أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية

يوصف بأنه «حالة حريرية مستقلة».. ولذا استقال من الحكومة معبرًا عن قناعته

أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية
TT

أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية

أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية

في الأسابيع الأخيرة كان وزير العدل اللبناني أشرف ريفي الذي اصطلح على وصفه بـ«الوزير المشاكس» داخل الحكومة، هو الحدث في لبنان، خصوصًا بعد استقالته المفاجئة من الحكومة.
ريفي كان أعلن أكثر من مرة تبرّمه من حكومة ليست عاجزة عن حل مشكلات الناس فحسب، إنما باتت مطية لـ«حزب الله»، خصوصًا أنها بدت عاجزة عن التصدي لموقف وزير الخارجية جبران باسيل الذي أخرج لبنان عن الإجماع العربي، وأسهم موقفه في جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي في ضرب علاقة لبنان بالمملكة العربية السعودية والدول العربية الأخرى.

أنصار وزير العدل اللبناني المستقبل اللواء أشرف ريفي يرفضون تسميته بـ«المشاكس»، بل يعتبرونه صاحب مبدأ الدفاع عن الدولة في وجه الدويلة. والرجل المتصالح مع نفسه، وصاحب الموقف وليس الموقع. ويقول هؤلاء: «أشرف ريفي كان في الموقع (الحكومة) مع وضوح في الموقف، واليوم ماضٍ في الموقف من دون الموقع، خصوصًا بعدما لمس أن هذا الموقع لم يعد يخدم القضية التي دخل الحكومة من أجلها».
أيضًا يرفض أصدقاء ريفي مقولة انقلابه على قرار تيار «المستقبل»، إذ يؤكدون أنه ليس عضوًا في هذا التيار، لكنه «حالة حريرية مستقلة»، والقواسم المشتركة بينه وبين الرئيس سعد الحريري كبيرة جدًا، لكن عندما يكون القرار في تيار المستقبل غير منسجم مع قناعته يعبّر عن رأيه بوضوح، مثل حالة ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. ومن ثم، يشددون على أن اللواء المتقاعد سيبقى مقاتلاً شرسًا لقضيته، فلا تساهل ولا مسايرة على مبدئه وقناعاته.
نشأ وزير العدل اللبناني أشرف ريفي في عائلة فقيرة وعصامية، لكنه كان مسيّسًا من نعومة أظفاره، ولقد عايش حقبة صعبة جبلته في السياسة كما في الأمن والروابط الاجتماعية.
والده، أحمد ريفي، كان يمتلك مطحنة للحبوب في منطقة القبّة الشعبية الفقيرة في مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان، حيث ولد نجله أشرف مع شقيقين وخمس شقيقات.
حال الأب لم تكن تسمح بتعليم أولاده الثمانية في مدارس خاصة، فاتجه أشرف للدراسة إلى مدرسة القبة الرسمية (الحكومية). وإلى جانب متابعته دراسته في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، كان يساعد والده مع شقيقيه الأكبر عبد الرحيم والأصغر جمال في المطحنة التي يستثمرها الوالد، فكان يغسل البرغل، وهو القمح مسلوقًا ومكسّرة حبوبه، قبل سلقه. بيد أن شغفه برياضة كرة القدم كان واضحًا منذ الصغر. إذ عشق هذه الرياضة الأكثر شعبية، فانتمى إلى «النادي الاجتماعي» المعروف في الوسط الرياضي اللبناني، وكان حارس مرماه الأساسي.
وبعد مرحلة المتوسطة، انتقل الشاب الطامح لدراسة الهندسة إلى ثانوية المئتين في حرمها بشارع المئتين الموازي لشارع عزمي، أحد أكبر شوارع طرابلس وأشهرها. وفي هذه المدرسة أكمل علومه الثانوية، لكنه بدا أكثر انخراطا في الشأن العام من خلال نشاطه في الحركات الطلابية التي توّجت بانتخابه رئيسًا لرابطة الطلاب في الثانوية. وعلى الصعيد العائلي لم يكن الشاب الطامح لكل شيء بعيدًا عن أجواء السياسة، فوالده كان مسؤول الحزب التقدمي الاشتراكي الذي كان يرأسه الزعيم الراحل كمال جنبلاط (والد النائب وليد جنبلاط) وبقي في هذا المنصب إلى أن توفي في عام 1993.
