«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض

تقدم ترامب لا يضمن فوزه.. وأداء كلينتون لم ينه مقاومة ساندرز

«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض
TT

«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض

«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض

اربطوا الأحزمة، فالولايات المتحدة تستعد لأحد أكثر الانتخابات الرئاسية الأميركية اضطرابًا منذ عقود. باختصار هذه هي الرسالة التي أرسلها «يوم الثلاثاء الكبير»، عندما أجرت 12 ولاية أميركية انتخابات تمهيدية، تضاف إليها ولاية كولورادو التي نظمت تجمعاتها الترشيحية، بهدف اختيار مرشحها المفضل من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري ليوم معركة الحسم الموعود في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
عند الحزبين سجّل مرشحا الصدارة حتى الآن، هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، أداء أفضل مما كان متوقعًا، عندما فاز كل منهما بسبع ولايات. وبالنسبة إلى سباق الديمقراطيين يمكن القول إن السيناتور بيرني ساندرز، الذي يشكل حالة تمرّد يسارية، تمكن من البقاء في الميدان على الأقل لجولات قليلة مقبلة بفضل انتزاعه الفوز بأربع ولايات. في حين كان المشهد أكثر إثارة، إذ استطاع السيناتور تيد كروز (من ولاية تكساس) الذي يعد حاليًا أقوى منافسي ترامب الفوز بثلاث ولايات بينها ولايته التي تعد ثاني كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان، بينما فاز السيناتور ماركو روبيو (من ولاية فلوريدا) بولاية واحدة.

أحد أكثر الجوانب أهمية في «الثلاثاء الكبير» أنه يشمل ولايات من كل أنحاء الولايات المتحدة، من ألاسكا في أقصى الشمال الغربي إلى ماساشوستس بالشمال الشرقي، مرورًا بتكساس في أقصى الجنوب. وخلال هذا اليوم يتاح للجمهوريين اختيار رُبع (1 من 4) مندوبيهم إلى المؤتمر الوطني الكبير الذي يصار فيها خلال الصيف المقبل إلى تسمية مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة. أما في المعسكر الديمقراطي، فحسم خلال هذا اليوم خُمس (1 من 5) عدد المندوبين الذاهبين إلى مؤتمر حزبهم الوطني.
غالبًا، في مثل هذا اليوم من الحملات الانتخابية السابقة، كانت مؤشرات الفوز المرتقب لهذا المرشح أو ذاك أوضح وملامح الحسم أجلى بكثير مما هي عليه الصورة الآن. أما السبب فهو أن كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري يعيش حقًا «حالتي تمرّد» شبيهتان بتلك التي هزّت المشهد السياسي في بعض الديمقراطيات الأوروبية، من إسبانيا إلى بولندا، عبر فرنسا وإيطاليا. في حين اقتصر «التمرد» في بريطانيا حتى الآن على حزب العمال الذي سلّم زمامه لمرشح - مفاجأة هو اليساري المتشدد جيريمي كوربن.

* «التمرّد»
«حالات التمرد» جاءت نتاج مشاعر سخط وغضب تولّدت عند أقليتين يسارية ويمينية، ووجدت ضالتها المنشودة في مرشح جذاب «كاريزمي» ظهر على المسرح فجأة من دون استئذان.
ولكن الحقيقة أنه هذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها خلال المعارك الانتخابية الرئاسية الأميركية مرشحون «فلتات» غير مألوفين. فعام 1964 رسا ترشيح الحزب الجمهوري على السيناتور اليميني المتشدد باري غولدووتر الذي كان يومذاك أشبه ما يكون بشخصية «حربجية» كاريكاتيرية من صقور الحرب الباردة. وعام 1972 رشح الديمقراطيون السيناتور جورج ماكغفرن، الموغل في ليبراليته لدرجة تجعل فرصة انتخابه معدومة. وبالفعل مني كل من غولدووتر وماكغفرن بهزيمتين ساحقتين أمام الرئيسين ليندون جونسون وريتشارد نيكسون.
بناءً عليه، لا يصح في الحملة الانتخابية الحالية استبعاد أي من المرشحين الأكثر راديكاليًا في السباق، أي الجمهوري اليميني دونالد ترامب والديمقراطي اليساري بيرني ساندرز.

