري في الحكم، بوصفه «الأكثر قدرة على الحفاظ على حقوق الأقليات ويمثل فرصة للحكم الديمقراطي».
لكن هذا النموذج، يصعب تنفيذه إلى حد كبير في سوريا. أستاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية د. وسيم منصوري، يؤكد، لـ«الشرق الأوسط»، أن التجربة السويسرية لا ترتبط بالفيدرالية، بقدر ارتباطها بالنظام السياسي في البلاد، موضحًا أن النظام السويسري «هو نظام مجلسي، لا يطبق معايير فصل السلطات حرفيًا، كون السلطة التنفيذية خاضعة تماما لمجلس الشعب، ومن يحكم هناك هو السلطة التشريعية التي تمتلك سلطة على السلطة التنفيذية التابعة لها، وبالتالي يستطيع البرلمان أن يعين السلطة التنفيذية، ويستبدل أخرى بها». أمام هذا الواقع، يؤكد أن البرلمان في سويسرا، بشقيه الذي يمثل الشعب الذي يمثل الولايات، «هو من يحكم البلاد»، وبالتالي «يختلف عن النظام الفيدرالي في كندا أو الولايات المتحدة أو ألمانيا».
وعليه، يرى منصوري أنه «من السابق لأوانه الجزم ما إذا كان الفيدرالية في سوريا يمكن أن تنفذ بسلاسة»، مضيفًا: «كأستاذ قانون دستوري، أؤكد أنه منطقيا، من الصعب جدا أن تُحكَم سوريا وفق النظام المجلسي. ففي فترة الفراغ والبحث عن حلول يتم طرح نظريات كثيرة حول نظام الحكم، لكن كل دولة لها خصوصية، ولا بد من مقاربة الأمر من منطق الدولة نفسها، وهي نماذج من الحكم السياسي، تختلف بحسب تجارب الشعوب»، مشددًا على أنه «من المبكر الحديث عن أي صيغة للنظام السياسي في سوريا في ظل الظروف الحالية».
* خرائط متضاربة
الحال أن مقترحات الدولة الفيدرالية السورية تتفاوت بين الأحلام والوقائع. ففي بعض الخرائط التي أفرج عنها الأكراد خلال الأسبوعين الماضيين، وهم يشكلون رأس الحربة في المطالب الفيدرالية، أظهرت مواقع سيطرتهم في المنطقة الممتدة على الحدود السورية - التركية في أقصى شمال شرقي سوريا، المحاذية لحدود العراق، إلى البحر الأبيض المتوسط بمحاذاة الشريط الحدودي التركي بأكمله، مما يعد المنفذ البحري الوحيد للأكراد في سوريا والعراق وتركيا، وبعمق يقارب الثلاثين كيلومترًا داخل الأراضي السورية. وتتجاهل الخريطة التي يُروّج لها، سائر المناطق السورية التي أبقتها منطقة موحدة.
وفي المقابل، تنتشر خرائط أخرى، تحاكي الفيدرالية السورية المحكي عنها، تظهر المناطق الكردية من الحدود العراقية إلى ريف حلب الشمالي، بينما تمتد الإدارة العلوية على طول الساحل السوري باتجاه جبال اللاذقية المحاذية لسهل الغاب في حماة، بينما تمتد الدولة السنية على طول ريف حلب الشرقي باتجاه الرقة ودير الزور في شرق البلاد، أما الدولة المركزية في دمشق فتضم حمص وأجزاء من حماة وصولاً إلى دمشق وريفها، ويسكنها المسيحيون مع علويين وشيعة وسنة وأقليات أخرى.. بينما يحصل الدروز على دولة تمتد على الحدود الأردنية من السويداء إلى تخوم هضبة الجولان المحتل في محافظة القنيطرة.