وفي عام 1973 نجح ريفي في مباراة الدخول إلى الكلية الحربية كتلميذ ضابط في قوى الأمن الداخلي. وإلى الكلية الحربية نقل معه هوايته الرياضية، وغدا حارس مرمى فريق الكلية الحربية لكرة القدم أيضًا.
يروي عارفو ريفي قصة لافتة، إذ خلال دورة لكرة القدم، تأهل للمباراة النهائية فريق الكلية الحربية وفريق الجامعة الأميركية في بيروت وأقيمت هذه المباراة على ملعب الأخيرة. وأثناء المباراة احتسب الحكم ركلة جزاء ضّد فريق الحربية، وكان الفوز في هذه المباراة أمرًا حاسمًا في تحديد هوية بطل الدورة. وبينما كان ريفي يتهيّأ لمواجهة ضربة الجزاء، تقدّم منه قائد الكلية الحربية - الذي كان يتابع المباراة مع عدد كبير من الضباط - وهمس في أذنه: «إذا نجحت في صدّ هذه الكرة، سأعفيك من الحجوزات طيلة سنوات الدورة الثلاث». وقبل حارس المرمى الشاب ذلك التحدّي وتمكن من كسبه، إذ صد الكرة وساعد فريقه على أن يتوّج بطلاً لتلك الدورة.
تخرّج ريفي ورفاقه من الكلية الحربية لكن فرحة التخرج لم تكتمل، إذ ما إن انتهت الدورة العسكرية، في العام أواخر العام 1975 حتى وقع ما يعرف بـ«انقلاب اللواء عزيز الأحدب» على السلطة الشرعية في الأشهر الأخيرة من عهد الرئيس سليمان فرنجية. وبالتالي، اضطر كل ضابط متخرّج إلى الالتحاق بمنطقته بعد انفراط عقد الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية.
غير أن الضابط المتخرج الشاب رفض أن يكون جزءًا من محاور الصراع في الداخل، فاختار العاصمة الفرنسية باريس وجهة له. ومن هناك التحق بعدد من رفاقه الذين سبقوه إلى جامعة مونبلييه العريقة بجنوب فرنسا، ليختار التخصص في هندسة الكيمياء ويتابع تحصيله العلمي. ولكن سرعان ما طرأ في لبنان تطوّر جديد أعاده إلى أحضان مؤسسته الأمنية. فإثر انتخاب الرئيس إلياس سركيس دعا الرئيس الأسبق الراحل كل موظّفي الدولة في المؤسسات المدنية والعسكرية إلى العودة إلى مؤسساتهم، فحزم ريفي حقائبه وعاد إلى لبنان على الفور ليلتحق بمؤسسة قوى الأمن.
وهنا يؤكد أصدقاء اللواء ريفي أن الأخير ترك بصماته في كل المراكز التي شغلها، لكن الموقع الذي أثّر وتأثر فيه، هو مركز رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي. لقد كان أول ضابط يعيّن في هذا الموقع، ومنه تمكن من نسج شبكة علاقات مهمة مع كثرة من الإعلاميين، وهو يعتز بأن معظم أصدقائه الإعلاميين من تلك الحقبة شغلوا مناصب رؤساء تحرير في مؤسسات إعلامية مهمة، وعلاقاته بهم مستمرة حتى الآن.