* «راديكاليا» اليسار واليمين
الرجلان يوصفان اليوم بأنهما «شعبويّان»، وهذا مصطلح يفسر بجملة من الأسباب، أبرزها أن الرجلين، رغم التباعد الآيديولوجي الشاسع بينهما، يلعبان على وتر «الديمقراطية المباشرة» ضد «مؤسسة السلطة» في واشنطن، التي يزعمان أنها ما عادت تشعر بما يشعر به ويشكو منه معظم الأميركيين.
يسارًا يدّعي ساندرز أن 1 في المائة من أثرياء أميركا يحتكرون خيرة الأراضي والعقارات ويحرمون الغالبية من جني ثمار كدهم، ولعلاج هذا الوضع لا يقترح ساندرز - السبعيني اليساري - الثورة الجماهيرية العنيفة، بل يحث على إعادة توزيع الثروات وفق الطراز الأوروبي الديمقراطي - الاجتماعي أو الاشتراكي المعتدل الذي يستخدم السياسة الضريبية وسيلة لنقل المال من الأغنياء إلى الفقراء. ثم إنه يعد بنظام تعليمي مجاني في كل المراحل، وتوسيع إطار الغطاء الصحي المجاني للأسر الفقيرة والمتوسطة الحال، والاستيعاب التدريجي للمهاجرين الـ12 مليونا غير الشرعيين لكي يعيشوا كمواطنين في الولايات المتحدة. وحسب رأيه، فإن سياسات كهذه تحتاج إلى حكومة قوية المركز مهمتها استنباط ومن ثم فرض السياسات التي لا بد أن تعارضها بعض الولايات. وباختصار شديد، يجوز القول إن ساندرز يركز في فكرة «الأمل» حتى لو بدا مبالغًا فيها، بل في بعض الأحيان غير وارد مطلقًا.
وبعكس فكرة «الأمل» عند ساندرز، فإن رجل «اليمين» المتشدد ترامب يراهن على فكرة «الخوف»، وبالذات «الخوف من طغيان المهاجرين»، ولا سيما من دول أميركا اللاتينية، على الولايات المتحدة. وفي هذا السياق اقترح بناء جدار ضخم على طول حدود البلاد مع المكسيك لإبعاد المهاجرين المحتملين. وكذلك «الخوف من الإرهاب الإسلامي» الآتي من الخارج. ولكن يبدو خطاب ترامب أقل رتابة وربما تماسكًا من خطاب ساندرز أقله لسبب واحد. فالسيناتور ساندرز، الآتي من ولاية فيرمونت إحدى أصغر الولايات الأميركية، يعد على الدوام بتعزيز دور الدولة لكي تفعل وتؤثر في مختلف نواحي الحياة الأميركية. على العكس تمامًا، يسعى ترامب إلى تقليص كبير في دور الدولة التي يريد منها إجراء التغييرات الراديكالية التي يعد بها.
كلينتون و«تحالف الأقليات»
مع هذا فرص نجاح ساندرز بأن يكون مرشح حزبه في نوفمبر المقبل أقل بكثير من فرص ترامب. ذلك أن منافسته، هيلاري كلينتون «السيدة الأولى سابقًا»، ووزير الخارجية والسيناتورة عن ولاية نيويورك سابقًا، تتمتع بنقاط قوة وأفضلية كثيرة. منها أنها تتحكم بـ«ماكينة» الحزب الديمقراطي، ونجحت حقًا في توحيد صفوف التحالف العريض للأقليات الذي كان وأسسه الرئيس الحالي باراك أوباما، ونظمته خلفها.