الخريطتان تظهران أن السنة العرب هم الخاسر الأبرز في الدولة الاتحادية السورية. ويرى الباحث اللبناني في الشأن الجيوبوليتيكي الدكتور نبيل خليفة، أن المخطط الاستراتيجي للغرب بأكمله من روسيا وأميركا إلى إسرائيل وإيران، يتمثل في «تبديد الخطر الديموغرافي الذي يمثله العرب السنة على إسرائيل»، مشيرًا إلى أن هؤلاء الذين يناهز عددهم الـ18 مليون في سوريا «يبعثون إسرائيل على الخوف منهم، لأن خطر وجودهم على إسرائيل، يتخطى خطر السلاح»، مؤكدًا أن خطة الفدرلة «التي اتفق عليه الغرب بأكمله لصالح إسرائيل، أوكل مهمة إنجازها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ذلك أن إسرائيل لا يمكن أن تصبح دولة عرقية ودينية طبيعية، إلا في محيط يشبهها، ينقسم بين فيدراليات عرقية وقومية ودينية، كردية وعلوية ومسيحية ودرزية وشيعية وسنية، وتتفوق عليه بالقوة».
ويقول خليفة لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك يحاول الغرب خلق معطى وواقع جديد في المنطقة يؤمن لإسرائيل البقاء مثل جسم طبيعي وليس جسما غريبا»، مشيرًا إلى أن هذا المخطط «قديم، وليس وليد اللحظة، وقد كتبت عني في كتابي الصادر في عام 2014»، لكنه يرى أن معركة تبديد الديموغرافية الأكثرية السنية في فيدراليات «قد يستغرق وقتًا وربما لا يُنجز في وقت قصير».
* التنفيذ يصطدم برفض المعارضة
ارتفعت أسهم الفيدرالية خلال الأسبوعين الأخيرين، وعشية استئناف مفاوضات السلام في سوريا في «جنيف3»، بعد تصريح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، حول أمل موسكو بأن «يتوصل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية فيدرالية»، وهو ما عكس تناغمًا روسيًا وأميركيًا حول خطة مستقبلية لإنشاء فيدراليات في البلاد، بحسب ما يقول معارضون سوريون.
ذلك التصريح، استتبع بتصريحات لدبلوماسيين رفضوا الكشف عن اسمهم، نقلتها وكالة «رويترز» أمس الجمعة، تقول إن قوى كبرى قريبة من محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة بشأن سوريا تبحث إمكانية تقسيم الدولة التي مزقتها الحرب «تقسيما اتحاديا» يحافظ على وحدتها مثل دولة واحدة، بينما يمنح السلطات الإقليمية حكما ذاتيا موسعا.
وقال دبلوماسي بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، طلب عدم نشر اسمه، إن بعض القوى الغربية الكبرى وليست روسيا فحسب تبحث أيضا إمكانية إقامة نظام اتحادي لسوريا وعرضت الفكرة على دي ميستورا.
وأضاف الدبلوماسي: «مع تأكيد الحفاظ على سلامة أراضي سوريا من أجل بقائها دولة واحدة، يوجد بالطبع جميع أنواع النماذج المختلفة لنظام اتحادي سيكون - كما في بعض هذه النماذج - متحررا للغاية من المركزية، ويعطي كثيرا من الحكم الذاتي لمختلف المناطق».
ولم يقدم أي تفاصيل عن نماذج تقسيم اتحادي للسلطة يمكن تطبيقه على سوريا. وأكد دبلوماسي آخر بالمجلس التصريحات.
غير أن رفض المعارضة السورية، يبقى عائقًا أمام تنفيذ المخطط الدولي. ورفضت المعارضة هذا الأسبوع اقتراحا قدمته روسيا بأن توافق محادثات السلام على نظام اتحادي للبلاد. وقال منسق المعارضة السورية رياض حجاب إن أي حديث عن هذه الاتحادية أو شيء قد يمثل توجها لتقسيم سوريا غير مقبول على الإطلاق.
لكن فكرة الاتحادية بالنسبة إلى سوريا ليست مستبعدة. ففي حديث تلفزيوني، قال المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا: «السوريون كلهم رفضوا تقسيم (سوريا)، ويمكن مناقشة مسألة الاتحادية في المفاوضات».
من جهته، لم يستبعد رئيس النظام السوري بشار الأسد، في مقابلة أجريت معه في سبتمبر (أيلول)، فكرة الاتحادية عندما سئل عنها، لكنه قال إن أي تغيير يجب أن يكون عبر الحوار بين السوريين وإجراء استفتاء لإدخال التغييرات الضرورية على الدستور. وأضاف: «آنذاك عندما يكون السوريون على استعداد للتحرك في اتجاه معين فإن الحكومة توافق بالطبع على هذا الأمر».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.