من ناحية أخرى، عزّزت علاقات ريفي المميزة مع مَن هم على احتكاك معه ثقة رؤسائه به، وكانت بالتالي مدخلاً لتعيينه رئيسًا لسرية رئاسة الحكومة في أواخر عام 1988. تزامن ذلك مع دخول لبنان مرحلة دقيقة جدًا كان فيها الدكتور سليم الحص رئيسًا لحكومة مدنية مقابل حكومة عسكرية كان يرأسها ميشال عون. وحينذاك، ساعده قربه من الحص ومن الوسيط العربي الأخضر الإبراهيمي في مرحلة التحضير لـ«اتفاق الطائف» في أن يطلّ على المجتمع السياسي من بابه الواسع، فتعمّقت علاقاته مع السياسيين اللبنانيين وغير اللبنانيين بشكل أوثق.
بعد استقالة حكومة الحص التي أتت بعد الطائف، عُيّن الرئيس عمر كرامي رئيسًا للحكومة، ولأن عائلة ريفي على خصومة سياسية محلية مع آل كرامي في مدينة طرابلس، كان الشرط الأول لرئيس الحكومة نقل ريفي من هذا المنصب. وفي الحقيقة، لم يفاجأ الأخير بهذا القرار، الذي أدى إلى تعيينه مديرًا لجهاز أمن الدولة في شمال لبنان، حيث بقي فيه إلى أن تولّى رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري رئاسة الحكومة.
عارفو ريفي يروون أن الحريري الأب استدعاه ذات يوم في عام 1994 إلى مكتبه في السرايا الحكومي ببيروت وأبلغه أنه سيؤسّس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وطلب منه تسلّم رئاسة هذا الفرع. بالفعل، أعطاه هذا الموقع خبرة كبيرة في مجال الاستعلامات والمخابرات، غير أن الوصاية السورية - في تلك الأيام - كانت ترسم سقفًا لهذا الفرع بحيث لم يتخطّ الـ120 عنصرًا و7 ضباط. ثم استبعد من رئاسة فرع المعلومات مع خروج رفيق الحريري من الحكم مع وصول إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية.
عند هذه المحطة نقل ريفي إلى الشمال، وجاء نقله بما يشبه المنفى المعنوي، لكنه مع ذلك بقي على تواصل مع رفيق الحريري، وكان يزوره ثلاث مرات في الأسبوع (الاثنين والأربعاء والجمعة) مرتديًا البزة العسكرية متمردًا على كل المحظورات والمضايقات التي كان يتعرّض لها من قيادته. ويذكر أنه في تلك الفترة افتتح لحود عهده بحرب إعلامية وقضائية وأمنية عنيفة على الحريري غايتها إخراجه من الحياة السياسية في لبنان، مُستندًا بذلك على ما كان يُعرف بـ«الجهاز الأمني اللبناني السوري».
بعد ذلك، شكّل فوز رفيق الحريري الكاسح في انتخابات عام 2000، فرصة لعودة ريفي إلى رئاسة جهاز المعلومات، إلا أن رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري (المخابرات) في لبنان اللواء غازي كنعان وضع «خطًا أحمر» أمام الرغبة الحريرية. وفي ضوء ذلك كان المكان الأفضل لريفي رئاسة قسم المباحث الجنائية الخاصة، الذي بقي فيه إلى أن أخرج الحريري لآخر مرة من رئاسة الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2014. وبعد تولّي النائب الحالي سليمان فرنجية منصب وزير الداخلية نقل ريفي عقابيًا إلى المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي بما يشبه المنفى السياسي.
يتحدث أصدقاء ريفي عن الأثر السلبي الذي تركه اغتيال رفيق الحريري في نفسه. ويذكرون أنه صباح يوم الاغتيال، 14 فبراير (شباط) 2005، وصل ريفي مع زوجته المحامية سليمى أديب إلى قصر قريطم عند العاشرة صباحًا واجتمع بالحريري لمدة 25 دقيقة، وكانت أمام الأخير صحيفة «المستقبل» التي نشرت في «المانشيت» تعيين آصف شوكت (صهر بشار الأسد) رئيسًا لشعبة المخابرات العسكرية السورية، وما ترك ذلك من دلالات أمنية لافتة كان لها تفسيراتها في مرحلة ما بعد الاغتيال.