ويشكل كل من الناخبين الأفرو - أميركيين (السود) والهسبانيكيين (المتحدرون من أصول أميركية لاتينية) نسبة 12 في المائة من مجموع الناخبين الأميركيين أهم أعمدة هذا التحالف، ثم هناك اليهود والمسلمون، وهاتان كتلتان بشريتان تشكل كل منهما نسبة 2 في المائة، وهو ما يعطي التحالف الديمقراطي الفرص الأكبر للفوز في الولايات المحوَرية غير المحسومة. أضف إلى ذلك الأقليات العرقية والدينية المذكورة جماعات أخرى يشملها كالمثليين والمثليات و«الجنس الحائر» الذين تقدّر نسبتهم من 2 في المائة والأميركيين الأصليين (الهنود الحمر) الذين تقارب نسبتهم 1.2 في المائة، وهؤلاء عمومًا أكثر ميلاً للحزب الديمقراطي. وهذا يعني أنه بصرف النظر عمّن سيرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة خلال الصيف، فإن لدى هذا المرشح (أو المرشحة) قاعدة تأييد صلبة حجمها نحو 30 في المائة من أصوات الأميركيين.
وهنا، يتوقع أن يشارك الرئيس أوباما دورًا نشطًا وحيويًا في الفترة المقبلة من الحملة الانتخابية. وثمة من يقول إنه سيحاول أن يختار المرشح لمنصب نائب الرئيس من شلة المقربين إذا ما رُشحت هيلاري كلينتون - كما هو مرجح - للرئاسة خلال المؤتمر الوطني الديمقراطي المقرر بين 25 و28 يوليو (تموز) في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا.
في المقابل، يعتمد الجمهوريون اعتمادًا كليًا على اليمين الأصولي المسيحي الذي يشكل أتباعه نحو 10 في المائة من الناخبين الأميركيين، والآسيويين الأميركيين من غير المسلمين ونسبتهم نحو 3 في المائة، وجماعات مصلحية أحادية الهدف كـ«لوبي» السلاح الفردي و«لوبيات» مناوئة الإجهاض تبلغ رقعة تصويتها نحو 4 في المائة. كل هؤلاء يضاف إليهم «السكان البيض في الضواحي»، ما يمنح المرشح الجمهوري قاعدة تأييد صلبة أعلاها 25 في المائة من أصوات الأميركيين.
هذه الأرقام تعني أن على الجمهوريين بذل جهد أكبر بكثير من الديمقراطيين من كسب أصوات المستقلين وغير الملتزمين. وتعني أيضًا أن دونالد ترامب ليس المرشح الأمثل، لأنه يستفز المستقلين ويستعديهم أكثر من أي من منافسيه. ولكن في المقابل، ما هو لصالح ترامب أن طروحاته المثيرة للجدل قد يجتذب إلى مراكز الاقتراع ناخبين جددًا كانوا وما زالوا على هامش الحياة السياسية. والواقع أنه بفضل أمثال هؤلاء الناخبين الهامشيين، وليس الجمهوريين «المؤسساتيين»، استطاع ترامب كسب نسبة 30.4 في المائة من المندوبين الـ1200 الذين عليه كسب تأييدهم للظفر بترشيح حزبه له في المؤتمر الوطني الجمهوري المقرر بين 18 و21 يوليو في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو.

* فرص ترامب وكلينتون
السؤال الأهم هنا هو هل سيتمكن ترامب من كسب ترشيح الجمهوريين؟ لقد عزّزت نتائج «الثلاثاء الكبير» فرص نجاحه، إلا أنه لم يحسم معركته بالكامل. وبداية، عجز عن كسب أي ولاية بغالبية مطلقة، بل إذا احتسبنا معدلات التصويت في الانتخابات التمهيدية والتجمعات الانتخابية نجد أن قرابة 65 في المائة من الأصوات كانت ضده. وبالتالي، فهو وإن كان يتصدّر لم يستطع حتى الآن ترجمة ذلك إلى غالبية.
في أميركا مثل سائر هو «بمقدور أي أميركي بلوغ الرئاسة». ولكن من الناحية العملية، قلة من الطامحين للمنصب ممن تقدموا إلى هذه النقطة من سباق البيت الأبيض أفلتوا من فتح خصومهم ملفات ماضيهم الشخصي والسياسي. فالرئيس هاري ترومان ظل يلقب بـ«بائع القمصان من ميزوري» رغم دخوله الكونغرس وتوليه منصب نائب الرئيس. وفي فترة أقرب زمنيًا غلب على الرئيس جيمي كارتر لقب «مزارع الفول السوداني»، وعلى الرئيس رونالد ريغان لقب «كاوبوي هوليوود».. مع أن كل منهما تولى منصب حاكم ولايته لسنوات. وهكذا، يندر أن يرد اسم ترامب بمعزل عن نعته بـ«مالك العقارات الثري» و«رجل الأعمال الملياردير»، كما يصرف الوقت والجهد لإثبات أن مسيرته في عالم أقل نجاحًا مما يزعم، كما أن حياته الشخصية ليست مثالية أبدًا. ولكن لا غرابة في هذا، فالرجل من «المشاهير» في عصر حل فيه هؤلاء مكان الأبطال التاريخيين. ثم إنه ما عاد شخصًا عاديًا أو رجل سياسة بل غدا «ماركة» روّج لها منذ سنوات عبر التلفزيون بما في ذلك برامج خاصة به. ومع أن الكثير من مشاريع ترامب التجارية والمالية فشلت ما زال الانطباع العام عنه أن يجسّد النجاح في فترة زمنية الانطباع فيها بات أحيانًا من الواقع.
ولكن لندع ترامب، ونتساءل.. أي رئيسة يمكن لهيلاري كلينتون أن تكون؟ الثابت أن كلينتون سياسية (ماكينة سياسية) أكثر توقًا للفوز بالسلطة من الرغبة بممارستها من منطلق آيديولوجي. وكان زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون قد صور هذا الجانب من شخصيتها ضمن مذكراته في اليوم التالي لفوزه بالرئاسة، عندما كتب أنه وزوجته استيقظا ذلك الصباح بعد ليلة النصر الكبير غير مصدقين أن النصر تحقق. ولاحقًا، أقر أنه كان أكثر حرصًا الفوز بالسلطة من حرصه على التصرف بنهج محدد بعد ذلك. ولعل ترك بيل كلينتون آليات العمل الحكومي تعمل بصورة تلقائية بينما انصرف إلى أمور أخرى ما جعل منه رئيسًا ناجحًا – على الأقل على الصعيد الداخلي –، وكان الرئيس الأميركي الوحيد خلال أكثر ستة عقود الذي حقق خلال حكمه نموًا اقتصاديًا مرتفعًا وميزانية متوازنة.
هيلاري كلينتون، بالتالي، ستشكل إذا فازت في نوفمبر المقبل استمرارية رتيبة بينما يتفجّر النظام الدولي أو يكاد. مناصرو هيلاري يشددون على «خبرتها»، إلا أن «الخبرة» السيئة قد تكون أسوأ من انعدام الخبرة. وبما يخص قادة الحزب الجمهوري فإنهم يكرهونها بمقدار كرهه زوجها. وبالتالي، إذا انتخبت رئيسة فإن أميركا ستعود إلى أجواء الصراع السياسي - الحزبي داخل العاصمة واشنطن خلال عقد التسعينات التي زرعت بذور الانقسام داخل النخبة الأميركية الحاكمة.
في الضفة المقابلة، لا يتمتع ترامب بأي تجربة سياسية أو خبرة حكومية. إنه صفحة بيضاء يمكن لأي كان أن يرسم عليها تصوراته أو تكهناته، ولعل هذا الجانب يلعب لصالحه. ولكن إذا كانت حياة ترامب العملية لتوفر أي مؤشر، فإنه إذا ما انتخب رئيسًا قد لا يستطيع التركيز على أي سياسة متوسطة أو طويلة الأمد. فهو أشبه بعصفور يقفز من غصن شجرة إلى غصن آخر، إذ اشتغل عبر مسيرته في مجالات عدة منها التنمية العقارية، وإدارة حقول غولف، ونشر المجلات، والمصارف، والنقل الجوي، والكازينوهات، وطبعًا الإنتاج التلفزيوني. وهناك من يذهب إلى حد القول إنه لم يدخل معركة الرئاسة بهدف الفوز، بل كانت المسألة بالنسبة له «ضربة» دعائية كبرى تعزز حضوره على شاشات التلفزيون بعد تراجع أرقام المشاهدة. ولعل في هذا ما يفسر إخفاقه في تقديم أي تصور استراتيجي متجانس حيال أي قضية.
القصة وما فيها أنه لا يعرف ما هي القضايا.
هذا، حقًا، سيف ذو حدّين. ترامب رغم زهوه وانهماكه بشخصه لا يكترث بنفور الآخرين منه أو كراهيتهم له. إنه «رجل صفقات» يتجاوز الاعتبارات الشخصية والحزبية لتمرير ما يود تمريره في واشنطن المعرّضة دائمًا للاستعصاء الناجم عن المناكفات والحزازات الحزبية. هذا الأمر إيجابي وسلبي في آن معًا. إيجابي ربما لأنه يعني أنه ليس لديه أي قناعات عنيدة غير قابلة للتغيير. وسلبي لأنه قد يغدو مجرد أداة بأيدي البيروقراطيين والتكنوقراطيين و«اللوبيات» التي ستستغل وجود رجل «غير سياسي» في البيت الأبيض.