واقعة لافتة أخرى يرويها لصيقون بريفي أيضًا؛ أنه «ليل 24 ديسمبر (كانون الأول) 2014 أي ليلة يوم الميلاد، كان يمارس رياضته في نادي «باناسيا» الرياضي بمنطقة الجناح في بيروت، حضر مسؤول أمني وأبلغه أن اسم رفيق الحريري وضع على لائحة الاغتيال بقرار سوري كبير. فورًا ترك (ريفي) رياضته وانتقل على عجل إلى قصر قريطم وعقد جلسة مع الحريري أبلغه مضمون الرسالة التي وصلته، أي أن القيادة السورية اتخذت القرار باغتياله ووضعته موضع التنفيذ بغضّ النظر عن الجهة المنفذة. ومن ثم، تمنّى على الحريري ألا يتساهل في هذا الأمر بل يتخذ كل الاحتياطات اللازمة. كذلك نصحه بأن يغادر البلد في هذه المرحلة ولو لفترة قصيرة إلى أن تتبدل الظروف. لكن جواب الحريري كان: «أنا أعرف أن لديهم إرادة باغتيالي، لكنهم لا يجرؤون على فعلها لأنها ستكلّفهم الكثير، ولدي تطمينات من قادة دول مؤثّرة حصلوا عليها من بشار الأسد شخصيًا». ولم تتوقف تحذيرات ريفي عند هذا الحدّ. ففي الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) 2005 التقى ريفي شخصية أمنية على علاقة بالسوريين، وأبلغه الأخير أن الأجواء غير مطمئنة بالنسبة للحريري، وكرّر إبلاغ الأخير بالأمر، لكنه سمع منه الجواب نفسه. وعندها ردّ ريفي: «أنت تعرف أن هذا النظام لا يقيم اعتبارًا للعلاقات الدولية، والجو ذاهب باتجاه الاغتيال بغض النظر عن الأداة التي قد تنفذ الجريمة». في الأول من أبريل (نيسان) 2013 أحيل ريفي على التقاعد لبلوغه السنّ القانونية (59 سنة) فكان تقاعده من مؤسسة قوى الأمن خسارة كبيرة لفريق «14 آذار» الذي أخفق في التمديد له لأن الحكومة التي كان يرأسها نجيب ميقاتي كانت خاضعة لنفوذ «حزب الله».
وبعد التقاعد كان ثمة فترة زمنية فاصلة لتقييم مرحلة ما بعد التقاعد. لكن لا الشأن العام ولا الوضع الأمني تركا ريفي وشأنه، إذ تعرض عام 2013 لإصابة طفيفة جراء تفجير سيارة مفخخة أمام منزله في طرابلس المواجه لمسجد السلام في طرابلس الذي فجّر بالتزامن مع تفجير مسجد التقوى، وأودى تفجيرا المسجدين إلى مقتل 54 مصليًا وجرح أكثر من 250 آخرين. ولقد ردّد ريفي غير أن معلوماته تفيد أنه كان المستهدف بالتفجير، خصوصًا أن السيارة المفخخة كانت تحاول الوقوف أمام منزله في البداية، لكن حراسه منعوا سائقها من الوقوف فالتف وأوقفها في الجهة المقابلة.
بعد تلك الفترة سافر ريفي لأيام إلى المملكة العربية السعودية، ثم قادته سفرة عائلية طويلة إلى فرنسا وأستراليا، قبل أن يعود إلى لبنان ويستأنف علاقاته مع الناس، إلى أن شكلت حكومة الرئيس تمام سلام. ويقول مقربون منه أن اسمه كان مطروحًا كوزير للداخلية، لكن فيتو «حزب الله» حال دون تسلمه هذه الوزارة. وعندها عرضت عليه وزارة الشؤون الاجتماعية، لكن ريفي رفضها. وفي نهاية المطاف، رست التسوية على تسليمه حقيبة العدل، فكان له دور في تنظيم هيكليتها الجديدة، وإنجاز خريطة المحاكم التي تخدم لبنان لـ50 سنة مقبلة، بالإضافة إلى إعداد مشروع قانون المنظومة القضائية الجديدة البديلة عن المحاكم الاستثنائية.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.