* الجولات التالية
في أي حال ليس هناك ما يضمن أن يستمر مسلسل نجاحات ترامب. ذلك أن عددًا لا يستهان به من الكتل القوية داخل الحزب الجمهوري تعمل ضده بقوة الآن، وغايتها منع حصوله على ترشيح الحزب. لكن العقبة الكأداء راهنًا هي أن «المؤسسة الحزبية» لا تؤيد السيناتور كروز، ثاني أقوى المرشحين حتى الآن، وأن المرشح المفضل لـ«المؤسسة» السيناتور روبيو ما زال عاجزًا عن تحقيق الاختراق المأمول. مع هذا، لم يعلن صراحة دعم ترامب من قادة الجمهوريين سوى كريس كريستي حاكم ولاية نيوجيرسي، وعضو واحد في مجلس الشيوخ هو السيناتور جيف سيشونز من ولاية آلاباما.
وبناءً عليه، بعد الجولة التالية من المعارك التمهيدية المقررة يوم 18 مارس (آذار) الحالي، على «المؤسسة» الجمهورية إما إقناع كروز بالانسحاب لصالح روبيو، أو التنازل له والقبول مرغمة بدعمه. أي من هذين الحلين سيمكّن «المؤسسة» من مواجهة ترامب بمرشح واحد قوي يجمع من خلفه معظم قيادات الحزب في واشنطن والولايات، ويكسب أصوات مندوبي المرشحين المنسحبين ولعل أبرزهم جيب بوش.
ثم يرجح أن يكسب مرشح «المؤسسة» إذا اصطفت خلف مرشح واحد ضد ترامب أصوات «المندوبين المميزين الكبار» أي الشخصيات التي تحظى بأصوات في المؤتمر الوطني كونها من كبار الزعامات الحزبية على المستوى الوطني.
مقابل هذا «السيناريو»، حتى إذا ربح ترامب ترشيح الحزب فإنه سيواجه مصاعب جمة في حسم معركة الرئاسة أمام مرشح - أو على الأرجح مرشحة - الحزب الديمقراطي. لقد نجح بلا شك في خلق «حركة» على هامش الحزب الجمهوري، غير أن هذه «الحركة» تفتقر إلى الهيكل البنيوي، والكوادر القيادية، والخبرة في خوض الانتخابات والفوز بها. ثم إن «ماكينة» الحزب الجمهوري لن تحتضنه أو تتقبله بصدر رحب ما يضعف موقفه في الولايات المحورية المهمة.
إن شعار ترامب «لنعد أميركا إلى عظمتها السابقة» شعار تسويقي جذاب، إلا أن الانتخابات تحتاج «ماكينة» انتخابية تعرف كيف تنقل السيدات المتقدمات في السن إلى مراكز الاقتراع.
ولكن، في هذه المعركة، كما في غيرها من معارك الانتخابات الأميركية.. لا يحسم شيء إلا بعد إعلان النتائج في مراكز الاقتراع بعد يوم الانتخابات الطويل!

* من فاز بولايات «الثلاثاء الكبير»؟
- آلاباما: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- ألاسكا: كروز (جمهوري) -الديمقراطيون يصوّتون يوم 28 مارس (آذار)
- آركنسو: ترامب (جمهوري) – كلينتون (ديمقراطية)
- كولورادو: الاختيار عند الجمهوريين بيد 37 مندوبًا - ساندرز (ديمقراطي)
- جورجيا: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- ماساشوستس: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- مينيسوتا: روبيو (جمهوري) - ساندرز (ديمقراطي)
- أوكلاهوما: كروز (جمهوري) - ساندرز (ديمقراطي)
- تينيسي: ترامب (جمهوري) – كلينتون (ديمقراطية)
- تكساس: كروز (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- فيرمونت: ترامب (جمهوري) - ساندرز (ديمقراطي)
- فيرجينيا: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.